8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مَن هي "السلطة السياسيّة"؟ وما الحدّ الفاصل بين "السياسيّ" و"القضائيّ"؟

لم يعُد سراً أنّ "مفاوضات" مباشرة او غير مباشرة دارت بين أفرقاء كثيرين من بينهم فريق السلطة مع العماد ميشال عون في مرحلة التحضير للانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عاليه، هدفت (أي المفاوضات) من جانب بعضهم الى جعل الانتخابات محطة تحوّل لدى الجنرال فيبادر كما قال أحدهم الى "الشهادة للحقّ" في الكونغرس الأميركي، أى الى تغيير خطابه حيال سوريا والعلاقات اللبنانية ـ السورية، بينما هدفت بالنسبة الى فريق السلطة الى "أشياء" أخرى من بينها "توظيف" ما يمكن أن يحصّله "التيار العوني" في خدمة اللعبة "على" السلطة.
وقدّمت للعماد عروضٌ و"ترسيمات" إذا ما أظهر إيجابية معيّنة، منها أن يعود الى لبنان ويشتغل في السياسة معارضاً تحت سقف القانون والنظام، وأعطي للجنرال على ما قيل مثال الرئيس السابق أمين الجميّل الذي عاد الى البلد ويمارس العمل السياسي.. وقيل له على ما أفادت المعلومات أن "الملفّ القضائي" المتعلّق به مُقفل أو أنه سيُقفل. وتفيد معلومات أن الجنرال عون لم يوافق على أيّ شروط توضع على خطابه السياسي المعروف، وإن كان تبيّن من الممارسة أن مرشح تيّاره الى الانتخابات حيّد خلال المرحلة الانتخابية المسائل الشائكة ومنها الموضوع السوري.
كل ذلك إذاً لم يعُد سراً من الأسرار. لكن الأمر الذي لا يزال غير معروف على نطاق واسع، هو أن عون عاد من "شهادته" في الكونغرس والتي قال فيها ما قاله، وتجدّدت "الاتصالات" به على الرغم من "القنابل الصوتية " وذلك للقول له أن "العرض" لا يزال قائماً إذا ما "ضبضبت" نفسك وأوقفت الحملة، كما ذكر متابعون من مسافة لهذا الموضوع. وعلى ما يبدو فإن الجنرال لم يوافق ولم يبد استعداده لأي "مرونة".
بين مجلس الوزراء وادعاء عضّوم
... المهم أن مجلس الوزراء في جلسته الأسبوع الماضي ناقش "شهادة" عون في واشنطن واتّخذ منها موقفاً سياسياً لا لبسَ فيه. و"قال" وزير الإعلام ميشال سماحة أن مجلس الوزراء لم يبحث في اللجوء الى القضاء، لا بل ذهب الى حدّ القول أن لا معالجة قضائية لمواقف سياسية. وباختصار، فقد بدا واضحاً أن مجلس الوزراء (السلطة السياسية) لم يتّخذ قراراً سياسياً بإحالة حالة سياسية الى القضاء.
في الأيام التي تلت "شهادة" عون، تدرّج النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم في "إذاعة" النوايا حيال الجنرال، من التذكير بأنّ ثمةّ ملفاً قضائياً لا يزال مفتوحاً، وصولاً الى الادعاء عليه بـ"جرائم يعاقب عليها القانون" وحصل ذلك بـ"تناقض" مع موقف السلطة السياسية أي مجلس الوزراء.. الاّ اذا كان ثمة سلطة سياسية أخرى "ترى ولا تُرى" أوحت بالتحريك القضائي. طبعاً سيقول القاضي عضوم أن للنيابة العامة الحق في ملاحقة مسائل جرمية عندما تتوافر أدلتها أمامها، لكنّ المسألة هنا تتعلق بالسياسة وحق تقدير المترتبات يعود الى السلطة السياسية بالدرجة الأولى.
وليس كلّ ما تقدم هادفاً الى تقديم دليل إضافيّ على وجود "سياسة في القضاء" أو "قضاء في السياسة" لكنه يهدف الى لفت النظر الى حقيقة أنه عندما كان ثمة "تفاوض" أو "اتصال" مع عون حسب ما تقول المعلومات، "مان" المتصلون على القضاء وتبرعوا بالوعد بإقفال الملف الذي عاد وفتح في ظرف سياسي آخر. كما يهدف ما تقدّم الى السؤال: هل من حق القضاء ابقاء ملف من الملفات مفتوحاً من دون حكم الى ما شاء الله وإخراجه من"الكُمّ" اليمين بعد إدخاله من "الكُمّ" الشمال كما يفعل اللاعبون المهرة؟.
