8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط وضرورة تجديد التراث المعارض وتطوير التفاهم مع البطريرك

تدلّ كلّ المؤشّرات قبل العملّية الانتخابيّة الفرعيّة في دائرة بعبدا ـ عاليه وبعدها، على انّ رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكيّ وليد جنبلاط يتحسّس مجموعة من المشكلات تنعكس عليه في منطقة نفوذه السياسيّ، وعلى الأرجح فإنّ نتائج الانتخابات لم تفاجئه، وهو نفسه عكس مراراً مخاوف شتّى خلال الشهور الماضية، ترجمها "معركة" تحت عناوين التنمية والإنماء والبيئة وغيرها في الجبل تارةً، وترجمها تشكيكاً في جدوى مشاركته في الحكومة تارةً اخرى، وترجمها انتقادات لأداء وزراء "اللقاء الديموقراطيّ" تارةً ثالثة وترجمها حملةً على دور الحزب بعلاقته بالناس تارةً رابعة...
العلاقة بالسلطة.. وبالمسيحيين
يجب القول إذاً انّ وليد جنبلاط كان يستشعر وجود أزمة علاقة بينه وبين السلطة، وأزمة علاقة بينه وبين الناس، وأزمة ثقة بينه وبين المسيحيين... وأزمة في "الخطاب السياسي". ومع ذلك لم يستطع جنبلاط اتخاذ قرارات "نهائيّة" لمواجهة هذه الأزمات والاقتراب أكثر من مسار "الحلول" باستثناء قرارين ربما: الحرص الذي أبداه مراراً ولاسيّما خلال الأشهر القليلة الماضية على العلاقة بالبطريرك المارونيّ نصرالله بطرس صفير، ثمّ قيادته لورشة تحديثيّة تنظيميّة في الحزب الاشتراكي.. مع الإشارة هنا الى انّ قراره الحرص على العلاقة بالبطريرك لم يتحوّل الى دينامية تتجاوز مجرّد "الوقوف على خاطر" سيّد بكركي في بعض المحطّات.
أزمة العلاقة بالسلطة أخذت احياناً كثيرة، طابع التأزم في العلاقة بينه وبين رئيس الحكومة رفيق الحريري خاصة على خلفيّة المطالب الإنمائيّة ـ الخدماتيّة ـ الاجتماعيّة لمنطقة الجبل. انتقد التجاذبات على مستوى السلطة وانتقد توسّط وزرائه في هذه التجاذبات. ذهب الى اعتبار انّ الأزمة السياسيّة هي في العمق أزمة نظام. لوّح بالخروج من الحكومة لكنّه راعى "المقتضيات الاقليميّة" ولكم فرضت عليه "المقتضيات الاقليميّة" مجموعة من الضوابط. يشارك في "غرم" السلطة ولا يشترك في "الغنم".
امّا أزمة العلاقة بالمسيحيين خلال السنتين الماضيتين، فقد دفعتها الى مرتبة أزمة الثقة مجموعة من الاعتبارات تدخّلت فيها "المقتضيات الاقليميّة" ايضاً في ظلّ تطوّرات متسارعة من 11 أيلول 2001 الى الحربين في أفغانستان وعلى العراق، كما تدخّل في الأزمة الاختلاف في وجهات النظر حيال التطوّرات. بيد انّ أزمة الثقة بلغت ذروتها في لحظة معيّنة عندما بدا جنبلاط "رأس الحربة" ضدّ المعارضة المسيحيّة، وعندما بدا متراساً للآخرين يطلقون النار على المعارضة المسيحيّة من خلفه هو.
كلّ تلك الأزمات هي التي صنعت بالمحصّلة نتائج "فرعية" بعبدا ـ عاليه، أي انّ النتائج التي اعتبرت بمثابة جرس إنذار، أسبابها سياسيّة بامتياز، ولعلّ الأبرز في هذه النتائج انّها المرة الأولى التي يحصل فيها عند الدروز ما يشبه التصويت الاحتجاجيّ على الزعيم، وقد عبّر عن نفسه بالاستنكاف عن المشاركة في الانتخابات بالرغم من دعوة جنبلاط الى زيادتها. والآن، لعلّ الجميع يصدّق انّ حردَ جنبلاط قبل نحو شهرين له ما يبرّره وله أسبابه، ولم يكن فيه أيّ افتعال.
المسافة من لحود ضرورية
من هنا، عندما يقول الزعيم الاشتراكيّ انّه في طريقه الى استخلاص العبر والدروس من "فرعية بعبدا ـ عاليه"، فمن المنطقيّ افتراض انّه سوف يتقدّم في المجال السياسيّ باتجاهات مختلفة.
