8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأسد يفتح الاستحقاق الرئاسيّ على احتمالات عدّة وإن لم يحسٍم أياّ منها

في حديثه الأخير الى الزميلة "الحياة"، قال الرئيس السوري بشار الأسد رداً على سؤال عن الاستحقاق الرئاسي اللبناني المقبل إنّ "التوافق اللبناني على الرئيس أهم نقطة"، وأضاف "اعتقد انه لا يمكن أن يكون هناك توافق من دون توافر الصفات المطلوبة، أي الوطنية والايمان بالعلاقة العربية"، ولاحظ ان "هذه المواضيع أصبحت محسومة لبنانياً". وعندما سئل عن انطباق هذه المعادلة على أشخاص محدّدين، أجاب الرئيس الأسد ان "هناك الكثيرين لديهم مثل هذه المواصفات لكن الأهم هو من يوافق عليه الشعب اللبناني".
هذا الكلام للرئيس الأسد كان موضع تفسيرات عدّة ومتناقضة على مدى الأيام الماضية. بيد ان شخصية نيابية مرموقة تحسن عادة القراءة بين السطور السورية، تعطي تفسيراً موضوعياً لما قاله الرئيس السوري، فتلفت الى ان الأسد حدّد "شروطاً" يجب توافرها في الرئيس اللبناني: التوافق اللبناني، الوطنية والايمان بالعلاقة العربية وقد أصبح الأمران محسومين في لبنان، المؤهلون لهذا الموقع كثر، ورأي "الشعب" في من يكون الرئيس مهمّ. وتضيف الشخصية النيابية أن "المعنى الدقيق" لكلام الأسد هو انه "لا يضع الاستحقاق الرئاسي اللبناني أمام احتمال وحيد بل يفتحه على احتمالات عدة، ولا يربطه بشخص واحد بل يفتحه على أشخاص عديدين".
وإذ تؤكد ان المسألة فُتحت على مجموعة من الاحتمالات في ضوء ما أعلنه الأسد، تحذّر الشخصية نفسها من التعاطي مع هذا الموقف بوصفه قطعاً للطريق أمام احتمال التمديد أو التجديد للرئيس اميل لحوّد، وإن كان هذا الاحتمال (التمديد) لم يُعد سوى واحد من عدّة احتمالات يتوقف اعتماد واحد منها على تطوّرات الظروف في الفترة التي لا تزال تفصل عن موعد الاستحقاق، وتشير الى ان سوريا لن تحسم منذ الآن بشكل نهائي الخيار الذي ستسير فيه، وانه من الطبيعي أن تترك الموضوع حتّى ربع الساعة الأخير.
قراءة معارضة في الإشارات المسيحية للأسد
بيد ان أوساطاً مسيحية معارضة ومقرّبة من البطريرك نصرالله بطرس صفير، توافق على تقدير الشخصية النيابية المرموقة لـ"معنى" ما أعلنه الرئيس الأسد، تدعو في الوقت نفسه الى قراءة فقرات اخرى من حديث الرئيس السوري، لاسيما قوله ان "ثمة رسائل إيجابية تتطوّر بيننا وبين بكركي وهناك اشخاص ينقلون وجهات النظر المختلفة وأستطيع أن أقول انها تحقق تقدّماً"، وقوله ايضاً ان "ثمّة خطوات جيّدة في فتح أقنية مع كل الجهات في لبنان وحتى مع المعارضين الذين لا يتفقون مع سوريا، وثمة لقاءات تمّت بين مسؤولين سوريين والكثير من الذين لا يتفقون مع سوريا".
وتعطف هذه الأوساط كلام الأسد في حديثه الصحافي الى كلام له ايضاً تنقله شخصيات سياسية التقته في دمشق يتعلق بالاهتمام الشديد الذي يبديه بالوضع المسيحي في لبنان، وتحديداً اهتمامه بمزيد من الانفتاح على البطريرك الماروني والوقوف على آراءه وأفكاره ومقترحاته. وتذكّر في المجال نفسه بأن البطريرك صفير أكد في إحدى محطات جولته الأوروبية ان ثمة حواراً غير مباشر مع دمشق وإن كان أضاف ان هذا الحوار "لم يذهب بعيداً حتى الآن".
