بخروجه عن صمته أوّل من أمس، أعطى رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط إشارة انطلاق مرحلة سياسيّة جديدة تماماً، وهذا شأنه عند كلّ منعطف استراتيجيّ تجتازه المنطقة ويترك تأثيراته على الوضع اللبناني.
وبحسب أوساط واسعة الاطلاع على تفكير جنبلاط وخاضت معه نقاشاً في الأيام القليلة الماضية حيث كان يقلّب الأمور من مختلف جوانبها، فإنّ ما طرحه جنبلاط من عناوين، أتى مترابطاً بمعنى انه يجب قراءته على نحو متكامل وليس باجتزاء، سواء ما يتعلق بمواجهة التصعيد الأميركيّ ـ الإسرائيليّ ضدّ سوريّا، او ما يتصل بما سمّاه تصحيح شوائب العلاقة اللبنانيّة ـ السوريّة تحسيناً لشروط المواجهة، أو أخيراً ما يفيد بدعوته الى تطبيق الطائف بصرف النظر عن ملاحظات عديدة عليه.
وفي رأي الأوساط المطّلعة هذه ان ما أعلنه الزعيم الاشتراكيّ بالنسبة الى مواجهة التصعيد الأميركيّ ـ الإسرائيلي اقليمياً ضد سوريا وفلسطين والعراق، ليس جديداً وهو هنا يؤكد الخيار الذي التزمه في وقت مبكّر منذ ما بعد 11 أيلول 2001 وإعلان ما يسمّى "الحرب الأميركيّة على الإرهاب"، وقد كان له باعٌ طويل في كشف استهدافاتها عبر كل المحطات التي مرّت بها في ظلّ تحالف "الليكود" الحاكم في إسرائيل، واليمين المسيحي المتصهين الحاكم في البيت الأبيض.
غير ان "الجديد" يتمثل في استعادته الكلام عن تصحيح شوائب العلاقة اللبنانيّة ـ السوريّة للمرّة الأولى منذ العام 2001، لكن في سياق "تاريخي" مختلف. ذلك ان جنبلاط الذي بادر الى طلب طي صفحة النقاش في الوجود السوري بعد أحداث أيلول 2001 بالعلاقة مع ما رآه من مقتضيات المرحلة آنذاك، يبادر اليوم الى "الاعتراف" بواقع ان ثمّة نقاشاً في الوجود السوري، يدعو الى تصويبه من منطلق "وحدة" المواجهة.
فجنبلاط الذي يرى انّ ما سمّاه "النقاش القديم ـ الجديد" ينطوي على خطورة ماثلة في بعض الطروحات وعلى خطورة الدفع باتجاه فكّ لبنان عن سوريا وعن الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ، يعتبر مع ذلك ان الشوائب في العلاقة اللبنانيّة ـ السوريّة تشكّل ثغرة رئيسية يمكن النفاذ منها ضد سوريّا، بينما تشكّل معالجتها وتصحيحها حماية لسوريا.
تجربة العام 1982,.
بأي معنى
وفي تقدير الأوساط الواسعة الاطّلاع انه ومن دون عناء استقراء لما وراء هذا الطرح بالنسبة الى الزعيم الجنبلاطي، فإنّه يستحضر في العمق هنا تجربة العام 1982 من زوايا عدّة. ففي الزاوية الأولى ان الاجتياح الإسرائيليّ للبنان صيف ذلك العام استغلّ أزمة العلاقات "الوطنية اللبنانيّة" ـ الفلسطينيّة، والفلسطينيّة ـ السوريّة و"الوطنيّة اللبنانيّة ـ السوريّة فضلاً عن الانقسام اللبناني الكبير. وفي الزاوية الثانية انّ الاجتياح حصل مسبوقاً بنقاشات على غير صعيد لبنانيّ حول ما إذا كان الاجتياح سيحصل أو لا مع العلم ان كلّ المعلومات كانت تؤشّر الى ذلك. وفي الزاوية الثالثة انّه قبيل الاجتياح كان مجرّد الحديث عن احتمال مجيء بشير الجميّل الى رئاسة الجمهوريّة يقابل باستهجان الى أن أصبح أمراً واقعاً... فكان دخول وليد جنبلاط ورئيس حركة "أمل" نبيه برّي الى "هيئة الإنقاذ" التي شكّلها الرئيس الياس سركيس، بفعل أمر واقع وفي توازن بالغ الخلل. ومن الزوايا كافّة، تفيد تجربة العام 1982 انّ غياب التسوية ظروفاً وقوى آنذاك، أدى الى إفقاد لبنان الحصانة في مواجهة التطوّرات التي كانت منظورة بالفعل.
وتعرب الأوساط نفسها عن اعتقادها انّه إذا كانت الظروف الخارجيّة حول لبنان تسمح بتذكّر ظروف العام 1982، فإنّ الظروف الداخليّة مختلفة ويمكنها أن تكون أكثر ايجابيّة. ولذلك تقرأ الأوساط كلام جنبلاط عن تصحيح شوائب العلاقة بسوريّا في سياق سعيه إلى إزالة لغم قابل للاستغلال أميركيّاً وإسرائيليّاً وهو قيد الاستغلال بالفعل، وتقرأه بوصفه كلاماً هادفاً الى "مدّ خشبة" التفاهم والتلاقي مع بيئة مسيحيّة تتحلّق حول البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير بشكل رئيسيّ، وهي بيئة أعلنت منذ شهور قبل الحرب الأميركية على العراق رفضها المراهنة على أميركا ضدّ سوريّا.