وفي اعتقاد الكثيرين ممن يحرصون على موقع جنبلاط ان ثمة عدداً من النقاط يقتضي أخذه في الاعتبار:
أولاًـ انّ الجواب عن أزمة العلاقة بالسلطة لا يستدعي آلياً الانسحاب من الحكومة، بقدر ما يتطلّب أخذ مسافة "متساوية" من قطبي الصراع على مستوى السلطة. ويعرب الحريصون هنا عن اعتقادهم ان ثمة أسباباً تدفع جنبلاط الى أخذ مسافة من الرئيس الحريري والاختلاف معه ولا سيّما في المجال الاقتصادي الاجتماعي. لكن ليس ثمة سبب يجعله يبدو مقترباً من الرئيس اميل لحود ويستطيع جنبلاط بما عرف عنه من طاقة سياسيّة أن يترجم ما يسمّى بـ "قبض لحوّد على اللحظة التاريخيّة قومياً" بما يحفظ له هامشه واستقلاليّة موقعه.
ثانياًـ وفي الجواب عن أزمة العلاقة بالسلطة، في وسع جنبلاط أن يوجّه النقاش في الحزب التقدمّي الاشتراكيّ وأن يقوده باتجاه تجديد التراث المعارض للحزب، وباتجاه استعادة خانة تاريخيّة للجنبلاطيّة في تراث البلد، هي خانة ما يمكن تسميته اصطلاحاً "يسار النظام"، بحيث يؤدّي دور "بيضة القبّان" بين النظام والمعارضة، من موقع تمثيل مصالح الناس او دور "ضابط" الصلة بين الدولة والمعارضة.
ثالثاًـ وفي الجواب عن أزمة العلاقة بالمسيحيين، لا سبيل إلاّ في التوجّه نحو توثيق العلاقة بالبطريرك الماروني وبالمعارضة المسيحيّة المعتدلة ذات "العصب المسيحيّ"، بهدف صوغ مشروع وطنيّ بديل من الوضع القائم حالياً.
رابعاًـ ولا مفرّ من السعي من قبله الى تلمّس سبيل وضع ما يطرحه عن تشكيل "قوّة ثالثة" موضع البحث والتنفيذ، حيث ثمة اعتقادٌ انّ هذه "الخانة" شاغرة ولا بدّ من نقاش مساحتها الموضوعية.
خصوصيّة موقع جنبلاط
خامساًـ وممّا لا شكّ فيه انّ من حقّ وليد جنبلاط تحت سقف المعادلات الحاكمة للوضع اللبناني، أن يؤكّد خصوصيّة الجبل بصفته منطقة الاختلاط اللبنانيّ الرئيسيّة ومنطقة المصالحة التاريخيّة ومنطقة التلاقي مع المسيحيين، وأن يؤكدّ خصوصيّة موقعه هو نفسه. وعلى كلّ المشتغلين بالمعادلات أن يحترموا خصوصيّة جنبلاط وضرورات موقعه.
سادساًـ ولا شكّ خاصة بعد تطوّرات الأيّام الأخيرة، ومع اندفاعة العماد ميشال عون مجدّداً نحو "قانون محاسبة سوريا"، وانقلاب تيّاره على الخطاب الانتخابي الذي حيّد الموضوع السوري، وبعد أن اتضّحت خطورة تلاعب السلطة وفريق الحكم فيها بالاستحقاق الانتخابيّ، انّ جنبلاط يستطيع أن يطلب من سوريّا "حماية" التوجّه الى قلب صفحة أزمة الثقة مع المسيحيين، بعد أن ساهمت المعارضة المسيحيّة المقربة من البطريرك والمتحلقة حوله في خفض "التعبئة" مسيحياً والتي رافقت الاستحقاق الفرعي. ويتقاطع هذا التوجه مع إشارات سورية متوالية الى البيئة المسيحية وتيّارها البطريركي عن أهمية دور البطريرك. ويجب أن تسجّل لهذه المعارضة المسيحية انها عزفت عن خوض معركة انتخابية كان يمكن أن تفوز بها على حساب العلاقة بجنبلاط والحوار معه، وقد ساهم عزوفها في خفض نسبة المشاركة المسيحية في الاقتراع.
على خلفية ما تقدّم، من الواضح انّ الردّ على دلالات نتائج فرعية بعبدا ـ عاليه، يتبلوّر بإعادة صوّغ موقع جنبلاط وحزبه ضمن الاتجاهات المشار اليها آنفاً.. بأسرع ما يمكن من الوقت وثمة أفق مفتوح أمام ذلك.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00