"القوات" وسمير جعجع
والأهم، انّ لتجديد إحالة عون الى القضاء مفعولاً سياسياً مباشراً، لأنه أدى وسيؤدي الى استقطاب الجنرال لمزيد من المناصرين ولمزيد من الناقمين.. واذا كان بعض من في السلطة يفترض أن نجاحاً حصل في التجربة مع قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، فهو حتماً واهم. ذلك انّ ثمةّ من يقول خاصة في صفوف مناصري "القوات" ان جعجع اعتقل على أساس دور مفترض له في تفجير كنيسة سيدة النجاة، الأمر الذي يلغي مفاعيل قانون العفو اذا ثبت ضلوع جعجع في التفجير. لكن التحقيق لم يكشف دوراً لجعجع في ذلك، ففتحت بعد ذلك سائر الملفات، ويقول هؤلاء أن الملاحقة القضائية تبعت الحسابات السياسيّة. ومع ذلك، ليس هذا هو الأهّم، لأن الأهم هو انّ "القوات" استمرّت في استقطاب شريحة كبيرة من الجمهور المسيحيّ. ومع أن الأجهزة لعبت لعبتها في إحداث انشقاقات داخلها، فانّها حافظت على "قوتها". و"الأخطر" ان ثمةّ إيحاءات الى "الفريق القواتي" الرئيسيّ بأنّ الافراج عن جعجع مسألة وقت، ومن يوحي بذلك أما انه "صادق" ويريد إطلاق جعجع في توقيت سياسي مناسب فلا تعود الأحكام مشكلة أمام قرار سياسي مخّرج قانونياً، وأما انه يريد تقطيع الوقت بـ"تجميد" هذا الفريق عن الحركة السياسية. وفي جميع الأحوال توظيف سياسي لما يسمى "الملفات".
رياض سلامة
ومثال آخر من الأيام الأخيرة. لقد شنت حملة شعواء على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على خلفية الطلب الذي وجهته هيئة التحقيق الخاصة الى المصارف بالكشف عن حسابات قياديين في "حركة المقاومة الاسلامية" ("حماس")، وبلغت الحملة حدّ تخوين الحاكم في وطنيته. واستخدم في الحملة عنوان ان تحرّك هيئة التحقيق لم يخضع لـ"القرار السياسي" أو "السلطة السياسية"، وذهب بعض الحاملين على سلامة الى حدّ الإعلان عن مسعى لتعديل قانون مكافحة تبييض الأموال الذي يعطي المصرف المركزي وهيئة التحقيق لديه صلاحيات في هذا المجال.. وذلك لإخضاع المسألة لـ"السلطة السياسية".
نضع جانباً حقيقة أن رياض سلامة لم يخرج عن سياسة الدولة لأنه لم يتخذ إجراءات أصلاً. لكن الأسئلة: لماذا قرار "السلطة السياسية" ضروري في حالة الطلب المصرفي وليس ضرورياً في حالة عون؟ وما الحدّ الفاصل بين "السياسي" و"القضائي"؟ ومن هي ـ تكراراً ـ "السلطة السياسية"؟
وفي الجواب عن هذه الأسئلة، يبدو واضحاً لكثيرين ممّن يتداولون هذه الأمور في مجالسهم هذه الأيام، أن ثمة سياسة غرضية تتحكّم بمسار الأمور لغايات سياسية لن تخفى على أحد قريباً جداً؛ استخدام هذا هنا وحرق ذلك هناك، افتحوا هذا الملف، أقفلوه، أعيدوا فتحه الخ... وهل كان منطقياً إشهار "الخطاب المقاوم" في وجه رياض سلامة، وما المقصود إن لم يكن القول انّ فلاناً خارج "الثوابت الوطنية" وان فلاناً هو ضمانتها؟
المشهد مريب جداً ويضيع فيه مَن مسؤول عن مَن وعن ماذا، وتضيع فيه "السلطة السياسية" وتغيب معه "الدولة" وحدود السلطة والمسؤوليات... لو لم يذكّر وزير العدل بهيج طبارة أول من أمس في ما يشبه الصرخة في الوادي أن "لا قضاء في السياسة ولا سياسة في القضاء"!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00