مع عودة البطريرك نصر الله بطرس صفير من جولته الأوروبية، تركّز الاهتمام السياسي على معرفة الاتجاهات التي سوف "تستقرّ" حركته ضمنها في الفترة القريبة المقبلة على الأقل. وفي هذا الإطار، تؤكّد أوساط مقربة منه انّ ثمّة "ثوابت" لديه ينطلق منها ستحكم تعاطيه مع الأوضاع اللبنانية.
أوّلاً: ـ يتمسّك البطريرك أول ما يتمسك بما تسميه الأوساط المقرّبة "بوليصة التأمين" على المسيحيين، من خلال الموقف الذي التزمه منذ عدة أشهر وقبل الحرب على العراق، أي الموقف الذي يعتبر أنّ المسيحيين في لبنان جزء لا يتجزأ من العالم العربي يصيبهم ما يصيبه، وانّه لا يمكنهم أن يكونوا على الضفة الأخرى من الصراع في المنطقة، أي الضفة الأميركية (والاسرائيلية استطراداً). وفي هذه الحال، فانّ البطريرك يرفض أن يركب المسيحيون أي مركب ضد سوريا.
ثانياً: ـ ويتمسك البطريرك تالياً بالعلاقة المسيحية ـ الاسلامية، التي تستدعي في هذه المرحلة طمأنة مسيحية للمسلمين بأنّ لا نيّة في أي حال من الأحوال ومهما كانت الظروف لـ "الانقلاب" على ميثاق الطائف، مثلما تستدعي طمأنة اسلامية للمسيحيين بأنّ لا نيّة لـ "حشر" المسيحيين في أي زاوية من أي نوع. ولذلك لم يكتفِ البطريرك خلال الفترة السابقة بالتشديد على العيش المشترك، بل هو دعا الى قيام "تحالفات وطنية" في البلاد، بكل ما يعنيه مصطلح "التحالفات" من تفاهمات وتسويات بين أطرافها المكوِّنة.
ثالثاً: ـ ويتمسك صفير بما أعلنه قبل جولته الأوروبية واثناءها وبعدها، لجهة انّ الدستور ليس قانوناً عادياً ليعدّل في أي توقيت ومن هنا رفضه تعديل الدستور لأشخاص أو لغاية يستفيد منها أشخاص، ومن هنا مطالبته المستمرة بتطبيق الدستور تطبيقاً دقيقاً لمعرفة ما القابل منه للتعديل أو ما المطلوب تعديله فعلاً.
الظرف السوري وعلاقته بلبنان
تشدّد الأوساط المقرّبة من صفير على انّه "يعتصم" بهذه الثوابت الثلاث الرئيسية وسط التطورات القائمة والمحتملة محلياً وخارجياً. لكنّ هذه الأوساط نفسها تسارع الى رسم صورة محددة للأوضاع اللبنانية في المدى المنظور المباشر، تظهر الوجهة التي ستبادر هي (أي الأوساط المنتسبة الى المعارضة) الى ترجمة ثوابت البطريرك في إطارها.
1 ـ تعتبر هذه الأوساط المعارضة أنّ الظروف الحالية لا تشجع على الأمل في "التغيير" أو الأمل في بداية هذا "التغيير". وتقول انّ التدهور على مستوى العلاقات السورية ـ الأميركية يمثل "الأصل" في افتقاد هذا "الأمل"، ذلك انّ سوريا التي أوحت في مناسبات سابقة برغبتها في رعاية عملية تغيير ما في لبنان، بدءاً بحوار مع المسيحيين والبطريرك تحديداً، تتعرض لضغوط شديدة من جانب الولايات المتحدة، الأمر الذي جعل دمشق من وجهة نظر الأوساط نفسها "تتشدّد" في لبنان، سواء عبر زيادة التدخل السياسي حتى ولو كان ذلك بفعل "استدراج" معين، وجعل حليفاً رئيسياً لسوريا هو "حزب الله" يقرر اعتبار لبنان "ساحة مواجهة". وبهذا المعنى، فان سوريا في مثل هذه الظروف، لا تبدو في وارد أن "تعطي" في لبنان، عطاء "معبراً"، كما تقول الأوساط نفسها.
خطوات بروتوكولية.. أو جزئية
2 ـ وتؤكد الأوساط المعارضة من "التيار البطريركي"، انّ البطريرك في المقابل ليس في وارد "الاحتفاء" بخطوات بروتوكولية أو "لملمة" مواقفه الأساسية (تحت سقف الثوابت)، في مقابل خطوات جزئية. وتلمّح في هذا المجال الى ان ثمة "عروضاً" جاهزة للطرح على البطريرك أو انها قد تطرح عليه، من مثل زيارة رمزية معينة لمسؤول سوري الى بكركي، أو حتى "حلحلة" موضوع قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، لكن البطريرك الذي سيكون مرحباً بخطوتين من هذا القبيل، لن يعتبر ذلك مدخلاً الى "مساومات كبرى".
3 ـ وتشير الى انّ ثمة توقعاً لديها بأن يلجأ الحكم في لبنان الى إغراق بكركي بـ "الغزل" عبر مبادرات "شكلية"، على أمل أن يحصل استيعاب للموقف البطريركي الرافض لتعديل الدستور من أجل التمديد أو التجديد. لكنها تتوقع الاّ يلين البطريرك في هذا المجال، خصوصاً أنه أصبح في "مرحلة ما بعد هذا الموقف" كما تقول.
الترجمة عند المعارضة
4 ـ بناء على ما تقدم، ولانها ترفض الأخذ بالكلام "المتفائل" عن تطورات تغييرية في الأفق، تلفت الأوساط المعارضة الى انّها ستقوم انطلاقاً من موقف البطريرك يوم عودته الثلاثاء الماضي حين انتقد عدم تطبيق "الاتفاق الوطني" بعد خمسة عشر عاماً من إقراره، وانطلاقاً من موقفه ضد تعديل الدستور، بـ "جردة حساب" مع السلطة تأكيداً لمعارضتها.. وسوف "تصعِّد" موقفها مما تسميه "الوصاية" السورية على السلطة التي تتحمّل مسؤولية كبيرة في ذلك، من دون المساس بالخط الأحمر البطريركي أي عدم ركوب أي مركب ضد سوريا. وتضيف انها ستسعى الى عدم الانجرار الى صراعات مع "التيار العوني" المعارض على طريقته، بل ستحاول ضبط العلاقة معه، ولا سيما انّ أداء السلطة "يشي" باستمرار نهج التمزيق و"تسييس القضاء". وتشدّد على أنّ ذلك لا يجعل موضوع العلاقة المسيحية بالمواقع الاسلامية يغيب عن بالها، من منطلق اقتناعها بانّ "التشدّد" حيال السلطة "والوصاية" لا يتناقض مع ضرورة الوصول الى "تغيير" في وقت "ما" يتضمّن فيما يتضمّن تصحيحاً للعلاقة اللبنانية ـ السورية وانتاجاً طبيعياً للسلطة في لبنان، وتوكيداً لـ"الاستقلال"السياسي اللبناني، وانّ الأمر لا يتناقض حتى مع موجبات مواجهة الضغوط الخارجية اذا ما استقرت الأمور على منحى "المواجهة".
وتختم بالدعوة الى ملاحظة انّ ثوابت البطريرك صفير بمثابة توجهات عامة، لا بدّ للمعارضة ان تطلق ديناميتها السياسية تحتها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.