كان الكلام الذي أدلى به البطريرك نصر الله بطرس صفير في باريس أول من أمس خلال لقائه الصحافة العربية في العاصمة الفرنسية، وهو الكلام المتوقّع له أن يطبع المرحلة السياسية اللبنانية المقبلة، موضع اهتمام ومتابعة ونقاش في مختلف الأوساط السياسية.
وتوضيحاً لمعاني الكلام البطريركي وأبعاده، أي مساهمةً في النقاش الذي تتّسع دوائره تباعاً، تلفت مصادر مقرّبة جداً من بكركي الى أن جديد هذا الكلام، والذي في جانب منه يبدو جديداً بالمقارنة مع الخطاب الذي اعتمده البطريرك خلال الشهور الماضية وتحديداً منذ نداء مجلس المطارنة الموارنة في آذار الماضي عشيّة الحرب على العراق، إنما يتضمّن نقاطاً ثلاث رئيسية.
ضدّ التمديد
أولاً ـ إذا أخذ في الاعتبار أن الموقف الذي أطلقه البطريرك والداعي الى وجوب احترام الدستور والرافض لتعديله "كيفما اتفق وحين نشاء"، جاء رداً على سؤال عن رأيه في تعديل الدستور للتمديد أو التجديد لرئيس الجمهورية في الاستحقاق الرئاسي العام المقبل، فإن موقف صفير يكون معناه رفض التمديد أو التجديد لرئيس الجمهورية، وذلك بـ"صورة لا لبس فيها" كما تقول المصادر.
وتضيف أنه إذا كان البطريرك يرفض في الأصل وبصورة مبدئية أن يصار الى تعديلات دستورية تشمل نصوصاً في الدستور قبل وضع الدستور في التطبيق الكامل (وهو ما اكده لـ "المستقبل" الاسبوع الماضي قبل سفره الى باريس)، فإنه لن يغيّر موقفه المبدئي لتغطية تعديل دستوري لمصلحة أشخاص. وأكثر من ذلك، تؤكد المصادر نفسها أن البطريرك مقتنع تماماً بأن ثمة نصوصاً "غير منطقية" في الدستور كتلك التي أشار إليها والمتعلقة بصلاحية حل المجلس النيابي أو المهلة المفروضة على رئيس الجمهورية لتوقيع المراسيم والقوانين، لكنه مقتنع تماماً أيضاً بأن فتح الباب أمام تعديلات، غير مأمون الآن، وأن الوصول إليها يحتاج الى اختبار التطبيق الدقيق للدستور لتبيّن ثغراته كافة من ناحية، ويحتاج الى دينامية وفاق لبناني من ناحية ثانية.
وتدعو المصادر المقرّبة جداً من بكركي الى التعاطي مع هذا الموقف للبطريرك بوصفه رفعاً للغطاء المسيحي عن التمديد أو التجديد بصورة لا رجعة فيها، لا بل إن البطريرك حسب ما تقول انتقل الى مرحلة "ما بعد الحسم ضدّ التمديد أو التجديد"، ويتطلّع الى أن يفتح موقفه هذا أفقاً سياسياً جديداً في البلاد، باتجاه دينامية سياسية لبنانية عامة.
احتضان عون واستيعابه.. والطائف
ثانياً ـ تعتبر المصادر أن في كلام البطريرك عن العماد ميشال عون مجموعة من الإشارات. فالموقف البطريركي الاعتراضي على المسار القضائي المفتوح في لبنان ضد عون، هو في آن معاً جزء من معارضته أداء السلطة وإشارة احتضان لعون و"التيار" الذي يقود. كذلك فإن قول البطريرك "إننا وعون نطلب الشيء نفسه لكن لي أسلوبي وله أسلوبه"، يتضمن إشارة "استيعاب" لما يطرحه الجنرال، وإشارة رغبة في توحيد الصفّ المسيحي المعارض بعد أن شرذمته المعارك السياسية الجزئية، وإشارة توكيد لمرجعية البطريرك عن المسيحيين جميعهم. وتوضح أنه إذا كان صفير "استلهَم" رغبته في "التوحيد" من واقع الجالية اللبنانية وحاجاتها وضروراتها، فإن هذه الرغبة تشكّل أساساً في توجهاته للمرحلة المقبلة.
