بعيداً من ردود الفعل الآلية على "شهادة" العماد ميشال عون ضدّ سوريا في الكونغرس الأميركي، وهي ـ بالمناسبة ـ ردود فعل لا تقدّم ولا تؤخر بل ربما تؤخر، فإن ما هو مطروح في العمق من جديد، يتصل بأمرين رئيسيين. الأول يمكن صوغه في سؤال: من هو الشريك المسيحي الذي يعترف به المسلمون (وسوريا) ليبنوا معه وضعاً لبنانياً مستقراً؟. والثاني ـ بالاستتباع ـ يمكن صوغه في سؤال أيضاً: كيف للنظام السياسي في لبنان بعد تجربة ثلاثة عشر عاماً أن يتطوّر فيكون مستنداً الى آليات تنتجه بشكل طبيعي؟
في ما يتعلق بالشريك المسيحي، غالباً ما يسارع السياسيون المسلمون الى تحديد البطريرك الماروني نصرالله صفير شريكاً بوصفه رمز الاعتدال كما يقولون. لكن الجواب عندهم يتوقف هنا، أي إنه لا يتجاوز حدود الإشادة "المملّة" بالبطريرك خاصة عندما "يصعَد" عون. ولا يعود مفهوماً أبداً بأي مقاييس يجري تحديد البطريرك شريكاً أو تصنيفه معتدلاً، لا سيما أن البطريرك نفسه تعرّض لحملات شتّى خلال السنوات الماضية تارة تحت عنوان أنه لا يحق لرجل الدين أن يتحدث في السياسة، وتارة أخرى تحت عنوان أنه لا يحق له رعاية لقاء معارض، وتارة ثالثة تحت عنوان أنه يحرّك عصبيّة مسيحية. تنهال عليه المدائح عندما يقول مواقفه مدارياً وتنهال عليه الحملات مصحوبة بـ"السواطير" عندما يقول مواقفه بدون ديبلوماسية... وينسون أن البطريرك هو الشريك الأول في اتفاق الطائف... ويتذكرونه عندما يحكي ميشال عون.
ماذا يقول صفير تماماً؟
آن الأوان إذاً لكسر هذه الحلقة المفرغة، ولكسرها لا بدّ من العودة الى ما يقوله البطريرك بشكل محدّد.
يقول البطريرك بوضوح إن الطائف الذي شارك فيه وغطّاه لم يطبّق تطبيقاً صحيحاً ومتكاملاً. ويقول إن علّته ليست في نصوصه بل في وضعه موضع التنفيذ من دون انتقائية. ويؤكد أن الإصلاحات التي تضمّنها نهائية ولا يقبل العودة عنها. ويرفض أن تمسّ الصلاحيات الدستورية لحساب أي كان ولم تُغرِه ممارسات معيّنة كي يعطي صوته الى جانبها. ويعتبر أن الحياة السياسية غير طبيعية في لبنان وأن الطائف تعطّل من زاوية آلياته السياسية خصوصاً على مستوى قوانين الانتخاب التي أقرّت منذ العام 1992 وحتى العام 2000,. ويقول البطريرك إن العلاقات اللبنانية ـ السورية تشكو من مشاكل عدة على مستوياتها كافة، وإذ يرفض الاستقواء على سوريا أو المراهنة ضدها، فإنه يعتبر أن العلاقات بحاجة الى تصحيح ومرجعية التصحيح هي اتفاق الطائف... ويرى أن إعادة النظر بكل ما هو مشكو منه لا يمكن أن تتم إلا بموافقة الشريك المسلم عليها بقيام دينامية سياسية وطنية إسلامية ـ مسيحية، منطلقاً من أن ما هو مشكوّ منه كل متكامل ومعالجته تستدعي تسوية متكاملة تشمل من قانون الانتخاب الى العلاقات اللبنانية ـ السورية.
بمَ يتميّز عن عون؟
عندما يجري تمييز البطريرك عن عون إذاً، فإن البطريرك يتميّز بأنه شريك في الطائف بينما عون خارجه، والبطريرك يتميّز بحرصه على العلاقة بالشريك المسلم وبتفهّمه له بينما عون الذي يقدّم نفسه لا طائفياً عندما يريد وزعيماً مسيحياً عندما تقتضي المصلحة، لا يهتم بالشريك المسلم ويتعامل مع الجميع بوصفهم دمى، والبطريرك حريص على العلاقة بسوريا ويطلب مساعدتها لاستعادة لبنان الى وضع سليم بينما عون يحاربها بالوسيلة المتاحة أمامه. لكن البطريرك يشبه نفسه ولديه شكوى وله وجهة نظره الثابتة في مضمونها وإن تفاوتت لهجة التعبير عنها من فترة الى أخرى.
