8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

واشنطن تعيد إدخال إسرائيل ضمن استراتيجيّتها في المنطقة

بعد مصادقة مجلس النواب الأميركي على "قانون محاسبة سوريا" ومع توقّع أن يقطع "القانون" المراحل التالية نحو مجلس الشيوخ فالإدارة بسرعة، لم يعد ثمة مجال للشك في أن "محاسبة سوريا" يتجاوز كونه "إنذاراً" أو "رسالة"، لأنه يبدو في موقع القلب من الاستراتيجية التي يديرها "المحافظون الجدد" في الولايات المتحدة، والتي كانت الحرب على العراق أول نُذرها.
وفي هذا السياق بالتحديد، تذكّر مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة بأن الحرب الأميركية على العراق حصلت في الأصل لتحقيق جملة أهداف في المنطقة دفعة واحدة، أي أن الاستراتيجية الأميركية توخّت أن تشكّل هذه الحرب المفصل الحاسم لإخضاع المنطقة من كل البوابات، وتحقيق الحماية لإسرائيل "في الطريق".
وبهذا المعنى، تعتبر المصادر الآنفة أن "قانون المحاسبة" ليس مطروحاً من قبل أميركا بإدارتها التي يسيطر عليها اليمين المسيحي الصهيوني، للمساومة مع سوريا، في العراق وحول المسألة العراقية، تماماً لأن الاستراتيجية المعتمدة لا تفصل أي حلقة من حلقات الوضع في المنطقة عن الحلقة الأخرى، وبكلامٍ آخر ما كان "القانون" ليُطرح فقط من أجل الضغط على سوريا لتقدّم تنازلات في الملف العراقي.
المحافظون في أميركا والهروب إلى الأمام
وتلفت المصادر نفسها الى أن مرور "القانون"، إنما هو ثمرة نجاح "المحافظين" في إقناع الرئيس جورج بوش بعدم عرقلته، بما يساعدهم على تشديد الطوق حول سوريا. وتشير الى أن مروره الذي تزامن مع الضوء الأخضر الذي أعطي لإسرائيل كي تقوم بعدوانها داخل الأراضي السورية قبل نحو أسبوعين، ومع تجديد الاتهام لسوريا بإباحة حدودها أمام عمليات تستهدف القوات الأميركية في العراق، ومع إدعاء وجود أرصدة للنظام العراقي السابق في سوريا، إن مرور "القانون" يعكس تصعيداً أميركياً يقوده "الصقور" الذين لا يزالون في وضع مريح ضمن الإدارة في واشنطن، ولا يزالون على فكرتهم الداعية الى استهداف سوريا.. وإيران أيضاً.
ومع ذلك، لا تستبعد المصادر الغربية أن يكون ثمة هروب أميركي الى الأمام في ما يحصل الآن من تصعيد للضغوط على سوريا، أي أنه إذا كان صحيحاً أن استهداف سوريا نظاماً وموقعاً يقع ضمن الاستراتيجية الأميركية (الليكودية) ولم يطرأ أي تغيير على هذا الصعيد، فليس مستبعداً أن تقدم الولايات المتحدة على نوع من الهروب الى الأمام في مواجهة نقاط ضعف معينة تعاني منها.
وفي هذا المجال، تذكُر المصادر أن "الصورة" في واشنطن بدت مختلفة نسبياً قبل فترة، حيث جرى تسليم "الملف العراقي" الى مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس، مع تنامي نفوذ وزير الخارجية كولن باول في المسألة العراقية أيضاً. وتقول إن هذه "الصورة" التي تزامن بروزها مع الإخفاقات الأميركية في العراق (وأفغانستان)، "قد" تكون دافعاً للمحافظين الى "التنشّط" تحت عنوان أنه لا يجوز لأحد أن يستضعف أميركا. والى ذلك يضاف أن "فريق الصقور" الذي يرفض الاعتراف بما يواجه أميركا في العراق ويرفض في الوقت نفسه استضعاف سوريا، يرفض أيضاً أن "يُسلّم" بأن أميركا لا تستطيع الانتقال الى "جبهات" أخرى، وهي "الامبراطورية" التي تسود على العالم.
جديد الاستراتيجية: دور إسرائيلي
في مثل هذا "المناخ" المتكوّن من استراتيجية معتمدة من ناحية ومن رفضٍ لأي استضعاف من ناحية ثانية ومن سعي من قبل المحافظين الصقور الى الاحتفاظ بتوازن القوى لصالحهم داخل الإدارة خصوصاً في سنة انتخابية من ناحية ثالثة، تعربُ المصادر الديبلوماسية الغربية عن اعتقادها أن "الهروب الى الأمام" يصبح وارداً. على أن أخطر ما فيه هو إعطاء إسرائيل دوراً متجدداً في إطار الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
وتوضح هنا بالقول إن "الهروب الى الأمام" لا يعني توسيع أميركا الحرب باتجاه سوريا، لا سيما في وقت لا تستطيع أميركا تغيير عسكرها في العراق وقد انتشر جيشها كله في هذا البلد، بل يعني في هذا الإطار تكليف إسرائيل بمهمّات ضد سوريا وغيرها من الدول المستهدفة. وتستدرك المصادر لتقول إن تكليف إسرائيل بمهمات لا يعني إجازة حرب إسرائيلية مفتوحة، بل ضربات هادفة الى زعزعة الاستقرار، والخلفية وراء ذلك أن التلويح لأميركا بإمكان نشوء فوضى في وجهها في لحظة ضعف تعانيه، يرد عليه أميركياً بـ"إدارة فوضى" يمكنها أن تصيب مواقع الاعتراض على أميركا.
وفي رأي المصادر أن الجديد في الاستراتيجية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب على العراق، هو إدخال إسرائيل في ما تسمّيه واشنطن "الحرب على الإرهاب"، الأمر الذي كانت أميركا تستبعده قبل الحرب وأثناءها وبعدها الى ما قبل فترة من الزمن. ومن هنا، فإن "قانون محاسبة سوريا"، خصوصاً عندما يستكمل مراحله كافة، ليس مجرّد تصعيد أميركي ضد سوريا، بل هو ضوء أخضر استراتيجي لإسرائيل بالعدوان على سوريا ولبنان، لا سيما إذا كانت الولايات المتحدة ستتوجه بعد ذلك الى مجلس الأمن في محاولة للتضييق على سوريا.
سوريا
إذا كان ما تقدّم يعطي صورة عن التوجهات الأميركية حيال دمشق كما تعكسها مصادر ديبلوماسية غربية، فإن الرئيس السوري بشّار الأسد الذي لم يردّ مباشرة على إقرار "المحاسبة" في مجلس النواب الأميركي، ردّ مع ذلك على الاستراتيجية الأميركية في منعطفها الراهن، في خطابه أمام القمّة الإسلامية في ماليزيا أمس، وفي هذا الردّ أن سوريا لن ترضخ للشروط الأميركية (والإسرائيلية)، ويقيناً أن سوريا التي لا تسعى الى المواجهة مع أميركا، تمتلك نقاط قوة عدة، أبرزها على الإطلاق نقاط ضعف الاستراتيجية الأميركية نفسها في المديين المتوسط والأبعد. وللبحث صلة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00