ثمة سؤال طرح نفسه بقوة خلال الأيام القليلة الماضية، يتعلّق بـ"حقيقة" موقف البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير من الانتخابات الفرعية التي جرت في بعبدا ـ عاليه من جهة وموقفه (أو موقعه) من النتائج التي حملتها المعركة من جهة ثانية.. وذلك بهدف استشراف أفق اللحظة السياسية وأبعادها المختلفة.
وفي هذا المجال يؤكد مقرّبون من البطريرك التقوه أكثر من مرة في الآونة الأخيرة أنه اعتبر ومنذ اللحظة الأولى أن لا مبرّر لمعركة انتخابية في المتن الجنوبي، تماماً لأن المعركة خارج أي سياق يحتّمها، ولأن طابعها السياسي "سيّء" وبعضه مفتعل. وأكثر من ذلك ينقل المقرّبون عنه استياءه الشديد من المناخ الذي رافق الأيام السابقة على الانتخابات حيث جرت استعادة ماضي الحرب في منطقة حسّاسة من الجبل، وقد بُذل الكثير لتحقيق مصالحة "مضنية" فيها.
وشرحاً لموقف البطريرك من المعركة أصلاً ومن مساراتها ثانياً، في عمقه السياسي، يلفت المقرّبون الى نقطتين جوهريّتين تحكمان رؤية سيّد بكركي الى الأوضاع في لبنان حالياً. الأولى هي أن البطريرك يدعو في ظلّ الوضع اللبناني الراهن، وفي الإطار الإقليمي الذي يحدّه، الى أن يقدم اللبنانيون البرهان عن قدرتهم على التلاقي والاتفاق والتفاهم على إدارة أمورهم بأنفسهم من دون حاجة الى "رعاية". وبهذا المعنى، فإن معركة انتخابية يسهل انزلاقها نحو استعادة خطب الحرب، تقدّم صورة عكسية تذكّر بأن البلد طوائف متناحرة، وأنه بحاجة الى من "يضبطه". أمّا النقطة الجوهرية الثانية فهي أن البطريرك استخلص من دروس عدد من التجارب بين العام 2000 والربع الأول من العام 2003، أنّ الخلاص للبنان من أزماته فعلٌ مشترك إسلامي ـ مسيحي، وهو لذلك يشدّد على المقرّبين منه أن يتّجهوا وجهة بلورة تحالفات وطنية بمعنى لبنانية عامة، لأن لا بديل منها إثباتاً للعالم أن لبنان ليس مشروعاً مستمراً للتناحر بين أبنائه.
التفاهم الإسلامي ـ المسيحي
ولأن التفاهم الإسلامي ـ المسيحي الذي يشدّد البطريرك عليه، ليس مجرّد "صورة" يتمّ التقاطها لقيادات مسلمة من هنا ومسيحية من هناك من وجهة نظره كما يشرحها المقرّبون، بل هو (التفاهم) لا يمكن أن يقوم مع تجاهل أو غضّ نظر عن مسألة الوجود والدور السوريين في لبنان، فإن البطريرك يذكّر من خلال عظاته تارة، ومن خلال ما ينقل عنه تارة ثانية، ومن خلال البيانات الشهرية لمجلس المطارنة الموارنة تارة أخيرة، بأن المطلوب تسوية بين اللبنانيين مسلمين ومسيحيين بشأن العلاقة بسوريا وتسوية لبنانية ـ سورية يستعيد لبنان بموجبهما "السيادة والقرار" كما يردّد. لذلك، وفي وقت يذهب العماد ميشال عون الى واشنطن للإدلاء بـ"شهادته" في الكونغرس الأميركي أثناء مناقشة "قانون محاسبة سوريا"، لم يختر البطريرك وفريقه المقرّب التصعيد. وفي هذا السياق يذكّر المقرّبون بما ورد في النداء الأخير لمجلس المطارنة الموارنة مطلع أيلول الجاري حول سوريا، من مخاطبة لها تحت عنوان "من الأفضل ألاّ يسجّل في يوم من الأيام أن سوريا تسبّبت في انهيار البلد أو أن يحصل الانهيار تحت نظر سوريا". وفي اعتقاد المقرّبين أن ما ورد حول سوريا هو أشبه بـ"مناشدة" لها للمساهمة في تمكين اللبنانيين من الاقتراب من بعضهم.
