8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

صفير: لا رهانَ على أميركا و"عتبٌ" على سوريّا.. وجنبلاط لم يكن خيارُه المعركة

الجنرال ميشال عون أمام الكونغرس الأميركي يدلي بـ"شهادته" خلال نقاش "قانون محاسبة سوريّا" ويشنّ هجوماً هو الأعنف له على سوريّا وعلى نظام الطائف في لبنان، وذلك في لحظة تزايد الضغوط على سوريّا واشتدادها.
لكنّ "الخبر" ليس هنا، لأنّ عون لم يغيّر مواقفه، وعلاقته بـ"القانون" عضويّة. "الخبر" في مكان آخر، ذلك أنّ عون ذهب إلى واشنطن مسبوقاً بـ"فرعيّة بعبدا ـ عاليه"، وبأداء للسلطة وفريق الحكم ضمنها أعطاه قوّة دفع و"مشروعيّة"، وذهب مصحوباً برهان على أن يعطيه هذا الأداء مبرّراً للإشادة بـ"نزاهة" السلطة ولتغيير موقفه. وذلك هو الأهمّ والأخطر.
الآن، انكشفت الصورة الحقيقيّة لأداء السلطة، والتي لا تغيّر منها شيئاً، مبادرة أصحاب هذا الأداء إلى استنكار "شهادة" عون في الكونغرس، داخل مجلس الوزراء أو خارجه، أو المبادرة إلى "التبرّؤ من دم هذا الصديق".
الآن، انكشف أنّ أداء فريق الحكم كان يهدف الى تمكين "التيار الوطنيّ الحرّ" من تحقيق نتائج عالية في الانتخابات، وإلى تمكينه من ادّعاء تمثيل الشريحة الأوسع من المسيحيين، وذلك تحقيقاً لضرب خطّ البطريرك الماروني والتيّار المتكوكب حوله، وعلى أمل أن يؤدّي ذلك الى لون من الثنائيّة عون ـ الحكم بما يسهّل اختيار الحكم من وجهة نظر فريقه، أو يؤدّي الى "ترويض" التيّار أو يؤدّي إلى استئناف الهجوم عليه إذا لم يدخل في "اللعبة" أو هو انقلب عليها، لكنْ على أساس أنّ الانقضاض عليه يكون أسهل هذه المرّة في ظلّ معارضة مضروبة.
تذاكى عون كما لم يسبق له من قبل أن فعل. أدرك أنّ ثمّة حاجةً لدى فريق السلطة إليه من ضمن الأجندة الخاصّة لهذا الفريق، فعمد الى "التضليل". أوهم من يعنيهم الأمر أنّه على قدر عالٍ من المرونة فأسقط خطابه السياسيّ في خضمّ المعركة الانتخابيّة وأحلّ مكانه خطاباً إنتخابياً حيّد سوريّا منه وحاد عن المواضيع "الشائكة"، وخطب ودّ عدد من الأطراف السياسيّة. كانت عين العماد على يوم 17 أيلول، وكان يريد أن يفوز بالمقعد النيابيّ أو أن يحقق أرقاماً مسيحيّة مرتفعة فيذهب إلى "الشهادة" مطوّقاً بأحد انتصارين: إما اختراق المجلس النيابيّ أو حصد التمثيل المسيحيّ، فيخاطب الكونغرس من موقع قوّة.
تذاكي الجنرال
تذاكى الجنرال فكان له ما أراد أو ما يعتقد أنّه يفيده، فحصد إضافة إلى كل ذلك إشادات عديدة لا سيّما في "أجواء" فريق الحكم.
ومع الأسف انطلى تذاكي الجنرال على بعضهم، فراهن هذا البعض على فصل عون عن "قانون محاسبة سوريا"، وراهن على أن يدلي في الكونغرس بشهادة معاكسة!.. نجح تذاكي الجنرال إذاً، وسقط فريق الحكم في خيبته، وسقط الرهان على تغيير الجنرال نفسه بنفسه. لكن الحقّ يقال ان وحده الزعيم الاشراكيّ وليد جنبلاط لم تنطلِ عليه هذه "اللعبة" من ألفها الى يائها.
