مع قصف إسرائيل أمس لموقع قرب دمشق ادّعت انّه لمنظمة "الجهاد الاسلامي" الفلسطينيّة، تكون تلّ أبيب قد خرقت خطاً أحمر تاريخيّاً بالضرب داخل سورياّ، على أساس انّ الاعتداءات الإسرائيليّة في السنوات الماضية غالباً ما استهدفت مواقع سوريّة في لبنان.
بيد انّ الاعتداء على سوريا، يتزامن هذه المرة مع حرب إسرائيليّة مفتوحة على الفلسطينيين، عنوانها تدمير السلطة الفلسطينية بطرد رئيسها ياسر عرفات أو قتله، وهو العنوان الذي جددت أولوية تنفيذه أول من أمس بعد عمليّة "الجهاد" في حيفا.
من الواضح اذاً انّ إسرائيل التي تركّز عدوانها على الفلسطينيين، انمّا توسعه باتجاه سوريّا، ومن الصعب والحالة هذه، افتراض انّ حكومة ارييل شارون انمّا تقوم بذلك في غفلة عن الولايات المتحدة مستغلة الانشغالات الأميركية الأخرى، في العراق بالدرجة الأولى، أو انّها تقوم بذلك بهدف فرض أمر واقع على واشنطن. والاستنتاج المنطقيّ هو انّ الحرب الإسرائيليّة المفتوحة على الفلسطينيين وسلطتهم ورئيسها والموسّعة باتجاه سورياّ، انمّا تحظى على الأقلّ بغضّ طرف أميركي إن لم يكن بضوء أخضر أميركي.. وفي الحالتين، ينطوي الأمر على انتقال أميركي بالضغوط على سوريّا الى مستوى متقّدم.
ولا شك في هذا المجال انّ إسرائيل تستفيد في عدوانها المتوسّع من جملة عوامل. ففضلاً عن الغطاء الأميركي المتمثّل بدعم الولايات المتّحدة للمطلب الإسرائيليّ بما يسّمى "تفكيك المنظّمات الإرهابّية" وتحميل الرئيس عرفات مسؤوليّة هذه المهمة، شكّل التحوّل في موقف "اللجنة الرباعيّة" في الآونة الأخيرة عاملاً إضافيّاً مساعداً لإسرائيل. ذلك انّ قدرة إسرائيل على دفن "خارطة الطريق" من دون أن يحاسبها أحد، تساهمُ في تشجيعها على توسيع رقعة استهدافاتها.
تطوّر العلاقات السوريّة ـ الفلسطينيّة
ويمكن الاسترسال في تحديد العوامل المفيدة لإسرائيل، ومن بينها لا بل في مقدّمها الوضع العربي بمواصفاته المعروفة. لكنّ ذلك كله لا يمنع القول انّ إقدام إسرائيل على توسيع رقعة العدوان والحرب، هو مغامرة للاعتبارات الآتية:
أوّلاً ـ يأتي هذا العدوان المزدوج، على تقاطع تطوّر مهم في العلاقات السوريّة ـ الفلسطينيّة، يتجسّد للمرة الأولى منذ سنوات في تراجع التحفظّات السوريّة على الرئيس الفلسطيني، بعد التطورات التي أدت الى وضع جميع التيارات في الداخل الفلسطيني في خندق واحد، وجعلت التمايزات قليلة جداً بينها، وأدّت بالاعتراض على "أسلوب النضال" الذي يعتمده بعض الفصائل الى ما يشبه الإضمحلال. وقد عبّرت دمشق في الفترة السابقة عن وقوفها الى جانب الفلسطينيين في الدفاع عن بقاء رئيسهم في فلسطين، وانعكس ذلك في الاتصال بين وزير الخارجيّة السوريّ فاروق الشرع والرئيس عرفات.