صفير ورفض تعديل الدستور
وترى ان موقف الرئيس الأسد حيال الاستحقاق الرئاسي، مصاغاً على النحو المشار اليه، لا يمكن فصله عن موقفه الانفتاحي حيال البطريرك والمعارضة المسيحية، على اعتبار ان الموقف الأول من شأنه ترييح المسيحيين وفتح أفق سياسي لعلاقة المسيحيين بسوريا، خاصة إذا كان موقف الأسد يأتي في سياق التأسيس لمرحلة حوارية جديدة على خطي دمشق ـ بكركي ودمشق ـ المعارضة. والى ذلك تضيف الأوساط انه إذا كان صحيحاً تماماً ما تقوله الشخصية النيابية المرموقة من ان الأسد فتح الاستحقاق الرئاسي على احتمالات عدة، فإن البطريرك صفير كان حدّد موقفاً رافضاً لتعديل الدستور من أجل التمديد أو التجديد، وهو حتى لو أضاف "الاّ في ظروف قاهرة"، فإنه (أي البطريرك) يدرك ان واحداً من هذه "الظروف القاهرة" هو أن تكون سوريا في وارد اعتماد هذا الخيار، وعليه لا يعود ثمة "ظرف قاهر" في حال اعتمدت دمشق خياراً آخر.
التطوّر "العونيّ"
على أي حال، وفيما تعرب الأوساط المعارضة والمقرّبة من بكركي عن اعتقادها ان الوقت لا يزال مبكّراً لتقدير مسار الأمور ومآلها، تلفت الى مسألة سياسية رئيسية لا بدّ من أخذها في الاعتبار.
ففي رأيها ان "تطوّراً" طرأ على الساحة المسيحية، يتعلق بـ"عودة" الجنرال ميشال عون الى "الواجهة" ليس في ضوء نتائج الانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عالية على أهمية عدد من دلالاتها في أكثر من اتجاه، بل في سياق "قانون محاسبة سوريا". وتقول انها لا ترغب كثيراً في استخدام مصطلحات مستهلكة من مثل "الرهان على أميركا"، لكنها ترغب في التوقف أمام ما أعلنه عون في مقابلة تلفزيونية قبل أيام، من انه بعد الانتهاء، من كل مراحل المصادقة على "قانون المحاسبة"، سيتحرك باتجاه الأمم المتحدة، وان العنوان هو تطبيق القرار 520. وبصرف النظر عن "القدرات الذاتية" لعون التي لا تساوي شيئاً يُذكر إن لم تكن الولايات المتحدة نفسها في وارد التصعيد بعد قرار "المحاسبة"، بالذهاب الى الأمم المتحدة لاستصدار قرار في موضوع القرار 520، فإن الأوساط المسيحية المعارضة والمقرّبة من بكركي توجه الأنظار الى ما تعتبره "حقيقة" الخلاف بينها وبين عون، بين تمسّكها بالطائف وتطبيقه بحذافيره بموافقة سوريا وبين ذهاب عون (وأميركا) الى قرار يعني في العمق فكّ المسارين اللبناني والسوري، وفصل لبنان عن "نزاع الشرق الأوسط".
الحركة السياسيّة المنتظرة مسيحياً
وفي تقديرها ان هذا "التطوّر" المتزامن مع ضغوط أميركية متصاعدة على سوريا، يفرض نفسه، وانه إذا كانت المعارضة المسيحية بتيارها البطريركي "محكومة" بالتجاور مع التيار المعارض الآخر "العونيّ"، وإذا كانت "مضطرة" الى رفع سقفها من حين الى آخر، فإن ما يجب الانتباه اليه هو ان اعتدالها الذي تكرّر انه لا يمكن أن يكون بلا عصب مسيحي، لن يمكن "توثيقه" إلا عند التوصل الى أشياء محدّدة، وعليه فإنها ترى ان الأمر مرهون بتقدّم مسار الانفتاح السوري على نحو أكثر ملموسية من ناحية، وبخروج "الشركاء المسلمين" من "الظل" من ناحية اخرى، وكل ذلك بهدف إعادة تشكيل المناخ السياسي اللبناني الذي يمكنه إذ ذاك ترجيح الاعتدال. وتختم بالقول إنّ ما ينبغي القيام به هو التأسيس لمرحلة سياسيّة أخرى في موازاة ما ينتظر لبنان من استحقاقات.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00