"الانقلاب" على ما وصف بـ"الأجواء الإيجابيّة" التي سادت الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، والذي تعكسه المواقف "الجديدة" الصادرة عن بعبدا طيلة الأيّام الثلاثة الماضية والموحية بـ"عود على بدء" بالنسبة الى رئيس الجمهورية وفريقه، استحوذ على نقاش واسع في الوسط السياسي خلال عطلة نهاية الأسبوع من زاوية محاولة الإجابة عن سؤالين رئيسيين: لماذا الانقلاب هذا؟ وماذا بعد بأفق جلسة غدٍ الثلاثاء؟
في اعتقاد عديدين في الوسط السياسي انّ ثلاثة عوامل تكمن وراء الانقلاب على الأجواء الإيجابيّة او ما سمّي "التوافق الرئاسي" او "الهدنة الرئاسيّة".
أولاً ـ انعقدت جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس الماضي، في ظل إضراب وتظاهرة فاشلين تماماً، حيث انهما والحالة هذه لم يشكّلا عامل إسناد لفريق الحكم وطروحه داخل الجلسة، ولم يستطع الفريق نفسه الاستقواء بـ"حالة جماهيريّة" لا على مستوى الإقفال تنفيذاً للإضراب ولا على مستوى المشاركة في النزول الى الشارع استجابة للدعوة الى التظاهر حيث لم يتجاوز عدد المشاركين بضع مئات فقط. وإذا كان واضحاً انّ فريق رئيس الجمهوريّة أحبطه هزال التحرّك النقابي ـ الشعبي وقد كان يتخيّل انّ التحرك سيكون أضخم ليشكّل رافعة صراعه داخل مجلس الوزراء، فالواضح أكثر انّ الفريق الرئاسي لجأ خلال الجلسة المنعقدة على إيقاع فشل المراهنة على هذا التحرّك، الى لون من ألوان التراجع التكتيكيّ في محاولة لاستيعاب الوضع.
ثانياً ـ وإذا أخذ في الاعتبار ان تدخلاً سورياً سبق الجلسة بهدف دفع "أطراف النزاع" الى تسوية في مجال الموازنة وذلك في امتداد الإدارة السورية لملف ما يسمّى "العلاقات الرئاسية" خلال الأشهر المقبلة، يمكن القول انّ الفريق الرئاسي اضطرّ الى التعامل مع موقف سوري جاد في منع أي انفجار من مدخل الموازنة، فعمد هنا ايضاً الى نوع من التراجع التكتيكي بأمل إعادة تشكيل المعطيات بصورة مختلفة في وقت لاحق.
ثالثاً ـ ويدعو الوسط السياسي الى الانتباه جيّداً الى حقيقة انّ تحقيق انتصار في مجال الموازنة يشكّل بالنسبة الى فريق رئيس الجمهوريّة ورقة مهمّة لا بل الورقة الرئيسية التي يلعبها بأفق استحقاق العام المقبل، سواء بهدف اكتساب تأييد "حالة شعبيّة" معينة او بهدف التلويح بـ"اضطراب" الوضع الاجتماعي.
"الانقلاب"
لكل هذه الاعتبارات، يرى الوسط السياسي انّ الانقلاب على الأجواء الإيجابية من قبل فريق الحكم، انمّا يعلن انتهاء فاعليّة التراجع التكتيكي ليبقى في الميدان هدف تحقيق انتصار في الموازنة فقط. ويعتبر الوسط السياسي انّ الترويج لكون رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري في كلامه بعد جلسة الخميس الماضي حاول تجيير الإيجابية في الجلسة لصالحه او انّه سعى الى تسجيل نقاط على رئيس الجمهوريّة، انّ هذا الترويج يدحضه كلام الحريري نفسه الحريص على تبيان حدود ما تمّ التوافق عليه والذي يبقى مادة لحوار ومتابعة. ويدعو الوسط نفسه الى ملاحظة انّ "الهجوم" على "الأجواء الإيجابيّة" تلا جلسة مجلس الوزراء مباشرة سواء عبر وزير التنمية الإداريّة كريم بقرادوني الذي ادّعى انّ مجلس الوزراء وافق على مشروع "وسيط الجمهورية"، او عبر استنفار أعضاء فريق الحكم من الوزراء استعداداً لجلسة الثلاثاء، او عبر ما أعلنه الرئيس اميل لحود من انه يرفض "غسيل القلوب" ويصرّ على التصويت في مجلس الوزراء لكأنّ الرئيس الحريري سعى الى "غسيل القلوب".