الحاضنة اللبنانية الإسلاميّة ـ المسيحيّة
وتضيف انّه إذا أُخذ في الاعتبار انّ عنوان "تصحيح شوائب العلاقة اللبنانيّة ـ السوريّة" مطروحاً في سياقه التاريخي الراهن، يجب أن يشكّل مصدر اطمئنان لسوريّا كونه مطروحاً من زاوية التضامن في الخيار، وإذا أُخذ في الاعتبار كونه لا يثير مخاوف الزعامات الإسلاميّة، فإنّ معنى ذلك يكون انّ جنبلاط في صدد السعي المتدرّج الى تشكيل "حاضنة" لبنانيّة قادرة على التعامل مع التطوّرات من دون خشية من الانزلاق الى انقسام سياسيّ ـ طائفيّ في البلد في أيّة لحظة من اللحظات، وقادرة على حفظ الحدّ الأدنى من التماسك الوطنيّ اللبنانيّ.. لا بل تعتقد الأوساط هنا انّ سوريا يفترض ان تتلّقف أبعاد ما طرحه جنبلاط لتساهم في تمكين هذه "الحاضنة" من أن تبصر النور.
بين "أزمة النظام"
واستعادة الطائف
وفي مجال آخر من كلام رئيس "التقدمي"، تلفت الأوساط المطلعة الى انّ استعادته لـ"مرجعية" الطائف في خطابه السياسيّ، قد تنطوي في نظر البعض على "جديد" من زاوية انّه لم يتردّد في الفترة السابقة، في وصف "الأزمة السياسيّة" في البلاد بأنّها "أزمة النظام"، ومن زاوية انّ هذه الرؤية الى "أزمة النظام" تتضمّن انتقادات الى الطائف والدستور والآليّات التي يشتملان عليها. بيد انّ جنبلاط في استعادته مرجعيّة الطائف لا يسقط تحفظاته عليه، لكنه يعتبر ان لا بديل منه الآن، وأن لا إمكان لتوليد "تسوية" جديدة في أمد منظور وأن لا مبرّر لأولويّة اخرى تعلو على أولويّة تحقيق التماسك الداخليّ بحسب الأوساط التي تشير الى انّ في موقفه هذا اقتراباً الى حدّ كبير من موقف البطريرك صفير الذي دعا الى تطبيق الطائف قبل بحث تعديله. وتضيف انّه بقدر ما يمثّل تمسّك البطريرك بالطائف طمأنة للمسلمين بأنّ المسيحيين لا يرغبون في الانقلاب على الطائف لانّهم لا يستقوون بعوامل خارجيّة على الشريك المسلم، فإنّ موقف جنبلاط في المقابل يشكّل طمأنة للمسيحيين بأن لا نيّة في الانقضاض على الشريك المسيحيّ.
من هنا، ترى الأوساط الآنفة انّ كلام جنبلاط كلّ مترابط، وتقول انّه إذا كان الزعيم الاشتراكيّ "يشتمّ" تطوّرات خطيرة يرى بناء عليها انّه لا بدّ من تموضع لبنانيّ متجدّد، فسيخطئ من يتعامل مع مواقف جنبلاط على انّها تبدّل آخر في وقت يطرح على اللبنانيين "تكييف" وضعهم. ولذلك، لا يعود جنبلاط الى خطاب العام 2000 ولا هو يستمر في خطاب ما بعد 11 أيلول 2001، انّه يجدّد خطابه السياسيّ مدركاً انّ التطوّرات الخطيرة تفرضه حماية للبنان وضمانة لسوريّا.
المسافة عن السلطة وفريق الحكم
وفي الانتقال الى "التفاصيل" الاخرى من كلام جنبلاط، وهي "تفاصيل" بمقياس انّ ما سبق التوقّف عنده يدخل في باب "الاستراتيجيا"، تلفت الأوساط الواسعة الاطّلاع نفسها الى انّ الانتقادات التي صاغها على شكل أسئلة من مثل: من هي السلطة؟ وأين السلطة؟ وأين تذهب عائدات الكازينو؟ وهل يمكن إعطاء القضاء استقلالاً؟ الخ.. انّ هذه الأسئلة تعكس ابتعاداً متزايداً لجنبلاط عن السلطة وفريق الحكم ضمنها، وتعكس نفساً معارضاً متصاعداً، وتقديراً بأن تفكير هذا الفريق يقتصر على محاولة تحقيق مكتسبات آنيّة وذاتيّة.
وتبدي الأوساط اعتقاداً هنا انّ جنبلاط في توجيهه معظم السِهام نحو فريق الحكم، لا يسجّل اعتراضه على أدائه فقط، ولا يرغب في تذكيره بأنّ السلطة في مجلس الوزراء بحسب الطائف وحسب، ولا ينحاز عمليّاً ضد التمديد فقط ايضاً، بل هو ـ والتقدير للأوساط ـ يخشى من استمرار نوع من "الفراغ السياسيّ" في هذه المرحلة، فراغ من مثل عدم التلاقي الإسلامي ـ المسيحيّ على تشخيص خطورة المرحلة، الأمر الذي يدخل البلاد في المجهول.. وضمنه مجهول إصرار فريق الحكم على السلطة بأيّ ثمن.. وما قد يترتّب على ذلك.
وتختم بالتشديد على انّ فترة التأمل التي قضاها جنبلاط، لم تفضِ كما قد يخيّل للبعض الى استنتاجات جزئيّة حول دلالات نتائج انتخابات بعبدا ـ عالية الفرعيّة، بل أفضت الى قراءة للمرحلة اللبنانية ـ الاقليميّة ومقتضياتها، ولذلك فإنّ ما طرحه من شأنه أن يطبع المرحلة السياسيّة المقبلة بطابعه، وهو لم يستعجل الطرح بل كان لا بدّ منه وفي هذه اللحظة بالتحديد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.