كان الحديث الذي أدلى به الرئيس السوري بشار الأسد الى الزميلة "الحياة" قبل يومين، موضع اهتمام أوساط سياسية متعدّدة، خاصة في شقّه اللبناني، وتحديداً في نقطتين مركزيّتين، الأولى التي تتعلق بالمؤسسات والاحتكام إليها، والثانية التي تتناول علاقة دمشق ببكركي.
أوساط سياسية من "تلاوين" عدة، سجلت ارتياحها الى قول الرئيس الأسد أن "الحل أن تكون هناك مؤسسات تحكم العلاقات بين الأشخاص، أي أن تكون هناك علاقة مؤسساتية". وفي تقدير هذه الأوساط أن أهمية كلام الأسد ليست في توقيته فقط حيث يدور في البلد نقاش حول الأزمة السياسية القائمة، وما إذا كانت "أزمة حكم" أو "أزمة نظام" أو غيرهما، بل تكمن أهميته في كونه ترجمة دقيقة لروحية اتفاق الطائف و"المفهوم الدستوري" الذي ينهض عليه.
وتعتبر أن دعوة الرئيس الأسد الى الاحتكام الى المؤسسات لا تعني سوى الدعوة الى تحكيم الدستور واحترامه. وفي قناعتها أن تحكيم الدستور واحترامه يعنيان أن مؤسسة مجلس الوزراء هي سلطة القرار التنفيذي تماماً لأنها مؤسسة المشاركة، ويعنيان أن رئيس الجمهورية ليس جزءاً من السلطة التنفيذية، ويعنيان أن ثمة فصلاً للسلطات، فهناك رئيس الجمهورية وهناك مجلس الوزراء ورئيس مجلس الوزراء، وهناك المجلس النيابي الذي يقوم بواجبيه التشريعي والرقابي وليس شريكاً للسلطة التنفيذية أيضاً.
وفي رأي الأوساط نفسها أن ما يجري منذ سنوات ويتفاقم خلال السنوات الأخيرة، لا علاقة له بالدستور والقواعد الدستورية، وهو بهذا المعنى غير ما يؤكد عليه الرئيس السوري حيث لا فصل بين الاحتكام الى المؤسسات وبين تحكيم الدستور وأصوله.
"أزمة حكم"؟
وفي هذا السياق، تتوقف أمام التوصيف الذي أطلقه رئيس مجلس النواب نبيه بري قبل أيام للأزمة بأنها "أزمة حكم"، وتبدي اعتقادها أنه بصرف النظر عن الدلالة السياسية المباشرة لهذا التوصيف بالنسبة الى الرئيس بري حيث من الواضح أنه يريد إبقاء مظلّته فوق الحكومةولو الى حين، فإن الكلام عن "أزمة حكم" في ظل دستور الطائف يجب ألا يكون موجوداً. ذلك أن "أزمة الحكم" وجدت وكان يمكن أن تنوجد في ظل دستور ما قبل الطائف حيث كانت السلطة التنفيذية برأسين، أحدهما يلي الأحكام ولا يحكم والثاني مسؤول ويحاسَب، وكان الثاني (أي رئيس مجلس الوزراء) رئيس حكومة الأوّل (رئيس الجمهورية) الذي يختاره ويعيّنه، بينما مجلس الوزراء الذي تتحقق فيه المشاركة هو اليوم مركز السلطة التنفيذية ورئيسه هو المسؤول عن إدارة شؤون الحكم ومتابعتها، بينما رئيس الجمهورية هو الحكَم بين السلطات. وتسجّل الأوساط نفسها في هذا المجال أنه تجوز مناقشة ما إذا كان ثمة "أزمة نظام" في ظل الطائف، أي ما إذا كانت الآليات والعلاقات معرّضة للتأزّم في ظل الدستور أو ما إذا كان سياق انتاج المؤسسات طبيعياً أم لا، أو ما إذا كان ثمة تعطّل للإرادة الشعبية والحياة الديموقراطية وغير ذلك من الأمور، لكن ليس جائزاً من وجهة نظرها أن يكون ثمة "أزمة حكم".
