8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سوريّا مطالبة بضبط حدودها وليست مدعوّة إلى دور داخل العراق

في قراءة أميركيّة "حديثة" لما جرى خلال الأيّام القليلة الماضية من هجمات تعرّضت لها قوات "التحالف" في العراق، ان "هذه الهجمات التي ينفّذها مجرمون أطلق النظام السابق سراحهم قبل سقوطه، وبقايا من النظام نفسه، وإرهابيّون مدعومون من دول حول العراق، ليست سوى إشارة يأس" لانّ "الأمور تتحسّن هناك وكلّما تحسّنت سيسعى هؤلاء جميعاً الى التخريب".
هذا ما يؤكّده مصدر ديبلوماسي أميركي يضطلع بدور دقيق بين الحاكم الأميركي بول بريمر ومجلس الحكم الانتقاليّ العراقيّ.
وبما انّ الكلام عن "مجرمين" ممن أطلق صدّام حسين سراحهم قبل سقوطه، وعن بقايا النظام السابق، لا يخلو من الوضوح، فإنّ المصدر الديبلوماسي الأميركي يسارع الى تسمية سوريا من بين دول الجوار الداعمة للتفجيرات في العراق و"الدليل الأخير اعتقال شخص كان في طريقه الى عمل تخريبي، يحمل جواز سفر سوريّاً". ومن ذلك، ينطلق المصدر الى التشديد على انّ "العراقيين (مجلس الحكم) بدعم من أميركا، يريدون من سوريا ضبطا أكبر لحدودها مع العراق"، ويكشف انّ "أعضاء مجلس الحكم أياد علاّوي وعبد العزيز الحكيم ومسعود بارزاني وغيرهم ذهبوا الى دمشق لهذا الغرض"، وانّ هؤلاء تلقّوا وعوداً في هذا المجال "لكن السوريين وعدوا بأشياء كثيرة لم ينفّذوها سواء ما يتعلّق بالحدود أو ما يتعلّق بالمنظمات الإرهابية" كما يقول المصدر نفسه.
ويشدّد على ان "أولئك الذين يذهبون في المقابل الى سوريا لطلب دور منها داخل العراق"، انما "يطلبون الدور من الدولة الخطأ"، وينسب الى العراقيين (مجلس الحكم) انهم "لا ينظرون الى سوريا كبلد صديق بل كبلد مجاور وحسب"، ويؤكد انّ "أميركا غير قلقة من تكتيل معارضة عراقية في دمشق"، ويشير الى "انّنا ننتظر من سوريا ضبطاً للحدود ولا ندعوها الى دور داخل العراق". وعلى "الطريقة الأميركية"في الترهيب والترغيب، يحذّر الديبلوماسي الأميركي سوريا من "قيامها بلعبة مزدوجة" مع مجلس الحكم وضدّه، لكنه يلمّح الى انّه "يمكن لسوريا تحقيق مكاسب إذا تعاونت مع العراق". ويسارع الى القول ان "ليس ثمّة تفاؤل حتى الآن، ومثال على ذلك عدم تجاوب سوريا مع المطلب العراقي باسترجاع الأرصدة العراقية في سوريا والبالغة 3 مليارات دولار".
الإنجازات المحقّقة من وجهة نظر واشنطن
هذه اللهجة الأميركيّة "الحادّة" عشية الاجتماع الذي تستضيفه العاصمة السورية غداً لدول جوار العراق، والذي يفترض أن يكون وضع الحدود بنداً رئيسياً على جدول أعماله، لا توازيها "حسماً" إلاّ اللهجة المستخدمة توضيحاً لما يعتبره الأميركيون إنجازات متحقّقة في العراق.
وفي هذا السياق، يعدّد المصدر الأميركي نفسه الإنجازات على النحو الآتي:
أولاً ـ تشكيل مجلس الحكم الانتقالي بأوسع تمثيل ممكن للشعب العراقي، وقبول عضوية هذا المجلس في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي واليونيسكو والأمم المتحدة.
ثانياً ـ قيام حكومة عراقيّة من وزراء جديين يديرون الشؤون اليومية للعراقيين ومعظمهم من التكنوقراط.
ثالثاً ـ تصديق مجلس الحكم على موازنة للعام 2004، يتبيّن منها ان عائدات بيع النفط ستبلغ 13 مليار دولار للعام المقبل، بينما تحتاج إدارة شؤون الدولة الى 15 مليار دولار، ما عدا إصلاح البنى التحتية وتعزيز الأمن، ولذلك كان الذهاب الى مؤتمر مدريد للدول المانحة وقرار أميركا إعطاء 18 ملياراً ونصف المليار.
رابعاً ـ إصلاح الكهرباء والصرف الصحي، وإعادة فتح المصانع.
