عندما يقال عن حقّ انّ الانتخابات الفرعيّة في بعبدا عاليه، ككلّ انتخابات أصلاً، مسألة سياسية بامتياز، فانّ ذلك يقتضي بعد حصول الحدث السياسيّ استخلاص الدلالات والعبر و"المحاسبة" على أساسها توصّلاً ـ إذا أمكن ـ إلى استنتاجات مستقبليّة.
على هذا الأساس، لا مفرّ بدايةً من المرور على أداء السلطة وفريق الحكم فيها خلال الفترة التي استغرقها الاستحقاق الانتخابيّ الفرعيّ، على اعتبار انّ هذا الفريق كان لاعباً سياسيّاً وإن لم يكن قوّة انتخابيّة بالمعنى الدقيق للكلمة خاصةً انّ أيّاً من رموزه لم يكن في "الميدان" مباشرةً.
من الواضح انّه كانت لهذا الفريق أهدافٌ سياسيّة مباشرة، أبرزها على الاطلاق القول لسوريّا من جهة وللمسلمين من جهة ثانية انّ الساحة المسيحية واقعة بين استقطابين، الاستقطاب الذي يمثله العماد ميشال عون الموصوف بالتطرّف سواء من زاوية نظرة هذا التيار الى سوريّا والعلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة وهي نظرة يختصرها وقوف العماد عون وراء "مشروع محاسبة سوريّا... او من زاوية علاقاته "المقفلة لبنانياً"، والاستقطاب الآخر الذي يمثّله الحكم في المقابل بوصفه من وجهة نظر فريقه "الضامن" للعلاقة اللبنانيّة بسوريّا وبوصفه العامل على استعادة الصلاحيّات بما يشكل ضمانة للمسيحيين ومركز جذب لهم.
ولأن مصلحة السلطة تقتضي ذلك، كان من مصلحتها في سياق المعركة الانتخابيّة الفرعيّة الأخيرة ان تساعد على رفع مستوى المشاركة في الاقتراع، في البيئة المسيحيّة خصوصاً، وأن تخلق المناخ المؤاتي لذلك ولو عبر المساهمة في توفير الاجواء الملائمة للتشنج التي يستفيد منها "المرشّح العوني" لغرض في نفس السلطة، ولو اقتضى الأمر اللعب بـ "عقل" نديم بشير الجميّل مباشرة أو بالواسطة. ومن البديهي القول انّ هذا الفريق وتحت عنوان "الحياد" في المعركة، عمل ما في وسعه في هذا الاتجاه، ولم يأبه كثيرا لمفاعيل هذا الدور خلف الكواليس، وكيف يأبه وهو في الوقت نفسه ليس شريكاً في انجاز 2001 في الجبل ويتطلع الى تأكيد "موضوعيّة" الحلّ الأمني في لبنان؟
باختصار وبعد ان قيل الكثير في هذا الموضوع، "يجب" لفت الانتباه الى انّ مصلحة فريق السلطة في تأكيد وجود استقطابين، تمرّ بتحقيق ضربة تقضي على المعارضة المسيحية المتحلقة حول البطريرك المارونيّ نصر الله بطرس صفير. وهذا ما سعى الفريق نفسه اليه، وذلك عبر ثلاثة سيناريوات اشتغلت الاجهزة "المختصة" عليها. الأول استدراج "لقاء قرنة شهوان" الى خوض الانتخابات الفرعيّة وهذا ما يضع "القرنة" في مواجهة مع الزعيم الاشتراكيّ وليد جنبلاط. والثاني "تحريض" هذا "التيار" المعارض على المعركة حتى بعد عزوف النقيب شكيب قرطباوي والغاية وضعه في مواجهة مع العماد عون. والثالث بعد ان فشل السيناريوان السابقان "تحريض" اركان من "القرنة" على دعم المرشح العوني، يستثنى من هذا الكلام كله النقيب قرطباوي الذي ايّد المرشح العوني من باب ردّ الوفاء له.
فشل رهانات السلطة
والآن، وفي ضوء نتائج الانتخابات، من المنطقي ان يفهم فريق السلطة أنّه خسر رهاناته، فالمشاركة التي ارادها الفريق كثيفة لا سيما في البيئة المسيحية، لم تحصل، فلا الدروز "نزلوا" الى المعركة ولا المسيحيون "نزلوا" اليها ايضاً على الرغم من تجييش نديم الجميل مثلاً الذي حاول ان "يسدّ" الثغرات "السيادية" في خطاب المرشح العوني وراح يستخدم "خطاب الحرب" الذي قابله المسيحيون بخوف. واذا كانت المشاركة الكثيفة تمثل "الرافعة" لكلّ الرهانات الأخرى لا سيما رهان الوصول الى نتيجة "تخيف" سوريّا والمسلمين، فان ذلك لم يتحقق، والنتائج التي حقّقها المرشح العونيّ مهمة له لكنها لم تثبت قدرة "التيار" على إلغاء المعارضة الأخرى، مع التذكير هنا بأنّ المعارضة الأخرى غير مقطوعة الصلة بسوريّا وبفرقاء لبنانيين أساسيين.