ومع ذلك، فإنّ ما حصل "جيد" ليس من زاوية انكشاف من يجب انكشافهم فحسب، بل من زاوية إعادة الاعتبار لمن أيقنوا مبكراً أن ثمة لعبة لا بدّ أن تفشل.
وفي هذا المجال، من الطبيعي الالتفات الى ما يقوله البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، فبالأمس نقل عنه زوّاره من المقربين جداً "ارتياحه الى أنّ الناس في منطقة بعبدا ـ عاليه رفضوا لغة الحرب وخطابها وعبروا عن رفضهم هذا بأشكال مختلفة بما في ذلك عدم الحماس للمشاركة في الاقتراع". ولئلا يكون ثمة التباس في كلامه هذا، يقول البطريرك "في الأساس فهمت أنّه لم تكن لدى وليد جنبلاط نيّة معركة، لا بل خيارُه كان التسوية لكنّ الأمور تطورت بعد ذلك على نحو معين"، في إشارة فسّرها المقربون بأنّها نوع من "الدفاع" عن جنبلاط في وجه اتهامات له بـ"التعبئة" خلال الانتخابات. وأكثر من ذلك فقد أبدى البطريرك للمقربين منه "الارتياح إلى عودة التواصل بينهم وبين جنبلاط".
البطريرك ورفض المراهنة على أميركا
لكنّ البطريرك كان واضحاً أمس في موقفه من النهج السياسيّ لعون من غير أن يسمّيه. فقد أكد أمام المقربين منه أنّ "الرهان على أميركا غير مقبول ولا هو الرهان المضمون لأن الولايات المتحدة ليست جمعية خيريّة بل دولة عظمى تسيّرها مصالحها الذاتيّة". وأضاف: "ثمة مشكلة بين اللبنانيين وسوريّا ولكنّ سوريّا مسؤولة عن معالجتها وعدم ترك الامور تتدهور"، مذكّراً ببيان مجلس المطارنة الموارنة مطلع ايلول الجاري، واصفاً ما ورد فيه بشأن سوريّا بأنّه "عتب عليها". وشدد على معادلة رئيسية "لا الرهان على الولايات المتحدة ولا إبقاء الأوضاع على حالها يشكلان حلاً".
لا احتماء بالسلطة ولا مواكبة لعون
وقبل أقلّ من أسبوع على الجولة الطويلة التي يقوم بها إلى عدد من الدول الأوروبية، ومن بينها دول أساسية على مستوى التأثير بالقرار الدولي، برز خلال الساعات القليلة الماضية تخوفان في الأوساط المسيحيّة: الأول تخوّف من أن تؤدي التطورات الأخيرة سواء المتعلق منها بنتائج بعبدا ـ عاليه أو ما يتصل منها باستئناف عون "حرب التحرير" سياسياً مع وعد بـ"أمور على الأرض"، الى احتماء البطريرك بالحكم وفريقه، والثاني تخوف معاكس من أن يجد البطريرك نفسه مضطراً لـ"مواكبة" عون بنوع من "التصعيد".
لا هذا ولا ذاك في محلهما، يقول المقربون من البطريرك. فالتخوف الأول ليس في محله "لأن السلطة بامتناعها منذ سنوات عن استجابة ما يدعو اليه البطريرك لجهة تطبيق اتفاق الطائف بحذافيره هي المسؤولة عن إعطا مزيد من الفرص لعون وتياره، ولأنّ السلطة مستمرة على تجاهل ما ينادي به البطريرك". أما التخوف الثاني ففي غير محله أيضاً "لأنه يعني خضوعاً للتضخيم القائم لحجم تمثيل عون". ماذا إذاً؟ يجيب المقربون أنّ "البطريرك لم يخشَ عون في عز قوته ولن يخشاه الآن ولن يستدرجه التضخيم الى تنازلات في اتجاهات أخرى". ويضيفون أنهم سمعوا من البطريرك كلاماً واضحاً "لن أعيد النظر في ما اعتمدته منذ شهور وسأتكلم بمضمونه خلال جولتي الخارجية... وأوصيكم بالجسور مع المسلمين".
للتذكير فقط: هذا البطريرك الذي يقول هذا الكلام، كان يستهدفه أداء السلطة وفريق الحكم ضمنها.. قبل أيام فقط.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00