8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"سلاح الفوضى" ذو حدّين والبُعد "الردعيّ" للمقاومة دفاعي بدايةً

"صدَم" نفي "حزب الله" لمسؤوليّته عن "حادث" إطلاق النار عبر الحدود اللبنانية أول من أمس، الوسط السياسي في البلاد، وفتح النقاش على مصراعيه ولم يقفله حول الوضع في الجنوب.
من نافل القول بداية انّه يجب تصديق "حزب الله" ونفيه. ذلك انّ الحزب عبر تجربته الطويلة يتمتع بصدقيّة عالية ولا يتهرّب من مسؤوليتّه عن عمل قام به فعلاً خصوصاً في مجال العمل المقاوم، وهو إذا قام بعمليّة أعلن عنها وكان دقيقاً في تبنّيها ووضعها في السياق الفعليّ، وليس من عادته أن يخفي ما قام به لانّه على قدر عالٍ من الشجاعة السياسيّة والمعنويّة والأخلاقيّة، كما ليس من عادته أن يخوض اختبارات "سرّية" أو بـ"الواسطة".. وعندما يقول انّه غير مسؤول عن عمل معيّن فمعنى ذلك انّه لم يقُم به وكفى تحليلات متذاكية.
وما يؤكّد صدقيّة نفيه، انّ ما تبَع تبادل إطلاق النار مع دورية إسرائيليّة خلف الحدود، يفيد انه من فعل جهات قليلة الاحتراف في العمل المقاوم، بدليل ما رواه مواطنون من انّ عدداً من الصواريخ التي أطلقت بما في ذلك الصاروخ الذي أصاب أحد المنازل في حولا، أطلقت من داخل الحدود اللبنانية وسقطت داخل الحدود اللبنانية ايضاً، وانّ بعضها الآخر الذي وجّه صوب فلسطين المحتلة أخطأ هدفه فسقط في الجنوب، وان بعضها الأخير سقط عشوائياً داخل فلسطين. والحال هنا، انّ ذلك لا يمتّ بصلة الى الأداء العسكري لمقاومة "حزب الله" والذي لا يحتاج الى شهادة.
أسئلة عن الانفلاش
على انّ قول ما تقدّم لا يسدل الستارة ولا يبعث على الطمأنينة. ذلك انّ ما يطرحه هذا الكلام هو الآتي: كيف يمكن لجهات او أشخاص غير "حزب الله" أن يقوموا بـ"سياحة مقاومتيّة" في أرجاء الجنوب فيفرضوا وقائع ذات تداعيات سياسية أكيدة على لبنان وسوريا والمقاومة؟ كيف يمكن أن يتمّ ذلك بوجود "حزب الله" نفسه في المنطقة الجنوبية التي يعرف الجميع انّه يخضعها لـ"رقابة أمنيّة" ولو غير ظاهرة، وبوجود القوة الامنيّة اللبنانيّة المشتركة التي تتولى ضبط الامن في منطقة الجنوب؟الاّ يشكل هذا الانفلاش او فوضى السلاح جنوبا إساءة لـ "هيبة" المقاومة التي تمسك بالوضع الجنوبي بالسياسة بالدرجة الأولى (من غير ان تكون مضطرة لفرض سلطتها عليه طبعاً) ولـ "هيبة" الدولة ايضا، اذ كيف لصواريخ وقذائف ومنصات اطلاق انّ "تكزدر" في المنطقة على هذا النحو؟
ان نفي "حزب الله" لمسؤوليته صحيح وتصديق هذا النفي واجب، بيد انّ الأسئلة الآنفة تبقى مطروحة"، على اعتبار انّ اللبنانيين اعتادوا التعرف الى قرار المقاومة من مصدره المكرس على امتداد أكثر من عقدين اي "حزب الله"، ويقرأون الخطاب السياسيّ للحزب ويفهمون منه ما يجب فهمه، لكن الانفلاش على نحو ما حصل اول من امس مستجد تماماً.
