تؤكّد مصادر ديبلوماسيّة عائدة من واشنطن حديثاً، انّ "قانون محاسبة سوريّا" الذي أقرّته لجنة الشؤون الخارجيّة في الكونغرس الأميركيّ قبل أيّام، سيسلك المحطّات الدستورية كافّة وصولاً الى مجلسي النوّاب والشيوخ من دون عقبات، متوقّعة المصادقة عليه خلال أيّام قليلة.
وتلفت الى أنّ إقرار الكونغرس لـ"القانون" لا يلزم رئيس الولايات المتحّدة جورج بوش باعتماده الاّ في حالة انّ التصديق عليه جاء بأكثريّة الثلثين وما فوق. لكنّها تشير الى أنّ الإدارة كانت استبقت هذه المرحلة الحاسمة من التصويت بإعلان استعدادها للسير فيه بعد الإطلاع على النصّ الأخير أي الصياغة النهائيّة لـ"القانون".
واذ تعتبر المصادر نفسها انّ "الأجواء" في أميركا متشدّدة جداً في هذا المجال، فإنّها تنقل عن هذه "الأجواء" انّ إقرار "القانون" ثمّ اعتماده من قبل الإدارة سيكونان مؤشراً سياسيّاً واضحاً الى "عدم الرضى الأميركيّ عن سوريا"، وتضيف ان ليس من صراع داخل الإدارة حول هذا الموضوع. وتقول إنّه اذا كانَ صحيحاً بالفعل ما تقوله دمشق من أنّ إقرار "قانون المحاسبة" لن يكون ذا اثر اقتصاديّ عليها على اعتبار انّ العلاقات الاقتصاديّة بين الولايات المتّحدة وسوريّا غير قائمة عمليّاً، فإنّ في وسع أميركا مضايقة سوريّا اقتصاديّاً من خارج العلاقات الثنائيّة بين البلدين، وان كان "الأهمّ" يبقى الإطار الديبلوماسيّ ـ السياسيّ.
التمثيل الديبلوماسي
وفي هذا المجال، تفيد المصادر أنّ ليس لأميركا سفيرٌ في دمشق حالياً بعد أن أحيل السفير السابق منذ نحو شهرين على التقاعد، كما ان ليس لسوريّا سفير في واشنطن حالياً بعد انتهاء عمل السفير السوريّ الأخير. وترى أنّ "الواقع" الحالي للعلاقات الديبلوماسيّة، أي بلا سفيرين، يمكن أن يتكرّس ويصبح اجراءً لجهة تخفيض التمثيل الديبلوماسيّ بداية، مع احتمال تقييد حركة الديبلوماسيين السوريين في أميركا.
وفي وقت تتوقّع المصادر أن يتصاعد التشدّد السياسي من جانب الولايات المتّحدة حيال سوريّا، تلفت الى أنّ أميركا "لن تسمح" بمرور الصياغة السوريّة للقرار في مجلس الأمن الدولي حول الغارة الاسرائيليّة التي استهدفت "عين الصاحب" داخل الأراضي السوريّة، وتذكّر بأنّ المطالب الأميركيّة من سوريا بموجب "القانون" تتعلّق بتفكيك المنظّمات التي تعتبرها الولايات المتّحدة "إرهابية" وهي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" و"حزب الله"، وتتعلّق بانسحاب سوريّا من لبنان، فضلاً عن تكييف المطالب بشأن العراق مع المستجدات.
إيران ليست مصدر طمأنينة لواشنطن
وفي مجال الاستطراد، ينقل عن الأميركيين أنّهم يلاحظون أنّ ثمّة فارقاً في الأداء بين سوريا وإيران، لجهة ما يسمّونه الأداء الايراني "الأكثر مرونة". بيدَ أنّ ما تبديه طهران من "مرونة" و"براغماتيّة"، لا يزال ما دون تشكيل مصدر طمأنينة أميركية. ذلك انّه فضلاً عن "المشكلة النوويّة" مع ايران، يبدو "التأثير الايراني" في "الوضع الشيعيّ من لبنان الى العراق" مصدر قلق للولايات المتّحدة، حيث "شيعة لبنان" لا يزالون في إطار "المقاومة" و"شيعة العراق" لم يقولوا انّهم "لن يقاوموا". وهنا تسجّل المصادر أن هذا الجانب من الموضوع يجعل الولايات المتّحدة متشدّدة حيال سوريّا وفي الوقت نفسه "حذرة مع تشدّد" حيال ايران ايضاً.
على أنّ الأساس يبقى حسب "الأجواء" الأميركيّة هو أن لا عودة الى العمليّة السياسيّة في الشرق الأوسط الاّ بعد "الانتهاء" من "تأثير الإرهاب الذي تمكّن خلال السنوات الماضية من اجهاض كلّ مساعي الحلول السلميّة"، ويضيف الكلام المنقول عن هذه "الأجواء" الأميركيّة انّ "سوريا وايران لو صرفتا وقتاً أقلّ وامكانيّات اقلّ على دعم السلطة الفلسطينيّة بدلاً من دعم المنظمات الإرهابيّة لكان الوضع اليوم أفضل تماماً".
