8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فضل الله: المسألة اللبنانية ليست داخلة في حسابات أميركا حيال دمشق

إن واحدةً من المميزات الكثيرة للمرجع الإسلامي العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله، ميزته الاستشرافية المؤسسة على "التقاط" سريع للمعطيات والوقائع وحركتها وعلى تحليل عميق لها، وهو لا يتردّد في إعلان استنتاجات "جريئة" يرى أنها ضرورية لإحداث نوع من "الصدمة" الايجابية للوعي السياسي هنا وهناك.
زار السيّد فضل الله دمشق مؤخراً والتقى الرئيس السوري بشار الأسد لقاء مطوّلاً، وتحاور معه في القضايا والعناوين كافة، استمع منه وأسمعه.. لكنه عندما عاد الى بيروت قرّر "الإقفال" على مضمون البحث بإحكام ورفض "تسريب" أي كلمة على عكس "السياسيين" الذين لا يجدون غضاضة في "تسريب" ما قالوه هم للرئيس الأسد... وغالباً في موضوعات غير استراتيجية بيد أن السيّد يحكي مطوّلاً عن تقديراته للأمور قبل هذا اللقاء وبعده، ويحسن تقديمها مترابطة، عاكساً في آن معاً استنتاجاته.. و"المناخ".
بداية يسجّل فضل الله على خلفية قراءة متكاملة له للسياسة والخطة الأميركيتين أن الولايات المتحدة خصوصاً بعد دخولها العراق محتلّةً، لم تستطع أن تدير المسألة العراقية، فهي وقعت في أخطاء ولا تزال الى اليوم تتحرك على نحو تجريبي.. الى أن كانت "مواجهة" القوات الأميركية في العراق "سواء أطلقت على هذه المواجهة تسمية مقاومة أو لا، سواء كانت مرعيّة من بقايا نظام الطاغية أو من فعل جهات إسلامية وجدت في العراق ساحة لمواجهة أميركا، وهي جهات كانت تبحث عن أيّ ساحة تدخل منها في مواجهة مع أميركا"، ويؤكد العلاّمة "لا نملك معلومات دقيقة لكن نعرف أن ثمة إسلاميين هناك".
وفي اعتقاد المرجع أن "الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة والمواجهة التي تعرّضت لها قواتها، أوجدت مناخاً دفع الولايات المتحدة الى الاستعانة بالأمم المتحدة وبدول العالم من أجل حماية احتلالها للعراق". ويقول إنه "في هذا الوضع الصعب لاحظنا أن أميركا بدأت تشعر بأن ثمة مشكلة قد تأتي من سوريا وليس مقصوداً هنا الدولة السورية بالضرورة". أما "المشكلة" التي تستشعرها أميركا "مِن" سوريا فتتمثل بـ"الحدود الصحراوية التي لسوريا مع العراق والتي لا يستطيع أحد أن يضبطها".
وهنا "بيت القصيد" في استنتاجات فضل الله: بدأت الضغوط الأميركية على سوريا وإيران لتقوم الدولتان بحراسة الحدود مع العراق لمصلحة الاحتلال الأميركي وقواته، وهي "ضغوط تنطلق من الحاجة الأميركية الى ضبط الوضع في العراق، وتهدف الى إقناع سوريا وإيران بمساعدة أميركا أو عدم التدخل في الوضع العراقي". وإذا كان السيّد يضع الضغوط في دائرة أهداف السياسة الأميركية في العراق، فإنه يضيف أنها تقع أيضاً في خانة السياسة الإسرائيلية في فلسطين.
الأوراق السورية في وجه الضغوط
يعربُ فضل الله عن اعتقاده أن الدولتين "تعتقدان أن أميركا ليست بالقوة التي استعرضتها عشية الحرب على العراق وفي بدايتها، وأنها ليست في موقع القدرة على الضغط بالضربة القاضية، ولذلك فهي تمارس ضغوطها بالنقاط"، ويضيف أن الدولتين تريان أن أميركا بحاجة اليهما أكثر من حاجتها الى الدخول معهما في اختبارات عسكرية او أمنية". والى ذلك، يلفت السيّد فضل الله الى أن "سوريا تحاول أن تثبت لأميركا أن لها مصالح في العراق وأنها لا يمكن أن تكون معزولة عن هذا البلد، وأنها تريد دوراً فيه".
