8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عون ولعبة "اللوتو" في السياسة

ما هي الأسباب "الجوهرية" للاعتراض على ما تضمنّته "شهادة" العماد ميشال عون أمام الكونغرس الأميركي الأسبوع الفائت؟
عن هذا السؤال، تجيب شخصيات سياسية مطلعة تحدّد الأسباب بثلاثة رئيسية.
أولاً ـ إن عون الذي كرّر أكثر من مرة بعد أحداث أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك، لكن على نحو أوضح مع اندفاعة الحرب الأميركية على العراق، أنه يراهن على متغيّرات اقليميّة تطيح العلاقة الأميركية ـ السورية وتسحب لبنان من تحت مظلة الاتفاق الأميركي ـ السوري، يسعى من خلال مداخلته في الكونغرس الى أن يقدّم نفسه بوصفه حجر الزاوية في "مشروع كبير" يرمي الى إخراج سوريا من لبنان وإرساء معادلة جديدة على انقاض اتفاق الطائف الذي رفضه عون منذ البداية ورأى فيه من الأساس اتفاقاً دولياً ـ اقليمياً "يعطي" لبنان لسوريّا. وبهذا المعنى فإن ما حمله الجنرال الى واشنطن، يبني في العمق على المتغيّرات كما يراها هو ليقدّم مشروعاً انقلابياً في لبنان.
ثانياً ـ ولم يكن مستغرباً والحالة هذه، أن يبدو طرح عون في الكونغرس جزءاً لا يتجزأ من مشروع ذي بعد اقليمي، وقد عبّر العماد عن ذلك من خلال تحميله سوريا مسؤولية عدم تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بجنوب لبنان من زاوية تحميلها مسؤولية عدم نشر الجيش في الجنوب ايذاناً بـ"إقفال الملف" على الحدود، وهو لم يتوانَ عن تحميل دمشق أيضاً مسؤولية عدم استيعاب "الحركات الأصولية"، لكأنه أراد بوضوح أن يدرج نفسه في سياق الحرب الأميركية ـ الدولية على "الإرهاب" المنسوب الى هذه الحركات. وأكثر من ذلك، فإن الجنرال في تناوله العلاقات اللبنانية ـ السورية ربط بين دور سوريا في لبنان ودورها اقليمياً في محاولة مكشوفة ليس فقط لـ"إيذاء" "سوريا الاقليمية" بل لـ"ترشيح" نفسه الى دور جديد في لبنان ذي أبعاد اقليمية.
ثالثاً ـ وخلافاً لما هو معروف عنه لجهة عدم التعامل مع إسرائيل، فقد قرّر عون تتويج حركته السياسية القائمة منذ أعوام باللجوء الى منبر يهودي صهيوني عالمي عبر المساهمة في إعداد "مشروع قانون محاسبة سوريا" واعتبار نفسه جزءاً من "القانون" ومن "المحاسبة".
مغامرة
هذه الأسباب الثلاثة تكفي في اعتقاد الشخصيات المتابعة لاستنكار ما أقدم عليه الجنرال عون الذي يواكب التطوّرات مراهناً على "تجييرها" لنسف ما نهض عليه الوضع في لبنان منذ سنوات، وبمعزل عن أي توافق لبناني ـ لبناني.
وإذ تعتبر الشخصيات نفسها أن وصف عون بأنه "مراهن" هو الوصف الدقيق لحركته ومشروعه السياسيين، فضلاً عن اعترافه هو نفسه بـ"المراهنة"، تسأل: إذا كان الجنرال ذهب الى واشنطن وفي ذهنه إمكان التصديق على "مشروع قانون محاسبة سوريا" وإمكان تبنّيه الحاسم من قبل الإدارة ثم إمكان وضعه موضع التطبيق، فإنه من الواضح تماماً إذاً أنه لم يضع في حسابه إمكان العكس أي إمكان عدم استخدام الولايات المتحدة لهذا "القانون"، أي أنه لم يضع في حسابه احتمال فتح الأبواب بين دمشق وواشنطن مجدّداً، وفي هذه الحال ما مصير "الخطاب العوني" وما أثر هذه المغامرة على مناصريه وعلى مجمل الوضع مسيحياً ولبنانياً؟
وتجيب بسرعة بالقول إن "المراهنة" تساوي "المغامرة"، وفي أحسن الأحوال فإن عون يمارس "لعبة الحظ"، والحال أن أي عمل سياسي ناضج لا يستقيم ولعب "اللوتو" في السياسة.