خامساً ـ زيادة مشاركة العراقيين في حفظ الأمن. وفي هذا الإطار تمّ تخريج لواء من الجيش العراقي الجديد، وتكليف الأمن الداخلي الى 50 ألف شرطي عراقي، وتشكيل قوة للدفاع المدني.
دستور دائم.. قبل مغادرة العراق
سادساً ـ ولأنّ الخطة تقضي بتسليم العراقيين إدارة شؤونهم بالكامل وفي اسرع وقت ممكن ،فإنّ الولايات المتحدة تريد للدستور ان يكتب من العراقيين للعراقيين، وتشجّع على تطوير لامركزيّة في العراق. في هذا المجال، ينقل المصدر السالف عن بريمر أن لا نيّة لدى الولايات المتحدة لمغادرة العراق بدستور موقت فقط، وأن لا مغادرة أميركية للعراق إلاّ بعد موافقة العراقيين على الدستور باستفتاء شعبي. ويضيف انّ المسار الذي يقترحه مجلس الحكم لانتقال مقاليد الأمور كافة الى العراقيين طويل نسبياً، خاصّة بعد فتوى المرجع الشيعي السيّد علي السيستاني بانتخاب من سيصوغ الدستور، فإذا اعتمد هذا الخيار أي انتخاب لجان صوغ الدستور لاسيّما في غياب إحصاء دقيق للسكان يستغرق إعداده أكثر من عامين، فمعنى ذلك أن يطول المسار المتضمّن أربع حلقات: انتخاب لجان الدستور ثم صياغة الدستور فاستفتاء عليه، ثمّ انتخابات عامّة تنبثق منها مؤسّسات السلطة، و"الحال انّنا نريد مغادرة العراق في أقلّ من سنتين".
من هنا يؤكّد المصدر الديبلوماسيّ الاميركيّ انّه عندما يقال إن العراقيين لا يديرون شؤونهم بأنفسهم، فذلك ليس صحيحاً في وقت يتّخذ مجلس الحكم قرارات سياسية واقتصادية، "لكن الصحافة عندكم لا ترى إلاّ الانفجارات، بينما ثمّة أخبار طيّبة لا تُذاع". ومن "الأخبار الطيّبة" هذه أنّ "الكهرباء عادت كما كانت قبل الحرب، وتمّ اصلاح 1500 مدرسة، وعاد الناس الى أشغالهم مع أنّ البطالة كبيرة، و90% من المحاكم يعمل، وهناك عُملة جديدة، ومعدّلات الجريمة في المدن تنخفض ما عدا المشكلة في المثلّث السني".
"صعوبات البداية".. نحو المعالجة
"الأمور تتحسّن" يقول المصدر نفسه، ولذلك فإن الهجمات "تعبير عن يأس" برأيه. ويذكّر بـ "أنّنا لم نكن سبباً في المشاكل التي كانت موجودة أصلاً، والدمار لم يحصل من القصف الأميركي الذي أتى على بعض القصور والوزارات، لكنّ الدمار موجود منذ ثلاثين عاماً". ومع ذلك، "يعترف" بأنّ قوات "التحالف" لم تُحسن "الفصل بين من كان يجب اقصاؤهم من الجيش ومن كان يجب الاحتفاظ بهم"، وبأنّها "لم تكن تتوقّع ان يكون العراق على هذا القدر من الفوضى"، لكن هذه القوّات "التي بدأت تتفهم معنى كره العراقيين للبعثيين"، تدرك ايضاً انّ عدم الفصل بين "الجيّد" و"الرديء" خلق مشكلة يجري العمل على حلّها. ويختم بالتذكير انّ الأولويات الأميركيّة المترابطة في العراق الآن هي: تمكين العراقيين من كلّ الأوضاع، المساعدة في الأمن وتطوير البنية التحتية، التشجيع على انجاز الدستور الذي سيشكل محطة فاصلة بين "وجودنا" وانتمائه هناك.
وهكذا يبدو واضحاً انّ هذه القراءة "الحديثة" للوضع العراقي تتحدّث عن ثلاث مراحل: الحرب وما بعدها مباشرة" من مشاكل أولاً، التعامل مع المشاكل وتحقيق انجازات ثانياً... والاستعداد للجزء الأخير من المرحلة الانتقاليّة ثالثاً.. وفي كل ذلك وعبره "رسالة" واضحة من جانب اميركا: لسنا في حالة ضعف في العراق، و"العراقيّون لا يريدون من جيرانهم الاّ عدم التدخّل في شؤونهم وعدم دعم التخريب الذي سرق صدّام لأجله قبل سقوط نظامه بأيّام مليارين من الدولارات لتمويله".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00