بيد أن المصادر نفسها تسارع الى القول إن كلام البطريرك عن "اختلاف في الأسلوب" بينه وبين عون، لا يعني أنه يختلف معه فقط في "الجانب العملي"، كأن يذهب عون الى الكونغرس الأميركي ويكون رأي صفير "إننا كنا في غنى عن هذه الخطوة" كما سبق له أن صرّح، فالاختلاف في الأسلوب هنا يعني أن الطريق الى تحقيق "الشيء نفسه" الذي يُطالب به مع عون أي الانسحاب السوري، يمرّ بالنسبة الى البطريرك بتنفيذ اتفاق الطائف.
وبالنسبة الى البطريرك، كما تشرح المصادر، ليس "الاختلاف في الأسلوب" بهذا المعنى، تفصيلياً، ذلك أن "الطائف" هو جسر العلاقة مع الشريك المسلم في البلد، وهو الأمر الذي كان صفير يشدّد عليه خلال الشهور المنصرمة، وازدادت قناعته به بعد محادثاته مع المسؤولين الفرنسيين الذين شجّعوه على متابعة مسيرة الانفتاح تجاه المسلمين.
استعادة "الخطاب السيادي"
ثالثاً ـ على أن المصادر المقرّبة جداً من البطريرك، لا تخفي مع ذلك واقع أن الإشارة في كلام البطريرك الى "اننا وعون نطالب بالشيء نفسه"، تنطوي على دلالة مهمة، هي تجديد البطريرك لـ"الخطاب السيادي" حيال سوريا، أي استعادة الحديث فيه، مما يعني بالنسبة إليها أن البطريرك يعبّر هنا عن "تذمّر" معيّن من "المراوحة" على مستوى العلاقة بسوريا، حيث لم تتمّ من وجهة نظر المصادر نفسها ترجمة "المديح" للبطريرك الى وقائع سياسية ملموسة.
وتبادر فوراً الى القول إن مجموع النقاط الآنفة التي يمكن وضعها في خانة "جديد الكلام البطريركي" من باريس، لا تعلن نيّة تصعيد، بقدر ما تعلن نيّة تحديد دقيق للموقع حيال ما يجري في لبنان وفي المدار الإقليمي، تحديد يتضمّن مسافة من السلطة من ناحية ومن سوريا من ناحية ثانية.. مع الاحتفاظ بالعناوين التي تميّز الخطاب البطريركي والتي تندرج جميعاً تحت عنوان رئيسي اسمه الطائف. ذلك أن ثمة شعوراً منسوباً الى البطريرك بأن الفرز الذي شهدته الساحة المسيحية بين تيّاراتها، وبعضُ هذا الفرز نتاج مبادرات في البيئة المسيحية نفسها، استخدم من قبل السلطة على نحو استهدف موقع بكركي ودفّع خطّ الاعتدال الثمن.. وإذا كانت السلطة تعتقد أنها بذلك تأتي بالبطريرك اليها، فإن الجواب البطريركي أتاها.. من باريس.
.. على تقاطع مع أوروبا
وترفض مصادر بكركي رفضاً قاطعاً مواجهتها بمقولة "المراهنة" على الخارج، ولو كان الاتهام يقصد أوروبا هذه المرة وليس أميركا.
غير أنها تدعو مع ذلك الى ملاحظة أول تغير من نوعه منذ الحرب على العراق، حيث تعكس التطورات تقارباً أوروبياً ـ أميركياً على مستوى المنطقة في ملفّيها الرئيسيين العراق وفلسطين، وإن كان هذا التقارب لم يصل الى مستوى التطابق، ما يعني أن أوروبا ليست بعيدة عن أميركا في مقاربة مجموعة من الملفات المتفرعة عن المسألة العراقية وعن قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لا بل إنها أكثر تشدداً إزاء عدد منها، وستمارس هذا التشدد في المرحلة المقبلة. وبهذا المعنى، فإن بكركي التي أكدت رفض "المراهنات" تبدو في مواقفها "الجديدة" على تقاطع تطورات دولية، وما تعلنُه إشارة الى هذه التطورات أيضاً.. علماً أن التطورات أعادت الاهتمام الفرنسي بلبنان الى مستوى متقدم، لا سيما في وقت "تهزّ" فيه دول عربية ـ مغاربية صديقة لفرنسا تحت وطأة "المد الأصولي" الجارف.
وتختم المصادر المقربة جداً بالدعوة الى عدم "النقزة" مما أعلنه البطريرك من باريس، لأنه يريد نقل الواقع السياسي اللبناني من مرحلة الى أخرى، وهو وإن كان لا يسعى الى مواجهات، فإنه مع ذلك يهزّ "عصا الجدية" في وجه من يعنيهم الأمر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.