في لندن، المحطّة الأخيرة من جولته الأوروبية التي يختتمها غداً عائداً الى بكركي، كرّر البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير ما كان أعلنه في المحطّة الفرنسية الأولى من الجولة لجهة تعديل الدستور للتمديد أو للتجديد، فجدّد رفضه التعديل مع إيضاع مهم وحاسم لنظرته الى "الظرف القاهر" الذي يمكن أن يفرض التعديل في حينه.
سيسارع فريق الحكم الى تفسير كلام البطريرك على انّه لا يعني إغلاق الباب نهائياً في وجه التمديد أو التجديد. غير انّ أوساطاً مقرّبة من سيّد بكركي تدعو الى الانتباه جيداً الى كون البطريرك أكدّ من خلال موقفه أن لا تعديل للدستور إلاّ في حال تعذّر إجراء الانتخابات الرئاسية، محدّداً تعذّر حصولها على انّه لجوء بعضهم الى ترتيب ظروف معاكسة لحصول الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري.
وتضيف أوساط بكركي انّ "المعنى الحقيقي" لموقف البطريرك صفير هو انّ تعديل الدستور مرتبط بحالة "فوضى" ما ترتّبها ظروف معينة، بحيث يصبح التخيير بين فلان أو "الفوضى"، التمديد أو "الفوضى"، وهو أمر له سابقة في التاريخ السياسي اللبناني "الحديث". ولذلك، فإنّ الأوساط نفسها تعتبر على خلفيّة هذا التفسير، انّ موقف صفير ليس ايجابيّاً من تعديل الدستور، لا بل هو يقطع الطريق عليه، وإن كان ثمّة في هذه الأوساط من يعتقد انّ الأشهر المقبلة قد تشهد محاولات لاستخدام "سلاح الفوضى".
"الرعاية السورية" الأخيرة
ومن ذلك، تنتقل الى ما شهده الوضع السياسي اللبناني في الأيام القليلة الماضية، وتتوقف بشكل خاص عند ما سمّي الرعاية السورية لجلسات مجلس الوزراء المخصّصة لمناقشة مشروع موازنة العام 2004 وإقراره. وفي هذا المجال، تسجّل انّ "المشهد السياسي" غير الطبيعي هذا، انما يتحمّل مسؤوليته بالدرجة الأولى، فريق الحكم الذي تقول انّه "استدرج" تدخلاً سورياً علنياً، ليس له ما يبرّره من زاوية "صورة" الدور السوري في لبنان من ناحية، ومن زاوية "تطوير العلاقات اللبنانية ـ السورية بتصحيحها" من ناحية ثانية، لاسيّما في "لحظة" تفاعل العلاقة المسيحية ـ السورية وبوادر حوار مسيحي ـ سوري أكثر جديّة من أي وقت سابق. وإذ ترى انّ "الرعاية السورية" كانت مضطرّة الى مراعاة قدر من التوازن بين أطراف السلطة أي انها لم تنصر فريقاً على فريق، تسجّل انّ "استدراج" فريق الحكم لدور سوري على النحو الذي حصل، يقع في خانة "تسعير" مواقف حادّة مضرّة بسوريا.
وفي الربط بين الأمرين: رفض البطريرك تعديل الدستور للتمديد أو التجديد، وتحميلها هي (الأوساط المقرّبة من بكركي) فريق الحكم مسؤوليّة "استدراج" تدخّل سوري مباشر في الخلاف بين أهل السلطة، تعرب عن اعتقادها انّ فريق الحكم سوف "يسعى" الى استخدام "أسلحته" الى أن يتثبت من انّ "حظوظه" ضعيفة إن لم تكن معدومة.
شارل حلو ومن يشبهه.. مسيحياً
على انّ الأوساط المقرّبة من رأس الكنيسة المارونية، وإذ تبدي اقتناعها بأنّ فرص التمديد أو التجديد غير متوافرة من ضمن ما هو قائم من معطيات، تلفت الى انها مهتمة بأن يشكّل الاستحقاق الدستوري العام المقبل محطة في تغيير تكتمل فصوله في العام 2005 بانتخابات نيابية نزيهة على أساس قانون انتخاب عادل وديموقراطي.