جلسة الثلاثاء و"السقف"
على أيّ حال، وإذا كان الانقلاب على الأجواء الإيجابيّة يعكس مجموعة من الاستهدافات السياسيّة، فإن مصادر حكوميّة مطّلعة تؤكد انّ ما أعلن من جانب فريق الحكم من تباينات في التعامل مع الموازنة لن يصل الى نقطة الانفجار، وانه سيكون موضع معالجة سياسية الى ما قبل جلسة الثلاثاء.
وتستند المصادر في توقّعها هذا الى انّ جلسة مجلس الوزراء ستبقى محكومة بالسقف الذي وضع للجلسات السابقة. لكنّها ستكون محكومة أساساً بنيّة الرئيس الحريري التوصل الى صيغة لا تنطلق من تسجيل النقاط على رئيس الجمهورية ولا تنطلق من رغبة في إسقاط ملاحظات لحود على طاولة مجلس الوزراء، انما تنطلق من قرار اتخذه بتذليل العقبات التي تعترض التوصل الى موازنة تتوافق مع الإجماع السائد على عدم رفع معدلات العجز وزيادة الدين.
وتضيف المصادر الحكوميّة انّ رئيس الحكومة مع تمسّكه بمبدأ عدم جواز إعداد موازنة بوظيفة إدارية تقتصر على دفع الرواتب، فإنّه مع الإبقاء على الاعتمادات التي لا تعطّل سير العمل وحركة النمو، ولا يجد ضيراً من تفعيل الحدّ الممكن من الخدمات الاجتماعية لاسيما في مجالي الصحّة والتربيّة.
وفي السياق نفسه، أي سياق عدم توقّعها الانفجار، تتوقّف المصادر الآنفة عند الجهود التي بذلتها القيادة السورية لضبط الإيقاع السياسي بين أهل الحكم خلال الأسبوع الماضي، وتعتبر (المصادر) انّ مفعول هذه الجهود لا يزال سارياً وانّ شيئاً لم يتغيّر على هذا الصعيد خلال الأيام الثلاثة الماضية ممّا يسمح بالانتقال الى الحديث عن مناخات "متفجّرة" في جلسة الثلاثاء. وترى انّ القيادة السورية لن تتوقّف عن دفع جهودها تشجيعاً على النقاش داخل مجلس الوزراء، وتفكيكاً لصواعق يمكن أن تنشأ من خلال المتلاعبين على حبال تسعير الخلافات بين أهل الحكم. ذلك انّ القيادة السورية تربط بين التحديّات التي يواجهها لبنان على المستوى الداخلي لاسيما ما يتعلّق بمعالجة المسألة الاقتصاديّة وبين التحديات الكبرى التي تضع لبنان وسوريا أمام مواجهات مصيرية.
الحريري وكسر الحلقة المفرغة للدين
ولذلك، ولأنّ "الوظيفة السياسية" للموازنة تصليباً للوضع الداخلي يفترض ألاّ تتعارض مع الدور السياسي للدولة مواجهة للتحديات، لا بدّ من أن تجري ترجمة ذلك في مجلس الوزراء ليتحمـّل مسؤوليّة اية موازنة يمكن أن تصدر عنه، كما تقول المصادر نفسها مشدّدة على انّ الموازنة التي يستطيع مجلس الوزراء تحمّل مسؤوليتها هي التي قد تتضمّن تعديلات يتم التوافق عليها. وقد سبق لأوساط الرئيس الحريري أن أوضحت انّها لا تمانع في تعديلات لاسيما بالنسبة الى الوظائف الاجتماعيّة للموازنة، لكن من دون أن يمسّ التعديل بنوداً واعتمادات بما يصيب الحدّ الأدنى من أعمال الدولة، وأرقام العجز والدين. وتذكّر أوساط الحريري بأنه يُفترض الخوض في نقاش عميق حول سبل وضع توجّهات باريس ـ 2 موضع التطبيق وإعداد الآليـّات التي تسمح بتحقيق موارد حقيقيّة للدولة تؤسّس لمعالجة مسألة الدين.
وفي هذا الإطار، تعتبر أوساط رئيس الحكومة انّ موازنة استثنائيّة في مواجهة وضع استثنائيّ، لا يمكن أن تنفصل عن رؤية الدولة لمعالجة الدين العام والخروج من هذه الحلقة المفرغة التي تستمرّ لأسباب ودوافع سياسيّة داخليّة. وتشدّد على انّ كسر هذه الحلقة، هو الأولويّة التي يفترض بمجلس الوزراء أن يتصدّى لها، والتي تندرج إلتزامات باريس ـ 2 في إطارها.
وعلى الرغم من الإجابات السابقة عن السؤالين: لماذا الانقلاب على الأجواء الإيجابيّة؟ وماذا بعد بأفق جلسة الثلاثاء؟، يبقى... انّ الثلاثاء لناظره قريب!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.