ملاقاة انفتاح البطريرك
وإذ تبدي الأوساط السابقة ترحيبها بكلام الرئيس الأسد علّه يُساهم بـ"تصويب" الوضع في لبنان، تتوقّف أوساط أخرى من المعارضة المسيحية المقرّبة من البطريرك نصر الله بطرس صفير عند قول الرئيس السوري أن "سوريا تسير بخطوات لا أريد أن أقول سريعة لكن جيدة في فتح أقنية مع كل الجهات في لبنان، وحتى مع المعارضين الذين لا يتفقون مع سوريا"، ثم قوله "هناك رسائل وهي رسائل إيجابية وتتطوّر، وهناك أشخاص ينقلون وجهات النظر المختلفة بيننا وبين بكركي وأستطيع أن أقول إنها تحقّق تقدّماً أيضاً".
ترحّب أوساط "التيار البطريركي" في المعارضة المسيحية بتشديد الأسد على أهمية الحوار السوري مع البطريرك بشكل خاص، وترى في هذا التشديد تأكيداً على الانفتاح في موازاة الانفتاح الذي انتهجه البطريرك صفير منذ أشهر عدة.
أداء السلطة
لكنها في الوقت نفسه تعتبر أن موقف الأسد بمثابة "رسالة" الى السلطة، ولو على نحو غير مباشر، حيث تواصل السلطة انغلاقها على المعارضة ورفضها المطلق القيام بمبادرات تسمح باستئناف الحوار، وحيث تواصل السلطة اتباع سياسة "علاقات عامة" غير منتجة مع البطريرك نفسه. وأكثر من ذلك، تكرّر أوساط "التيار البطريركي" اتهام السلطة بالعمل على إضعاف هذا التيار وتهميش البطريرك، على امل أن يأتيها البطريرك محتمياً.
وفي هذا السياق، تلفت الأوساط نفسها الى "خطأ" في أداء احد ابرز المراجع القضائية، لا سيما في صيغة كلامه السياسي الذي نقل عنه قبل يومين من أن إحالة العماد ميشال عون الى القضاء في جوانب جرميّة من شهادته أمام الكونغرس الأميركي شكّلت (الإحالة) "رادعاً لآخرين" من القيام بالشيء نفسه. وفي رأيها أن الخطأ هنا يتعلّق بنواح عدة منها أولاً انه يبدو من كلام المرجع القضائى أن "الآخرين" المقصود ردعهم مسيحيون ومنها ثانياً أن كلاماً من هذا القبيل يدفع الى التشنّج مسيحياً، ومنها ثالثاً أن الكلام ضد المراهنة على الخارج يجب أن يأتي من مسيحيين ويجب أن يُفسح في المجال أمامهم لقول كلام عاقل كان جرى البدء به عندما انقطع بافتتاح المسار القضائي كما تقول.
وتؤكد هذه الأوساط أن البطريرك الذي يتعارض وعون تعارضاً بمستوى التناقض بين "الطائف" و"قانون محاسبة سوريا"، اتّخذ خياراً واضحاً هو عدم القطع مع "التيار العوني" واستيعاب الخلافات والسعي الى التأثير عليه، من منطلق معرفته أن البيئة المسيحية عموماً "مكتوية" من المراهنات لكّنها في المقابل ترفض أداء السلطة ومحاولتها استضعاف بكركي والتيار السياسي المستظلّ بها، لكأنما هذه السلطة تقرأ في مواقف البطريرك الانفتاحية ضعفاً وليس قناعة، ولا تبدو مهتمّة إلاّ عندما يعلن البطريرك أنه مع احترام الدستور وضدّ تعديله، فترى في ذلك مؤامرة حيكت "على" البطريرك لاستدراجه.
وتختم بالإعراب عن أملها في أن تفتح "رسالة" الرئيس بشار الأسد الى المسيحيين، أفقاً متجدّداً في لبنان وعلى مستوى العلاقات اللبنانية ـ السورية نفسها، مبدية ارتياحها الى الانطلاق المشترك من مضمون الطائف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.