لذلك، عندما يسارع سياسيون مسلمون وسياسيون من فئة "مسيحيي النظام" الى الإطراء على البطريرك واعتداله في لحظة "حشرة" ما، فمن واجبهم أن يتذكروا ليس فقط أن "الإنشاء" لا يعني شيئاً، بل إن المطلوب في المقابل جرأة في مخاطبة هموم البطريرك وشجاعة في التقدم بحلول. فهل يُقدم الشريك المسلم أو الشركاء المسلمون على خطوات تلاقي البطريرك باتجاه تسوية إسلامية ـ مسيحية في نطاق الطائف وبرعاية سوريا؟.
التجربة مع السلطة.. مريرة
والسؤال المطروح هنا، "حقيقي" و"فعليّ"، ذلك أن الوضع اللبناني أصبح مدعاة "قرف" من زاوية "الهبّات" و"الطلعات" و"النزلات". هو سؤال "حقيقيّ"، تماماً لأن المطروح هو انقاذ الوضع المسيحي انقاذاً للصيغة اللبنانية أو تحويل البطريرك ومعه مجمل الوضع المسيحي ضحية بين فريق متطرّف على الساحة المسيحية قابل للنموّ على الأرض وبأخطاء الآخرين وبين شركاء مسلمين يفهمون اعتدال البطريرك على طريقتهم ويريدونه اعتدالاً بمفرداتهم ومصطلحاتهم. فهل آن الأوان لحوار جدّي ومَن لهذا الحوار؟
وهذه الخلاصة التي تقاطع بشأنها كثيرون خلال الأيام الماضية في ضوء نتائج "فرعية بعبدا ـ عاليه" وبعد مداخلة العماد عون في واشنطن، تنطلق من "عصارة" تجربة السنوات الأخيرة، ويضاف الى كل ما تقدم آنفاً أن في هذه التجربة أمثلة فاشلة. فثمة من "وعد" بأنه كفيل بأن يأتي بالمسيحيين الى صفّه ولم يحصل ذلك، وثمة من قال في نفسه إنه بـ"الجوْر" على الصلاحيات أدغدغ المسيحيين فلم يتدغدغوا لأن المسألة عندهم في مكان آخر، وهناك من قال ان لا حوار بين جهة وجهة إلا بممّر إلزامي في السلطة، وهنالك من قال أشكّل "لقاء تشاورياً" يقف في وجه "قرنة شهوان" كي لا تعتبر "القرنة" نفسها ممثلاً شرعياً وحيداً للمسيحيين، والحال أن هذا الأمر لم يكن مطروحاً.. و"الأطرف" أن توقّف "التشاوري" عن الاجتماع جاء بحيثية أن مبرره زال لأن البطريرك حسم الخيار العربي للمسيحيين في لبنان في شباط الماضي وكأن البطريرك عندما وافق على الطائف وغطّاه لم يكن قد حسم انتماء لبنان الى العروبة أو كأنه كان متمرّداً على "الإرشاد الرسولي". وثمة من قال لنشكّل "خلية حمد"، وبرئاسة مفتٍ في مقابل "القرنة" برعاية مطران... ثم هناك من اعتبر عند تشكيل الحكومة الحالية أن لا لزوم لمشاورة البطريرك..
في الممارسات على مستوى السلطة إذاً، ثمة تجربة مريرة، لا بل يمكن اختصارها بالقول إن كلّ همّ السلطة تركّز ضدّ البطريرك وتياره تحت عناوين ومسمّيات شتّى، وقد آن الأوان لـ"التعاون" مع البطريرك وقوى المعارضة المسيحية المعتدلة.. وتكراراً لا يعني اعتدالها فقدانها لـ"العصب" المسيحي إذ ما الفائدة من قوى وجهات وتيارات لا تمثّل شارعها وبيئتها خاصة إذا كان دخولها في النظام السياسي لتقويته أمراً بالغ الأهمية؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.