كمعظم الخطب التي يلقيها، استحوذت خطبة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في إفطار أول من أمس على اهتمام الوسط السياسي من زاوية الجديد المعلن فيها.
ففي خطبته الأخيرة هذه، تحدّث السيد نصر الله عن معلومات لم يتم التأكد منها بشأن قيام إسرائيل ببناء جدار فاصل بين مزارع شبعا وسائر المناطق المحتلة الأخرى، الأمر الذي يشير في حال ثبوته الى احتمال إقدام إسرائيل على الانسحاب من المزارع. وبما أن هذا الاحتمال مطروح، ربط نصر الله بين الانسحاب وبين صفقة تبادل الأسرى بين "حزب الله" وإسرائيل بوساطة ألمانية، ليستنتج من ذلك كله أن إسرائيل سوف تسعى من خلال الأمرين في حال حصولهما الى ما سمّاه نزع ذرائع الحزب في المقاومة، إخراجاً له من معادلة الصراع وفصلاً للمسار اللبناني عن المسار السوري، ليعلن ان المقاومة ستستمر بعناوين كثيرة حتى لو تحقّق الأمران الآنفان.
هذا ما قاله نصر الله. بيد أن الوسط السياسي سجّل حيال ما طرحه الأمين العام لـ"حزب الله"، عدداً من الملاحظات على النحو الآتي:
"السابقة".. والالتباس
أولاً ـ في إعلانه أن للمقاومة عناوين عديدة متّصلة بالصراع مع إسرائيل وبما سمّاه "مشكلة إسرائيل مع لبنان" من زوايا شتّى، وان المقاومة لا تبحث عن حجج لتستمر، أقدم السيد نصر الله على سابقة "الكشف" المسبق عمّا سيكون عليه موقف "حزب الله" وأداؤه في مرحلة ما بعد إنهاء ملف الأسرى والانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا، علماً أن المسألتين لا تزالان احتمالاً، وإن كانت إحداهما (الأسرى) قيد الإنجاز مبدئياً. وهو بذلك خرج على "تقليد" اتّبعه الحزب طوال السنوات السابقة قبل تحرير العام 2000 وبعده.
ثانياً ـ وبما أنه أقدم على "سابقة" بهذا المعنى، فمن الواضح أن السيد نصر الله قصدها تماماً إذ لا مكان لـ"زلاّت اللسان" في خطبه. وهنا، كان ثمة سؤال طرح بقوة في الوسط السياسي خلال الساعات الأخيرة، هو الآتي: هل أن إعلان الأمين العام أن المقاومة لن تتوقف حتى بإنجاز ملف الأسرى والانسحاب من مزارع شبعا، ينطوي على "رغبة" في استئخار إنجاز أحدهما على الأقل (المزارع) أو عدم حصوله أصلاً، وذلك على الرغم من إبداء الترحيب المسبق بحصول الإنجاز؟ وما مدى تأثير كلام من هذا "العيار" على مفاوضات التبادل نفسها؟
ثالثاً ـ على الرغم من "الاستدراكات" في كلام نصر الله كقوله أن المعلومات لم تتأكد بعد، فإن السيّد ناقش الانسحاب الإسرائيلي المحتمل من مزارع شبعا بوصفه انسحاباً أحاديّاً غير مرتبط بـ"اتفاقية سلام" كانت إسرائيل تعلن رغبتها في حصولها في حال وردَ عندها الانسحاب من هذه المنطقة. ولذلك، سأل الوسط السياسي المناقش: هل أن نصر الله يقطع بخطابه الطريق على إمكان مطالبة إسرائيل بـ"اتفاقية" في مقابل الانسحاب من المزارع فقط أم أنه يقطع الطريق على انسحاب إسرائيلي أحادي أيضاً؟...