"حزب الله" ـ فلسطين
ثانياً ـ ويأتي هذا العدوان المزدوج، على تقاطع تطوّر مهم في رؤية "حزب الله" أي المقاومة في لبنان، الى الوضع الفلسطيني. وفي هذا المجال، يقول نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم انّ "الشعب الفلسطيني مستهدف بأكمله في هذه المرحلة"، ويضيف انه "بناء على هذا الاستهداف العام فان التمييز الحاد بين من يقاوم ومن لا يقاوم، أمر غير ملائم ولا مصلحة فيه لأنّ الكلّ في دائرة المقاومة سواء كانت القناعة بالتحرير الكامل أو بالتحرير الجزئي أو برفع مستوى شروط المفاوضات. ويؤكدّ الشيخ نعيم انه "طالما ان الجميع في خندق المقاومة في هذه المرحلة، فمن الضروري التشجيع على التعاون والتنسيق وتشكيل حالة من التلاقي لتكون الوحدة الداخليّة عنواناً من عناوين القّوة في مواجهة إسرائيل".
ويلفت المسؤول الكبير في "حزب الله" الى "اننّا أمام واقع فلسطيني جديد نؤمن به ونشجع عليه وندعو الى حمايته من دون الدخول في تفاصيل مستقبليّة".
سوريا ـ "حزب الله"
ثالثاً ـ ويأتي هذا العدوان الإسرائيليّ المزدوج، في لحظة "تناغم الموقف السوريّ بشكل كبير مع المقاومة في لبنان وفلسطين"، كما يقول قاسم عازياً "التناغم" الى "اعتبارات مبدئيّة". ويسجّل هنا أن "الخطر لا يلحق بجهة من هذه الجهات دون أخرى لانّ الصياغة الإسرائيليّة للمنطقة تسقط الجميع".
وإذ يشيُر الى انّ "سورياّ تعتبر بعض المبادئ حقوقاً طبيعية ومشروعة لا يجوز التخلي عنها"، يلاحظ نائب الأمين العام لـ "حزب الله" ان "الضغوط على سوريّا ليست عاديّة لأنها من النوع الذي يطلب من سوريّا فعلاً مباشراً مؤثراً على مسار الأحداث بعد عجز أميركا وإسرائيل عن تحقيق ما تريدان بالوسيلة العسكريّة". ويقول ان "الإدارة الأميركية تريد من سوريا أن تنزع سلاح حزب الله وأن تفكك المقاومة، وذلك مستحيل لأن لسوريّا رؤية مناقضة لواقع المنطقة ومستقبلها".
ويرى قاسم انهّ "من الطبيعي أن ترفض سوريّا هذه الضغوط والمطالب وهي رفضتها بالفعل"، وبناء عليه "تملك إسرائيل خيار العدوان والقوة العسكرية". لكنّه يسارع الى القول انّ "هذا الخيار مكلف ومغامر وغير مضمون لإسرائيل وأميركا في هذه المرحلة".
جبهتان.. وجبهة
من ذلك كلّه اذاً، يتضّح ان العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وسوريّا معاً، يأتي على تقاطع تطورات أعادت موضوعياً إحياء المحور الثلاثي السوري ـ اللبناني ـ الفلسطيني. ومعنى ذلك ان فتح إسرائيل لجبهتين من العدوان في فلسطين وفي سوريا، قد يشكل مغامرة بانفتاح الجبهة الثالثة أي جبهة جنوب لبنان. ومن دون اللجوء الى أي تفسير "قسري" لقول الشيخ نعيم قاسم ان "خيار إسرائيل العدوان على سورياّ مكلف ومغامر وغير مضمون"، فلا تفسير آخر غير انّ "جبهة الجنوب" لا يمكن أن تبقى "صامتة" في وقت تندفع إسرائيل الى توسيع نطاق الحرب. وأكثر من ذلك، فانّ من يعرفون تفكير "حزب الله" وعلاقته بسوريا وعلاقته بالقضيّة الفلسطينيّة، يقدّرون أن لا "سعادة" عند "حزب الله" تضاهي سعادته بـ "النزول" الى الميدان... ان "بادرت" إسرائيل الى توسيع الحرب.
وهنا، وبالعودة الى نقطة الانطلاق، ثمّة سؤالّ يطرح نفسه وهو: هل تحتمل الولايات المتّحدة إنفجاراً شاملاً، في مواجهة محور سوريّ ـ لبنانيّ ـ فلسطينيّ بعمق ايراني "محتّم"، أم انّها ستعيد اكتشاف خطر إنفلات إسرائيل فتقوم بـ "ضبطه"؟. الجواب برسم الأياّم المقبلة، بيد أن الشيء الأكيد هو انّ المنطقة ولبنان، أمام مفصل جديد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.