ينقل عائدون حديثاً من واشنطن انّ التشدّد الأميركي حيال سوريا يبلغ ذروته، ويتساوى في ذلك كلّ مراكز القرار في الإدارة الأميركيّة صقوراً وحمائم، وزارة الخارجية ومجلس الأمن القوميّ وبينهما وزارة الدفاع.
ويروي العائدون انّ نقاشاً دار بينهم وبين مسؤولين في الخارجية الأميركية أظهر انّ بداية التحوّل نحو التشدّد في هذه الوزارة، كانت في أعقاب الزيارة التي قام بها كولن باول الى دمشق في أيّار الماضي بعد انتهاء الحرب على العراق، حيث شعر انّ القيادة السوريّة ليست في وارد التجاوب "جوهرياً" مع المطالب الأميركيّة التي باتت معروفة فيما بعد. وقد تعزّز التشدّد بحسب ما استخلصه العائدون من النقاش، بعد أن ضربت سوريا عرض الحائط بما يُقال انّه "فرصة" أعطيت لها كي "تتكيّف" مع المتغيّرات، فإذا بها كما يقول المسؤولون في الخارجية لمحدثّيهم تراهن على ضعف أميركا.
ويضيف العائدون انّ التشدّد نفسه صادفوه عند أعضاء في الكونغرس الأميركي كانوا الى ما قبل فترة وجيزة من الداعمين لاستراتيجيّة أميركيّة لا تسقط سوريا من اعتبارها، وتلحظ لها دوراً، ومن هؤلاء الأعضاء في الكونغرس من انضمّ اخيراً إلى التصويت على قانون محاسبة سوريا. وبكلام آخر، يوضح العائدون من واشنطن، انّ ما كانوا يلمسونه في زيارات سابقة من وجود ما يشبه "اللوبي" المتعقّل في التعامل مع سوريا، ويمتدّ من الخارجية الى الـ"سي.آي.ايه" إلى الكونغرس، لم يعد قائماً الآن. وإن كان هؤلاء جميعاً يكتفون أمام محدثّيهم بإظهار "تبرّمهم" من السياسة السورية من غير أن يذهبوا الى حد التلويح بخطوات تصعيديّة محدّدة، الأمر الذي يجاهر به "الصقور" سواء من "المحافظين الجدد" أو من الأمن القومي الذي تقوده كوندوليزا رايس، وقد آل اليها "ملف العراق" في الآونة الأخيرة، وبعض أساسي من هذا "الملف" يتعلّق بسوريا.
وعلى أهميّة ماينقله العائدون من الولايات المتحدة من أجواء متشدّدة "عمومية" هناك حيال سوريا، فإنّه لا يتعاكس مع "الصورة" المتكوّنة من خلال المواقف الأميركية المعلنة، وكل ذلك ممّا يفيد انّ العلاقة السوريّة ـ الأميركيّة شبه "مغلقة" الآن، وانّ إعادة فتحها ليست في المتناول المباشر، وانّ ثمّة صراعاً سوريّاً ـ أميركيّاً بالتالي.
أوراق القوّة.. و"تظهير" التوازن
في هذا "المناخ"، توقفت أوساط سياسيّة وديبلوماسيّة في لبنان أمام ما أقدمت عليها سوريا في الأيام الأخيرة من خطوات وما أعلنته من مواقف، تدخل جميعاً في إطار هذا الصراع.
أولاً ـ استقبال دمشق لوفود من العشائر العراقية وتمكين هذه الوفود من مقابلة القيادة السورية على أعلى المستويات، لاسيّما الرئيس بشّار الأسد نفسه، ولوفود من قوى عراقيّة متشكّلة حديثاً تعلن معارضتها للاحتلال الأميركي في العراق واستعدادها للارتقاء بهذه "المعارضة" نحو "المقاومة"، وجهرها بنيّة تشكيل معارضة عراقيّة جديدة "مقرّها" السياسي في العاصمة السوريّة.
ثانياً ـ إعلان وزير الخارجيّة السوري فاروق الشرع قبل بضعة أيّام، وفي معرض التحذير من انّ أيّ عدوان إسرائيلي على سوريا لن يمرّ من دون ردّ سوري، مذكّراً أنّ المستوطنات الإسرائيلية في هضبة الجولان المحتلة ستكون هدفاً في إطار الردّ السوري على عدوان محتمل.
ثالثاً ـ الكشف خلال الأسبوع الماضي عن لقاء ثلاثيّ مقاوم ضمّ "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي". وإذا كان الجانب الفلسطيني هو المبادر الى كشف حصول الاجتماع، فإنّ "حزب الله" أكد حصوله. وبصرف النظر عمّا ذكرته وسائل الإعلام الإسرائيلية من انّ هذا اللقاء خطّط لعمليات داخل إسرائيل يصار الى تنفيذها، خاصة إذا تعرّضت سوريا لعدوان إسرائيلي، فإن اللقاء في حدّ ذاته يمثّل إشارة ورسالة.