وفي هذا المجال، تؤكّد انّها تتطلّع الى رئيس ماروني قادر على قيادة المرحلة المقبلة، وعلى إعادة صوغ معادلة الوفاق الوطني في البلاد، رئيس يأخذ في الاعتبار معطيات الخارطة السياسية المحلية من جهة، ومستعدّ لصوغ معادلة العلاقة اللبنانية ـ السورية على أساس جدّي و"متوازن" من جهة اخرى. وإذ ترفض ان ينسب هذا الكلام أو الذي سيليه الى البطريرك، تقول انّ ثمّة تسويقاً يجري حالياً لرئيس مقبل يشبه الى حدّ كبير الرئيس الراحل شارل حلو الذي كان عهده بين عامي 1964 و1970 بمثابة مرحلة انتقالية بين عهدي الشهابية ونقيضها. وهي في الوقت الذي تعترف بأنّ للرئيس حلو أو من يشبهه مزايا ثقافيّة و"عصبيّة" مارونيّة معيّنة "وقامة" محترمة، تشير الى انّه لا يمكنها أن تنسى انّ ذلك العهد تميّز بضعف ترك أثره على البلاد. فلقد مرّ عهد حلو بمرحلتين، الأولى مرحلة "الاستسلام" أمام أجهزة العهد الشهابي حتى ليقال انّ العهد هذا كان واجهة سياسية لحكم الأجهزة، والثانية مرحلة الصراع مع الأجهزة والتسليم للخط المسيحي الأكثر تطرّفاً آنذاك، ممثلاً بـ"الحلف الثلاثي" حتى صار عهد حلو واجهة "الحلف الثلاثي" الى حدّ كبير. وهنا، تشدّد الأوساط نفسها على أن رئيساً بمواصفات الراحل شارل حلو لا يناسب مرحلة تغيير تقتضي الكثير من الدقة والشجاعة.. والمعرفة بإدارة اللعبة السياسية وصياغة التسويات الممكنة والضرورية.
"الحاضنة اللبنانية"..
والاختيار "اللبناني" للرئيس المقبل
ومع ذلك، تقول الأوساط الآنفة انّه من المبكّر الانتقال من تحديد الموقف من التمديد أو التجديد الى الموقف من الرئيس المقبل الذي لا بدّ أن يراعي اختياره ما جرت الإشارة اليه من وجهة نظرها، وأن يكون اختياره ثمرة وفاق وطني على التغيير.
وتعتبر انّ الأشهر المقبلة يجب أن تشهد ديناميّة وفاق. وفي معرض شرح هذه الديناميّة المطلوبة، تلفت الى انّ إقرار الطائف سبيلاً الى وقف الحرب في لبنان، لم يترافق مع ديناميّة سياسيّة تقود الى توليد "الحاضنة اللبنانية" لهذا الميثاق ـ الدستور، وتعيد الاعتبار الى "الداخل اللبناني" المكشوف قبل الحرب والمدمّر خلالها. وبكلام آخر، تعتبر الأوساط السابقة انّ الطائف وُلد حاملاً إشكاليّة أصليّة، هي إشكاليّة غياب "الحاضنة الداخلية"، بحيث يمكن القول برأيها انّ اتفاق الطائف كان بمثابة اتفاق اقليمي ـ دولي قَبِل به اللبنانيون واشتركوا في صياغته، ولانّه كذلك فإن منطق الرعاية الخارجية قائم فيه أصلاً. ومن هنا، تشدّد على انّ ما لم يحصل خلال السنوات الماضية منذ الطائف، وما لم تكن الظروف تتيحه، انما يجب أن يحصل "الآن"، أي أن تنطلق دينامية حوار وطني تفضي الى تشكّل تلك "الحاضنة" من القوى الأكثر تمثيلاً في بيئاتها، والتي يجب أن تكون انتخابات العام 2005 على أساس قانون جديد، مناسبة لتظهير تمثيلها أو إعادة تظهيره، بحيث يشكّل ذلك كلّه عبر "ترميم" الداخل إيذاناً بتغيير "طبيعي" يمنع الاهتزازات والتحوّلات "الحادة".
وتختمُ بالتأكيد انّه على هذه الخلفية، لا يمكن أن يكون الرئيس المقبل اختياراً مارونياً بحتاً وإن كان يجب أن يرضي البيئة المسيحية، بل لا بدّ أن يكون اختياراً "لبنانياً" عاماً على أساس اتفاقين لبناني ـ لبنانيّ ولبناني ـ سوريّ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.