لكن ما هي أوراق سوريا لـ"مقايضة" من هذا النوع؟ يجيب ان "سوريا تملك أوراقاً تدفع أميركا الى تخفيف الضغوط أو تدفعها الى اتفاق". وإذ يشعر فضل الله أن الجواب السابق لم يكن واضحاً كفاية، يوضح أن "سوريا تملك أن تقوم بدور فاعل وضاغط على الحدود، لكنها لا تجد من الناحية القومية أن ثمة مبرّراً لحراسة الاحتلال"، ويستدرك بسرعة للقول "لا أتصوّر أن سوريا سوف تجد ضرورة لأداء هذا الدور لكنها تستطيع أن تدير الأمر بحيث لا تحقق ما تريده أميركا وفي نفس الوقت توجد ظروفاً تحفظ لسوريا أمنها وتجنّبها الدخول في مهبّ العاصفة".
وإذ يشير الى أن "في السياسة السورية مثلاً ظريفاً يقول لا تهرب أمام الثور بل تجنّبه"، يلفت الى أن "سوريا دولة براغماتية تحافظ على المبادئ الكبرى وتتجنّب المغامرات". لكنه يسارع الى توضيح لافت ليقول إنه "من الصعب أن يكون الدور السوري في العراق كالدور السوري في لبنان، إذ تريد سوريا أن تحمي ظهرها من العراق لا أكثر".
على أن السيّد فضل الله، وفي معرض استحضار "الأوراق" التي تملكها سوريا في مواجهة الضغوط، يشير الى أن "لسوريا دوراً محورياً في مسألة الشرق الأوسط ودوراً فاعلاً في أزمة هذه المنطقة، وعلى مستوى علاقتها بالمقاومة الإسلامية". ويدعو الى ملاحظة أن سوريا حتى من وجهة النظر الأميركية "تستطيع أن توازن الواقع الراديكالي والأصولي". ويقفل السيّد هذه المحطة من تقديراته بالتشديد على أن "إيران تملك الكثير من إمكانات المناورة والمرونة وأن سوريا وإيران في ظل الضغوط والتهديدات الأميركية تملكان القدرة على التماسك في المرحلة الراهنة".
قانون محاسبة سوريا
وماذا عن الضغط الذي يمثّله "قانون محاسبة سوريا" في الكونغرس الأميركي؟ بلا تردّد، يجيب فضل الله "قانون محاسبة سوريا نوع من هزّ العصا وحسب"، لكنه يؤكد أن "المسألة اللبنانية ليست داخلة في الحساب، لأن الدور السوري في لبنان موضوع على نار قريبة الانطفاء"، والسبب أن "ثمة ظروفاً أميركية وإسرائيلية لا تجعل من انسحاب سوريا من لبنان مسألة واقعية على مستوى النتائج السياسية والأمنية، وعلى مستوى مسألة التسوية".
أوروبا ـ أميركا
لكن ثمة توقعات بأن تؤدي محصّلة الموقف الأوروبي الأخير بالانضمام الى الموقف الأميركي، الى ضغوط إضافية؟
هنا، يجيب فضل الله "ربما كان عندنا نوع من قياس للعلاقات الغربية بعلاقاتنا الشرقية لكن من المستحيل أن تصل العلاقات الأوروبية ـ الأميركية الى نقطة الرجوع". ويضيف "ان الحديث عن هوة بين الموقفين الأوروبي والأميركي ليس دقيقاً، نعم ثمة مشاكل موجودة لكنها تماماً كالمشاكل بين الأوروبيين أنفسهم". وإذ يبدو واضحاً من كلام المرجع الإسلامي أن "الرهان" على انقسام أوروبي ـ أميركي حاد ليس في محله، يبدي اعتقاده أن الموقف الأخير لـ"اللجنة الرباعية" أتى في سياق "مسعى أميركي الى إقناع أوروبا بالتوازن فكانت رسالة الى إسرائيل من جهة والى الفلسطينيين من جهة ثانية". أما بالنسبة الى العراق فإن "ما جرى بين أميركا وأوروبا هو من قبيل الضغط والضغط المتبادل بشأن الشروط الأوروبية في العراق".
ويختم السيّد فضل الله تحليله الاستشرافي بالتأكيد على أن "لا عمل عسكرياً"، ضدّ سوريا، وأن "أميركا لا تستطيع الغرق في رمال أخرى بعد العراق"، ويشدّد على أن "أي عمل عسكري ضدّ إيران يحرق الخليج"، وأن "العلاقة الاستراتيجية بين سوريا وإيران يجب أخذها في الاعتبار باستمرار".. فضلاً عن أن "حتى الموقف الأوروبي فإنه حريص على عدم سقوط أميركا لكنه لن يجازف بالسقوط معها".
ويمكن القول، بعد الاستماع الى استشراف السيّد إنه يقدّم صورة عن "تناقضات" الوضع الاقليمي ـ الدولي، على نحو يفسّر الكثير من المواقف المعلنة أو المضمرة هنا وهناك.. ويفسّر الظروف المحيطة بالواقع اللبناني ممّا يقتضي احتسابه بدقّة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00