وليس ثمة أبلغ من خسارة السلطة وفريق الحكم فيها للرهان على ارتفاع المشاركة وعلى تحصيل المرشّح العوني لأرقام عالية "تخيف"، من مبادرة وزير الداخليّة الياس المرّ مساء أول من أمس وخلال مؤتمره الصحافي بعد اغلاق اقلام الاقتراع، الى الانتقال من الرهان على المشاركة الكثيفة إلى الرهان على نسبة المستنكفين عن الاقتراع، بحيث كشف بـ "ذكاء" منقطع النظير انّ "المستنكفين قرفوا من الوضع السياسيّ وسيكونون الأساس في مشروع الاصلاح الذي بدأه رئيس الجمهورية"....
العونيّون قوّة مسيحيّة
في مقابل فريق السلطة الخاسر، هل يمكن اعتبار تيّار العماد عون رابحاً؟
من الطبيعي القول في هذا المجال وقبل الجواب عن هذا السؤال، انّ ثمة سؤالاً آخر يفرض نفسه وهو: الى ماذا كان العماد عون يهدف اصلاً من خلال مشاركته بمرشح عنه في الانتخابات، وذلك لتحديد معيار الربح او الخسارة؟
لقد نجح عون وتيّاره في أول مشاركة في انتخابات فرعيّة في الحصول على رقم عال متقارب مع الرقم الذي حصل عليه المرشّح الفائز، لكن من ضمن نسبة اقتراع متدنية لدى كلّ الطوائف. لكن "التيار العونيّ" الذي تحرك في ظروف شبه مثاليّة: "الحياد الايجابي" للسلطة وضعف الاقتراع درزياً وشيعيْاً.. لم يتمكن من رفع مستوى المشاركة المسيحيّة الى الحدّ الذي يجعلها تقترب من نسبة المشاركة في انتخابات العام 2000، او تقترب من نسبة المشاركة في انتخابات المتن الفرعية.
نجح "التيار" اذاً في حصد اصوات لكنّ ذلك يفترض الاّ يذهب بأحد الى المبالغة، ذلك انّ مقياس تحقيق مشاركة مسيحيّة استثنائيّة في أول خروج عونيّ عن المقاطعة، ليس محققاً، ومع ذلك، لا جدال في انّ لعون وتيّاره حصة مهمة في الشارع المسيحي المعارض، لم تكن بحاجة الى توكيد، لكنّ السؤال هنا هو: هل كان عون يريد اثبات قوته مسيحيّاً من خلال الانتخابات ام انّ هدفه كان اثبات انّه البديل القادر على اطلاق ديناميّة تغييريّة؟. فبالمقياس الاخير، أي البرهنة على انّ "التيار" وقائده يملكان القدرة على اطلاق ديناميّة تغيير، ولا يمكن الادعاء انّ ذلك حصل، لا سيمّا في ظروف انسداد قنوات التواصل مع القوى السياسيّة الرئيسيّة في البيئة الاسلاميّة.
بديهي اذاً ان يحصل المرشح العونيّ على اصوات اعلى بكثير من المرشّح الآخر بين المقترعين المسيحيين، وبديهي انّ عون يمثّل رقماً مارونياً فكيف اذا كانت انتخابات بعبدا ـ عاليه الفرعيّة تقول نتائجها انّ ابناء هذه الدائرة صوّتوا "معارضة" بما في ذلك عبر الاستنكاف؟
ماذا ربح؟
نعم، يحق للتيار العونيّ ان يفاخر بانّه "حرق" نديم بشير الجميّل الذي سقط في الامتحان السياسيّ الأولّ له، ويحقّ له ان يفاخر بأنّ الرئيس امين الجميل و"كتائبه" اصيبا بـ "غيبوبة" ولم تبدُ لهما فاعلية تذكر. لكن "التيار" لا يمكنه ادعاء اختصار المعارضة واختزالها، ولا يمكن النفخ في قوته الى حدّ يكاد يجعله الرقم الصعب في المعادلة اللبنانيّة ككلّ.. له كلّ الحقّ في ان يُعترف له بأنه قوة موجودة بيد انّه خطير بمكان الذهاب الى "التضخيم"، وبعض ما انتهى اليه المرشح العوني سببه اخطاء الآخرين ايضاً. ومن المرجّح ان يقوِّم "التيار" تجربته وربما يكون هو نفسه قد ارتكب اخطاء... لكنّ الظاهر منها للعيان انّ المرشّح العونيّ لم يبدُ خلال المعركة صاحب "قضية" بقدر ما بدا قادراً على "التكتكة"... في وقت يطوي عون صفحة الانتخابات الفرعيّة ليستأنف اعتباراً من اليوم دعمه لـ "محاسبة سوريّا"!
غداً: جنبلاط والدروز والمعارضة المسيحيّة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.