المقاومة في الإطار الشامل لمشروع المواجهة
رابعاً ـ على أي حال، يرى الوسط السياسي أنه بصرف النظر عما إذا كان احتمال الانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا قائماً بالفعل أو ما إذا كان السيد نصر الله رغب في إثارته لاستهداف سياسيّ آخر، وأنه بصرف النظر أيضاً عمّا ينطوي عليه الخطاب من "جديد" لهذه الناحية، فإن الجديد فعلاً في مضمون الخطاب وأبعاده، هو الإعلان الصريح أن للمقاومة وظيفة ترتبط بمجمل الصراع مع إسرائيل من مختلف بوّاباته، وليست البوابة اللبنانية (الجنوبية) سوى إحداها، وهذا ما يفسّر تركيز نصر الله على البُعد السوري والبُعد الفلسطيني. وتأكيداً لذلك، سبق لمسؤول الإعلام المركزي في الحزب الشيخ حسن عز الدين أن وضع العملية الأخيرة قبل نحو عشرة أيام في هذا الإطار، إطار "الصراع الشامل" مع العدوّ. وبهذا المعنى، فإذا كان معروفاً خاصة لمن يواكب حركة "حزب الله" أن "البُعد فوق اللبناني" للمقاومة ليس جديداً، فإن الجديد هو إعلانه على نحو صريح.
خامساً ـ على أن خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" مأخوذاً بمضامينه الرئيسية السالفة، لا يمكن قراءته بمعزل عن اللحظة الإقليمية الراهنة. فإذا كان من البديهي القول أن ما رغب نصر الله في إبرازه ليس رفض الانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا بداهة، فمن البديهي أكثر التعاطي مع الموقف السياسي المعلن على أنه إعلان استعداد من قبل "حزب الله" للانخراط في مواجهة مع أي حرب إسرائيلية (وأميركية) ضد سوريا، وإعلان من "حزب الله" أنه لن يقبل تقطيع أواصر سوريا بالمقاومتين في فلسطين وفي لبنان، لأنه لن يقبل استفراد سوريا كما قال نصر الله بنفسه. وعلى هذا الأساس، يُقرأ خطاب السيد بوصفه معنياً بإبراز ترابط حلقات جبهة المواجهة من جنوب لبنان الى فلسطين والعراق وسوريا، ولذلك فإن ما اعتبر "سابقة" في ما تقدّم إنما هو إعلان صارخ لا بدّ منه سياسياً بالنسبة الى الحزب في هذه المرحلة بالذات.
الداخل السياسي والمسألة الاجتماعية
سادساً ـ ولأن الأمر على هذا النحو، أي لأن الحزب يعيد تقديم المقاومة جزءاً من "مشروع مواجهة فوق لبنانية"، وبصفتها قوة رئيسية في هذه المواجهة، فقد سجّل الوسط السياسي خلال الأيام الأخيرة ارتفاع حدة السجال بين الحزب والداخل اللبناني، وأحياناً بقدر من "الافتعال" أي عبر "تضخيم" مواقف معترضة، وهذا ما تجلّى بشكل خاص في كلام لنائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم قبل أيام قليلة، تولّى بثّ "روح المواجهة"، بالتأكيد على الدور السوري في المواجهة من جهة، وتولّى الردّ بقسوة على مواقف لم يكن مسموعاً بها عندما هاجم قاسم منتقدي قيام المقاومة بالتصدّي للخروق الإسرائيلية من جهة ثانية.
سابعاً ـ وإذا أخذ في الاعتبار ما ورد في خطاب السيد نصر الله حول المسألة الاقتصادية ـ الاجتماعية، وإذا ما ضم إليه ما يدلي به بشكل يومي نواب الحزب وقادته في هذه المسألة، يمكن القول أن "حزب الله" الذي يدرك أن "مشروع المواجهة" لا يستقيم مع الظروف التي يعيشها الناس على الصعيد الاجتماعي خاصة في مناطق "الخزّان المقاوم"، قد قرّر إعطاء هذه المسألة الأولويّة.
باختصار يرى الوسط السياسي أن خطاب "حزب الله" مقروءاً على نحو إجمالي، يفيد أن الحزب لا يكشف فقط عن كونه جزءاً من مشروع إقليمي عربي للمواجهة، بل يردف ذلك بمحاولة "فرض الهيبة" على الداخل السياسي أو "التكشير" في وجهه من جهة وبمحاولة تقديم أولوية المسألة الاجتماعية من جهة أخرى.. وفي ذلك يعطي "حزب الله" إشارات واضحة حول طبيعة المرحلة السياسية.. المباشرة على الأقل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.