ولذلك، فإنّ الأميركيين لا يبدون متحمّسين أو مؤيّدين لفكرة "مؤتمر دوليّ" لأنّ ظروفه غير قائمة كما تقول المصادر التي تضيف انّ المرحلة المقبلة في نظر الأميركيين مرحلة بالغة التوتّر خاصة انّ أيّ "عمليّة انتحاريّة" ستحصل انطلاقاً من المناطق الفلسطينيّة "ستردّ عليها اسرائيل بضربات بما في ذلك في سوريّا".
رعد: عصا في وجه سوريّا
واذا كانَ ما سبق يلخّص "الأجواء" الأميركيّة كما تعكسها مصادر عائدة من واشنطن، فماذا يقول "حزب الله" بوصفه طرفاً معنيّاً ومستهدفاً بـ"قانون محاسبة سوريّا"؟.
في هذا المجال، يرى رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد انّ "القانون" بمثابة "عصا ترفع في وجه سوريّا في سياق ضغط منهجيّ يستهدف المواقع المناهضة للعدوانيّة الاسرائيليّة في المنطقة والتي تنظر الى هذه العدوانيّة على انّها ذراع اميركيّة تهدف الى تطويع المنطقة لتحقيق المصالح الأميركيّة ـ الصهيونيّة المتطابقة".
ويقول رعد انّ "سوريّا تمثّل ركناً رئيسيّاً من هذه المواقع المستهدفة الى جانب ايران والمقاومة في لبنان وفلسطين".
لكنّ القياديّ البارز في "حزب الله" يلفت الى نقطة رئيسيّة، وهي أنّ رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون عمل منذ تسلّمه السلطة على "تصفية كلّ نتائج اتفاق أوسلو بدءاً من احتلال الضفة وصولاً الى قرار طرد رمز الشعب الفلسطيني ياسر عرفات الذي يمثّل بمعنى محدد آخر حلقة من حلقات أوسلو، مروراً بتصفية مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة وبُناها". واذ يسجّل انّ "ما عجز شارون عن انهائه هو مقاومة الشعب الفلسطيني"، يشدّد على أنّ "من هدم اتفاق أوسلو لن يقبل صيغة مدريد بالتأكيد"، ويستنتج انّ "اسرائيل لن تغضّ النظر عن الموقع السوري الداعم القضيّة الفلسطينيّة ولن تقبل صيغة مدريد"، وفي هذا السياق فإنّ "العدوان على سوريّا هو مؤشّر اسرائيلي باتجاه إطاحة مدريد".
المطلوب هو الصمود
ويستبعد النائب رعد مع ذلك أن يكون "الأفق حرباً بين سوريّا واسرائيل"، ويرى أنّ في "الأفق تزايداً للضغط"، وانّ للتوقيت علاقة بأنّ "اسرائيل تحاول الاستفادة من دخول الادارة الأميركيّة في منطقة فراغ قبل الانتخابات الرئاسيّة، وتحاول توظيف شعار الحملة الشاملة على الإرهاب لتكون الذراع العسكريّة في المنطقة"... وفي هذا السياق يصبح "قانون محاسبة سوريّا حلقة من حلقات الضغط". ويعتبر القياديّ في "حزب الله" انّه "يمكن استخدام قانون محاسبة سوريّا والعدوان العسكريّ الاسرائيليّ في موازاة محاولة إثارة المشاكل مع ايران".
وعلى الرغم من كلّ ذلك، يشدّد رعد على أنّ "الأمور لا تستلزم الانزلاق باتجاه التصادم غير المحسوب، أي أنّ الأمور لا تستوجب التسرّع في صدام غير محسوب"، والبديل من ذلك "الصمود" الذي يبدأ "من تعزيز عوامل القوّة والاستفادة من نقاط ضعف الآخرين سواء في العراق أو فلسطين أو أفغانستان". والمسألة تتطلّب برأيه "قراءة موضوعيّة لواقع الاحتلال الأميركيّ في العراق ولحجم المأزق الاسرائيليّ داخل فلسطين". والى ذلك، يضيف ان لا بدّ من "التعاطي مع المصالح الأوروبيّة في العالم العربي والاسلامي بما يمكّن أوروبا من الوقوف بجانب حقّ قوى الصمود"، الأمر الذي يستدعي "حركة باتجاه الدول العربيّة والاسلاميّة كي تتعاطى بما يحقّق مصالح الأوروبيين".
ويختم رعد بالتأكيد على أنّ "اسرائيل اذا تمكّنت من إلحاق مدريد بأوسلو فحتّى كمب ديفيد سيلحق بهما"، ليلاحظ انّ "صورة الضغط الأميركيّ الراهن يوازيها التفاؤل بقدرة مواقع القوّة العربيّة على الصمود والنهوض مجدّداً".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.