ومع ذلك، من المفيد جدا التوقف امام ما حصل من زاوية سياسيّة بحتة انطلاقا من السؤال الآتي: على افتراض انّ ما حصل كان "غفلة" او لاعتبار ما عند من نفذوه، هل يخدم ذلك في المواجهة مع إسرائيل او في الردّ على التصعيد الإسرائيلي المتمثّل بخرق الخط الأحمر حول العمق السوري؟
رسالة تهديد بإسقاط الخطوط الحمر؟
ثمّة رأي أوّل في هذا المجال يقول أصحابه انّ ما جرى "مفيد" خاصة اذا كان "منظّماً"، وذلك من زاوية إفهام إسرائيل انّها في حال إمعانها في التصعيد واختراق الخطوط الحمر، فان الخطوط الحمر كلها تسقط عندئذٍ بما في ذلك "تفليت" الوضع على الحدود او بالأدق "تجميد" ضوابطه، وترك إسرائيل تواجه حالاً من الفوضى، فتضطر عندئذٍ الى العودة الى القواعد الأصلية للصراع وممارسته، وتُجبَر على التزام ضوابط معينة وتتوقف عن التفلت الذي أظهرته خلال الفترة السابقة.. فإما تهدئة وإما وضع "مفتوح".
المجازفات
لكن ثمّة رأياً ثانياً يرى اصحابه انّ ما جرى اذا مرّ وقد لا يمر، لا يمكن تكراره (اذا كان ما جرى منظّماً) لأنه ينطوي على مجازفات عدة. المجازفة الأولى هي انّ الفوضى او الانفلاش سلاح ذو حدين اي انّه ليس في اتجاه واحد، لأن إسرائيل اذا ادركت انّ ثمّة نقلاً للصراع الى داخل "حدودها" ومن الحدود اللبنانية بالذات، ستسعى الى إدارة "فوضى عسكرية" مقابلة وتوجيه ضربات في اتجاهات عدة. والمجازفة الثانية هي انّ من شأن تكرار ما حصل ان يطلق للسلاح الفلسطيني في الجنوب العنان وان يدخل الوضع الجنوبي في متاهات شتى. والمجازفة الثالثة هي انّ من شأن تكرار ما حصل ان يفتح ثغرة كبيرة في الوضع اللبناني الداخلي ليس له ما يبرره في هذه الظروف. أما المجازفة الكبرى في اعتقاد اصحاب هذا الرأي الثاني فهي انّ المعنى الحقيقي للبعد الردعيّ من المقاومة يغدو ضائعاً في مناخ الانفلاش اذا تكرر، والصراحة تقتضي القول هنا انّ ما هو أكثر تأثيراً في مقاومة "حزب الله" بعد العام 2000 ليس العمليات التي تنفذ من وقت الى آخر في مزارع شبعا على أهميّتها، بل هو "الحيرة" التي وضع "حزب الله" إسرائيل فيها حيال "أسرار" مخزونه الردعيّ ومتى يستخدمه وكيف وفي ايّة ظروف سياسية، حتى اذا لجأ اليه كان ذلك محسوباً.. في اطار دفاعي في الاساس. والى ذلك، يضاف انّ المقاومة لا تزال في دائرة العمل ضمن المزارع ولم تشكل عملياتها هنا يوماً فتحاً لجبهة الجنوب بالمعنى الواسع، ولا يعقل ان يصار الى فتح الجبهة بـ "الاستدراج".
ويمكن بطبيعة الحال الاسترسال في تعداد المجازفات التي ينطوي عليها الانفلاش او "تنظيمه"، في ظل وضع دوليّ ـ اقليميّ يتفق على التشدّد حيال الوضع الجنوبيّ اللبنانيّ ويدعو إلى إقفال ملفه. ولذلك، فاذا كان ما جرى اول من امس بحدود توجيه "رسالة" معينة لا يمر، فالأصحّ انّ اعتماده يغدو "مشكلة".. في مرحلة سياسيّة بالغة الخطورة تقتضي تحسبّاً واحتساباً لا يسقطان القدرة، لكن لا يقودان الى.. مجهول.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00