وتضيف أن لـ"مشروع قانون محاسبة سوريا" من وجهة النظر الأميركية، بل من وجهة نظر اللوبي المتصهين في الولايات المتحدة زوايا ثلاثاً: زاوية لبنانية يتطوّع عون فيها، وزاوية فلسطينية يتطوّع فيها اللوبي الليكودي في الكونغرس، وزاوية عراقية يتطوّع فيها أطراف آخرون في الإدارة الأميركية. وبهذا المعنى فإن الجنرال يتبنّى لنفسه وظيفة من ضمن وظيفة ثلاثية لـ"القانون"، تتّصل بكيفية "الشدّ" على سوريا على المحاور الاقليمية الثلاثة.
"ورقة" في يد مجموعة أميركية
من هنا، تلفت الشخصيات نفسها الى أن الطابع "المغامر" لمراهنة الجنرال، لا تتّضح كامل أبعاده تأسيساً على ما سبق ذكره إلا متى حصل إدراك لحقيقة أن عون لا يعدو كونه "ورقة" في يد مجموعة أميركية، للضغط أو التهويل أو الإعلام.. لكن لأغراض أخرى تتعلّق بالعراق وفلسطين.
صفير
في هذا السياق، أي بعد تحديد الأسباب "الجوهرية" للاعتراض اللبناني الواسع على ما تضمّنته "شهادة" عون في الكونغرس، ومنها البعد المغامر في خطابه وحركته السياسيين، يمكن القول إن ما صدر من مواقف على صعيد "المعسكر" الحليف لسوريا، معروف وكان متوقعاً. بيد أن الأهم يتمثّل في ما أعلنه البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير لجهة رفض المراهنة على أميركا.
ورفض المراهنة على أميركا بطريركياً مشروح على النحو الآتي: إن الإشكاليات في العلاقات اللبنانية ـ السورية، لا ترتب إعادة النظر باتفاق الطائف بل تستدعي تطبيقه نصاً وروحاً وبحذافيره، وهو فضلاً عن كونه إطاراً للصيغة اللبنانية الجديدة، يمثل مرجعية العلاقات بين لبنان وسوريا. والأهم هو أن البطريرك المتعمّق في دروس التجربة اللبنانية، يرفض جعل المسيحيين واللبنانيين "ورقة" في لعبة دولية ـ اقليمية لا نتيجة واحدة لها، لأن العلاقات السورية ـ الأميركية تمرّ عادة بـ"صعود" و"هبوط"، لكنها تبقى مفتوحة على احتمال "تسوية"، ولذلك فإن خيار "الاحتماء" بأميركا أو التحوّل "ورقة" في يدها، خيار غير مضمون وغير مقبول، والحل هو بتسويتين لبنانية ـ لبنانية ولبنانية ـ سورية، من ضمن الوحدة الوطنية اللبنانية التي لطالما تعرّضت عندما حصل كشف للبنان أمام الخارج. وإذ يؤكد البطريرك هذه الثوابت فإنه يرفض "المغامرة".. لكنه عملياً يدعو المسيحيين الى رفض الاصطفاف وراء "الخطاب العوني" الذي يحاول أن "يدغدغ" بعض الجمهور. وعليه تختم الشخصيات بالتشديد على ضرورة ملاحظة أن ردود الفعل على "الخطاب العوني" أظهرت وضعاً لبنانياً صحياً، لا يزال بحاجة الى مزيد من المواقف الحاسمة من جانب تشكيلات المعارضة المسيحية ليكتمل الطوق على "المغامرة".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00