في مجلس ضمّ عدداً من السياسيين أمس، تركّز النقاش حول دلالات العلاقة "الحميمة" المستجدّة بين فريق رئيس الجمهورية والمطالب الاجتماعية والتحرّكات النقابيّة التي تحمل هذه المطالب، في ضوء الإعلان المتكرّر للرئيس عن دعمه المطالب ودعوته الى زيادة الاعتمادات في الموازنة لأجلها، وفي ظلّ التشجيع من قِبله ومن قِبل موالين له على التحرّك الضاغط في الشارع. وسجّل المناقشون في هذا الإطار مجموعة الملاحظات الآتية:
أولاً ـ ان الرئيس إميل لحود كشف أوراقه عبر ما سمّي "الملاحظات الإصلاحية" على مشروع موازنة العام 2004، ذلك أنه في مقاربته مقولة "الإصلاح" لم يتقدّم خطوة واحدة باتجاه تقديم "فكرة" محددة حول كيفية السيطرة على عجز الموازنة من ناحية وعلى الدين العام من ناحية ثانية، ولم يقدّم جواباً واضحاً عن كيفية خفض كلفة الدين العام والتي كان يفترض أن تنخفض هذا العام من 4300 مليار ليرة الى 2500 مليار ليرة. وأكثر من ذلك فإنه يقترح زيادة في الاعتمادات لو جرت الاستجابة لها لأدى الأمر الى زيادة الانفاق وبالتالي زيادة العجز والدين، متجاهلاً أن ثمة ورقة إصلاحية أقرّت العام الماضي وحملت بوصفها التزامات الى مؤتمر باريس ـ 2.
ثانياً ـ انّ الإصرار من قبل فريق الرئيس لحود على تجاهل "أصل" المشكلة بما هي مشكلة السيطرة على كلفة الدين أساساً، يعني من وجهة نظر المناقشين أنه مصرّ على الرغم من مخاطر التعرّض لـ"التوازن" المالي، على السير في الاتجاه الذي يؤدي الى البقاء في الحلقة المفرغة والى تمديد أجل "النفق" وعدم الخروج منه.. في أفق منظور.
ثالثاً ـ ان "المزايدات الشعبويّة" كما وصفها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، والتي تحصل في مناخ تشجيع التحركات في الشارع من جهة وفي ظلّ تعطيل المعالجات الإصلاحية الحقيقية للمسألة الحقيقية المشار إليها آنفاً من جهة أخرى، تؤدي من دون شك الى خلق "اضطرابات" اجتماعية إن لم تكن هادفة الى خلقها أصلاً.
إسقاط الحكومة أو فرض مناخ أمني؟
رابعاً ـ وفي رأي المناقشين أنّ انتقال فريق لحود الى "الالتصاق" بالمسألة الاجتماعية ولو على غير خلفية علمية، لا يزال (الانتقال) في الإطار نفسه سياسياً أي الرغبة في البقاء في السلطة. غير أن ما يلاحظه المناقشون هو أن فريق رئيس الجمهورية بعدما تعذّر عليه إسقاط الحكومة ورئيسها سواء باستدراج الرئيس رفيق الحريري الى الاستقالة أو بوسيلة دستورية، يجرّب الآن حظّه في محاولة إسقاطها في الشارع.
خامساً ـ وبصرف النظر عن مدى تقدير هذا الفريق لخطورة توجّه كهذا، فإن ما يغيب عن باله هو حقيقة أن الواقع النقابي الذي لم يعد يمثّل كثيراً القطاعات العمالية والشعبية بعد أن دجّن في مراحل سابقة وجرى اختراق بعضه من الأجهزة، بات غير قادر على تشكيل حالة شعبية حقيقية، وان ما بقيَ منه خارج الاختراقات لا يضع نفسه في خانة فريق من فرقاء السلطة.
سادساً ـ على أنّ أخطر ما يلاحظه المناقشون في هذا المجال، هو أن فريق الرئيس الذي يبدو مصمّماً على المضيّ قدماً نحو البقاء في السلطة، إنما يوحي باستعداده لاستباحة بعض المحظورات. وهنا يسجّل المناقشون ان العلاقة الحميمة المستجدّة مع المطالب والتحرّكات الاجتماعية، إذا رُبطت مع ما يمكن أن تؤدي إليه مما جرى التطرّق إليه آنفاً، لا تجعل أحداً يستبعد بالمطلق محاولة فرض نوع من الحالة الأمنية (أو المناخ الأمني) في البلاد، حالة تحاول أن تستفيد إمّا من حال الاضطراب إقليمياً في ضوء التطوّرات الخطيرة وإمّا من حال انعدام التواصل حتى الآن بين مختلف الفرقاء السياسيين أو من حال تعطّل السلطة ومؤسساتها أو من حال الفراغ النسبيّ على مستوى الحياة السياسية.. وكل ذلك لفرض لون من الأمر الواقع السياسيّ.
وبناء على ما تقدم من تفسير يعطونه لأبعاد العلاقة الحميمة المستجدّة مع المطالب الاجتماعية، يستنتج المناقشون أن ثمة محاولة للمزاوجة بين "الشعبوية" وبين "السلطوية" بمضمونها القسريّ، وكل ذلك "على أمل" إيجاد ظروف مناسبة للبقاء في السلطة. كما لا يتردّد المناقشون في اعتبار أن ما يجري يدخل أيضاً في إطار ما يمكن تسميته "لعبة الأعصاب".
التطوّرات المعاكسة
على أن ما يشدّدون عليه هو أن ثمة في المقابل عوامل سياسية تتعارض كلياً مع التوجه الظاهر لفريق الحكم.
1 ـ لا شك في اعتقادهم أن ما أعلنه البطريرك المارونيّ نصر الله بطرس صفير من مواقف خلال جولته الأوروبية لا يصبّ البتّة في خانة هذا الفريق، وثمة من يتوقع أن تفتح عودة البطريرك الى لبنان مطلع تشرين الثاني المقبل صفحة سياسية جديدة تماماً في البلد، وفي هذه الصفحة أن ثمة رسائل سوريّة إيجابيّة وجّهت الى البطريرك عبر محيطين به، توحي بإمكان التوصـّل الى تفاهمات أساسية.
2 ـ ولا شكّ أيضاً في اعتقادهم أن المواقف الأخيرة للزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، سواء السياسية منها أو المالية أو الاجتماعية، لا تستكمل حلقة التواصل مع البطريرك والبيئة المسيحية وحسب، إنما تؤشر أساساً الى أول مسافة من نوعها بينه وبين فريق الحكم، وهي على الأرجح تشكّل بداية حركة سياسية لجنبلاط، الذي أخذ مسافة من التحركات النقابية ليس لأنه يعارض المطالب الاجتماعية للناس، بل لأن ظروفها ملتبسة ولا يرغب في "الغوغاء" وهو الذي أعلن رفضه للمزايدات التي تبقي الوضع أسير حلقة مفرغة.
3 ـ الى هذين التطوّرين البارزين، يلفت المناقشون الى دخول الاستحقاق الرئاسي منذ اليوم في دائرة تعدّد الاحتمالات، وهذا ما يعكسه "ظهور" عدد من المتحدثين الموارنة ومنهم من كان حتى فترة قريبة من "المتعاملين" مع احتمال التمديد، عن الاستحقاق في صيغة رفض لـ"أحاديّة" الاحتمال.
باختصار، يعرب المناقشون عن اعتقادهم أنّ في مقابل توجهات فريق الحكم ثمة تطوراّت لا يمكنه تجاهلها وإن كان الصراع السياسي مرشحاً لمزيد من الاحتدام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.