رابعاً ـ زيارة الوفد العسكريّ السوريّ الى لبنان واجتماعه بقيادة المؤسسة العسكريّة اللبنانية. وفي هذا المجال تشير الأوساط الى انّه مهما يكن من روتينية اجتماعات التنسيق بين القيادتين العسكريتين اللبنانية والسورية، فإنّ حصوله بشكل معلن وبصورة نادرة على هذا النحو، انما هو إشارة اخرى ايضاً.
خامساً ـ عملية "حزب الله" في مزارع شبعا أول من أمس، والتي مهما قيل في خصوصية توقيتها واعتباراته من وجهة نظر المقاومة، فإنها برأي الأوساط لا تشكّل مجرّد إعلان بأن "جبهة المزارع" مستمرة وحسب، انما إشارة ارتباط لهذه "الجبهة" بما يجري من عدوان إسرائيلي في فلسطين وما يستهدف سوريّا من عدوان ايضاً.
ليس ثمّة احتمال وحيد
وإذ تعرض الأوساط السياسيّة والديبلوماسيّة للخطوات والمواقف السوريّة المباشرة ولتلك التي تدخل في "خانة سوريا" كما تقول، تسجّل انّ كلّ المؤشرات التي تنطوي عليها هذه الخطوات والمواقف، انما تجدّد إعلان علاقة دمشق المباشرة بالأوضاع في العراق وفلسطين ولبنان، وإن كان الإعلان يتمّ هذه المرّة بطريقة "قويّة".
ولا تتردّد الأوساط نفسها في وصف الخطوات والمواقف الآنفة بأنها أشبه بـ"استعراض سوري لأوراق القوّة" أي "استعراض" لا يفصل بين فقرة واخرى ضمنه سوى أيام قليلة. وإذ ترى انّ في هذا "الاستعراض السوري لأوراق القوّة" جانباً طبيعيّاً في سياق إعلان سوريا المستهدَفة انها تملك أوراق حماية، وإذ تلاحظ انّ ذلك يتم في موازاة التطوّرات الكبيرة التي يواجهها الاحتلال الأميركي في العراق.. تؤكدّ في المقابل انّ سوريا تسعى عبر ذلك كلّه الى "تظهير" القدرة السورية على تشكيل "توازن رادع" في وجه التهديدات.
وتدعو الأوساط السياسية والديبلوماسية الى خطأ أي مبالغة في تقدير وجهة الأحداث. ففي رأيها انّ سوريا باستعراض عوامل قوّتها ليست بالضرورة ذاهبة الى مواجهة أو انها تعدّ لها، لأنّ لاستعراض عوامل القوّة وجهاً آخر هو الايحاء لأميركا بأنها تحتاج الى سوريا. وفي تقديرها انّ "تظهير" التوازن المنشود لا يعني بالضرورة استدراج الآخر الى مشكلة، لأنّ له وجهاً آخر ايضاً هو إخضاع الأمور لنوع من "الاختبار"، وهو المعنى الذي تنسبه الأوساط الى عملية "حزب الله"، حيث تشكّل اختباراً للموقف الإسرائيلي أمام عملية غير استشهادية، وضدّ مواقع عسكرية للاحتلال الإسرائيلي تماماً كما شكّلت عمليات فلسطينية الأسبوع الماضي ضدّ مستوطنات ومواقع إسرائيلية اختباراً للمعادلة التي حاول ارييل شارون فرضها، من انّ الردّ على أي عملية في فلسطين أو في جنوب لبنان سيكون في سوريا. وفي اعتقاد الأوساط انّ نسبة الانزلاق من ذلك نحو مغامرة تبقى محدودة ولو انّها واردة، لكن مع الشكّ بالقدرة الراهنة للولايات المتحدة
بالمباشر أو بواسطة إسرائيل على توسيع "رقعة الحرب". وتختم بالتشديد على انّ استعراض سوريا لأوراق القوّة بقدر ما هو ردّ على الضغوط والتهديدات، يبدو في جوانب اخرى، مفتوحاً على احتمالات، ذلك انّ "أوراق القوّة" ليست بالضرورة "أوراق مواجهة"، وقد تكون أوراقاً لفتح المنافذ المغلقة تحقيقاً لـ"مساومة" معيّنة أي تسوية ما... وإن كان الأمر هنا لا يتوقّف على رغبة سوريا فقط إذا وجدت بل يتوقّف على ما تريده واشنطن بالدرجة الأولى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.