الاعتدال ذو العصب المسيحي
باختصار على هذا الصعيد، يوضح المقرّبون أن البطريرك الذي يشدّد في آن على تجنّب ما يهزّ مصالحة الجبل وعلى التفاهم الإسلامي ـ المسيحي وعلى عدم إغفال الموضوع السوري، إنما يقدّم صورة الاعتدال المسيحي الحقيقي. ويقولون في هذا المجال إن الاعتدال المسيحي ليس الذي يمارسه "مسيحيّو النظام" ولا الذي يُلغي نفسه، بل هو الاعتدال ذو العصب المسيحي من ناحية والطامح الى الشراكة مع المسلم من ناحية ثانية. ويضيفون أن هذا هو الاعتدال الذي لا بد من حمايته كي لا تخلو الساحة لتطرّف من هنا يستدعي تطرّفاً من هناك. ويلاحظون أن هذا الاعتدال بالذات هو الذي انتصر في "فرعية عاليه ـ بعبدا"، سواء بعدم مبادرة المتحلّقين حول البطريرك الى خوض المعركة أو عبر وضعهم لضوابط وطنية للاستحقاق، أو عبر عدم التجاوب مع "خطاب الحرب" على ألسنة بعض السياسيين المسيحيين، أو عبر استنكاف غالبية من المسيحيين عن المشاركة في الانتخابات عن قناعة بأن "المعركة" لا تستحقّ.
رفض الاصطفاف حيال صراعات السلطة
وفي جانب آخر من الموضوع، يلفت المقرّبون من البطريرك الى أن "نداء أيلول" لمجلس المطارنة الموارنة قدّم أساساً صالحاً لحوار إسلامي ـ مسيحي، ذلك أنه يشكّل إعلاناً واضحاً عن أن البطريرك وخطّه والمتحلّقين حوله لا سيما المعارضة المسيحية المستظلة بها، أن هؤلاء جميعاً يرفضون الاصطفاف حيال صراع أهل السلطة، أي أنهم هنا لا يلتحقون بقطب من أقطابه أي الحكم وفريقه، الأمر الذي يشكّل من وجهة نظرهم طمأنة لـ"الآخر"، ويشكّل تسهيلاً لقيام تحالف وطني يأخذ على عاتقه مهمة صوغ حالة سياسية بديلة من الوضع الراهن. وأكثر من ذلك، فقد قدّم نداء المطارنة أساساً برنامجياً في الميدان الاقتصادي ـ الاجتماعي، صالحاً لتحالف وطني أيضاً.
صفير ينتظر
وإذ يفرَغ المقرّبون من البطريرك من شرح "فلسفة" سيّد بكركي في هذه المرحلة، واضعين حدّاً فاصلاً بين هذا الخط والخط المعارض الذي خاض "فرعية بعبدا ـ عاليه" من جهة، وحداً فاصلاً بين مفهوم التحالف الوطني على الأساس المعروض آنفاً وبعض أشكال التحالفات الأخرى التي تتّسم بكونها جزءاً من الصراع الراهن على السلطة من جهة ثانية... يؤكدّون أن البطريرك أعطى ما يكفي من الإشارات لمن يريد التقاطها، وأن ما توصّل إليه لا يمكن النزول تحته وإلاّ يكون مغامراً بالوضع المسيحي. ويشدّدون على أنه إذا كان هذا الخط البطريركي قد شقّ طريقه بجهود استثنائية أعطت إيجابيات كثيرة وليس من دون أثمان، فإن مسؤولية حمايته تقع على القيادات الإسلامية أيضاً، لا سيما تلك الوازنة منها في بيئاتها.. إذا كانت هذه القيادات فعلاً في صدد الاستفادة من عِبر المرحلة الممتدّة منذ اتفاق الطائف حتى اليوم، علماً أن الرأسمال الأساسي الذي يستطيع خط الاعتدال ذو العصب المسيحي مواجهة التطرّف به، هو رأسمال التفاهم المسيحي ـ الإسلامي، ورعاية سوريا لكل هذه التوجهات... والبطريرك ينتظر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.