"التكليف الشرعي"، هو كل ما يعتبره انسان متديّن واجباً عليه القيام به مثل الصلاة والصوم والجهاد والإلتزام بالفتوى عند صدورها، و"التكليف الشرعي" يصدره مرجع تقليد بفتوى وليس حزب. لذلك "ليس صحيحاً ان حزب الله أصدر تكليفاً شرعياً في ما يتعلق بالانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عاليه"، كما يقول نائب رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" الحاج محمود قماطي الذي يلعب دوراً مركزياً في "ماكينة" الحزب.
ويضيف توضيحاً لهذه النقطة، انه يعتبر القول بوجود اعلان لـ "حزب الله" بـ"تكليف شرعي" بمثابة "ضرب على وتر" يصوّر الحزب ذاهباً الى ما يشبه "المقدّس"،في حين ان "90 في المئة من جمهور الحزب تلتزم بالموقف السياسي بفعل ولاء للحزب ووفاء له، اما نسبة الـ10 في المئة المتبقية وهي تمثل الشريحة التنظيمية فتعتبر ان كل ما يطلبه الحزب منها هو بواقع التكليف وتلتزم به".
من هذه المقدمة "المعبّرة" التي يشدّد قماطي عليها، ينتقل الى تأكيد ان "ما نحن في صدده هو عمل سياسي بحت"، وفي هذا الإطار "أعلن الحزب موقفه بناء على ثوابته الوطنية ووجد ان هذه الثوابت تنسجم مع ما يطرحه المرشح هنري حلو فبادر الى تأييد انتخابه".
الاستحقاق من البرود إلى الحركة
ويروي المسؤول الحزبي ان "الحزب واجه واقعاً شيعياً شعبياً بارداً لا حماسة فيه"، ولا يتردّد في القول ان "من ضمن هذا الواقع الشعبي البارد كانت أجواؤنا كحزب باردة ايضاً الى أن بدأ تحرّك الماكينة".
ويلفت الى ان "الحزب اعتمد أسلوباً بعيداً عن الضوضاء والصخب كالمهرجانات على سبيل المثال"، مشيراً الى ان الآلية التي قررها "حزب الله" اعتمدت "مبدأ التواصل المباشر مع العائلات من قبل شخصيات حزبية التقت مفاتيح وفاعلين بهدف إخراج الناخبين من حال اللامبالاة الى دائرة الاهتمام". ويوضح قماطي ان "من التقيناهم كانوا يسألوننا عن مصلحتنا في المشاركة من ناحية وفي دعم حلو من ناحية ثانية"، فكان الجواب "هو انه يهمّنا وصول خط الاعتدال الذي نلتقي معه سياسياً، وفي هذه الحال فإن الحيادية تعني وصول المرشّح الآخر"... والنتيجة "نجحنا الى حدّ معين في إقناع الناس بالخروج من حال اللامبالاة نحو المشاركة لصالح هنري حلو".
بيد ان ما طرحه المسؤول في "حزب الله" عن "ماكينة الضاحية" حتى الآن، لا يجيب عن سؤال يتعلّق بغياب "التوتر" السياسي عند الحزب وقواعده أي "الحماوة" بمعنى آخر، حيث لم ترفع وتيرة تطوّرات الأيام الأخيرة من درجة حماس الحزب نفسه للمعركة، على غرار ما حصل مع الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيسه وليد جنبلاط مثلاً.
في المرونة حيال ديب: الضاحية ليست جزيرة سياسية
في هذا المجال، يؤكد قماطي المنحى العام للسؤال، لكنه يجيب "تصرّفنا حيال المعركة الانتخابية بوصفنا معنيين بها ولم نعتبر في أي لحظة اننا نقطة وسطية وحرصنا على أن يكون موقفنا وأداؤنا واضحين لمصلحة هنري حلو". لكن للمسألة جانباً آخر. وهنا يقول ان الحزب "حرص على أن يكون خطابه السياسي بعيداً عن التشنّج والحدّة وأن تبقى ساحة الانتخابات مفتوحة"، ويضيف انه كان ثمة حرص ايضاً على "الانفتاح والمرونة مع الطرف الذي نختلف معه". وفي هذا السياق بالتحديد، يشير قماطي الى أمرين بالغي الدلالة. الأول انه "بتواصلنا مع مسيحيي الضاحية، وفي حارة حريك خاصة، كان أهل المنطقة يتمنّون لو ان الحزب يدعم المرشح العوني حكمت ديب، وقد ذكرونا بأنه كانت لنا تقاطعات نقابية في أمور تهم منطقة الضاحية بيننا وبين التيار العوني"، وهذا إذ يندرج في إطار "الانفتاح والمرونة"، فانه يوضح انعدام الحدة ايضاً. اما الأمر الثاني فهو "ان اتصالاً جرى بنا من قبل التيار وأنصار حكمت ديب لعدم إعاقة مهرجان لهم في الحارة وقد رحبّنا وقلنا إن لا جزر سياسية او أمنية مغلقة بالنسبة الينا... لكن المهرجان لم يُعقد بعد ذلك".
من الواضح هنا أن ما يرمي قماطي اليه هو التشديد على الطبيعة "المركّبة" لموقف الحزب بحيث يجمع بين تنفيذ قرار دعم حلو بوضوح وبين الانفتاح والمرونة حيال ديب وبيئته السياسية، وكل ذلك في إطار قراءة الحزب لـ"مصلحته السياسية"، التي تقتضي في سياق "الخطّ" دعم الأقرب سياسياً وفي الوقت نفسه عدم التصرّف كرأس حربة صدامية.
وإذا كان لافتاً قول المسؤول في "حزب الله" ان "الحزب اختار أن تعبّر عن موقفه في إطار التواصل المباشر مع أهل الضاحية الشخصيات التي تتولى المهمة مباشرة وليس الشخصيات الأولى كالأمين العام او نائبه او رئيس المجلس السياسي او رئيس كتلة الوفاء للمقاومة"، يلفت ايضاً قوله انه "في موازاة الوضوح في تأييد حلو والمرونة حيال الآخر، رأينا أن نعتبر الانتخابات معركة ديموقراطية وليست مناسبة لتصفية حسابات".
"لم نساهم في تأجيج الحملة العونية"
ومع ان قماطي يسجّل ان "نزول نديم بشير الجميل الى ساحة المعركة أكد للرأي العام الشيعي الشعبي ان التيار الداعم للمرشح العوني هو تيار التشدّد وليس تيار الاعتدال، ممّا أدى الى المساعدة في استنهاض استعداد الناس للمشاركة"، فإنه في المقابل لا يبدو "مستنفزاً" بقوة حيال هذا "النزول".
ولدى تعيينه للعوامل التي تساهم في تقديره في رفع حماوة معركة المرشح العوني، يلاحظ المسؤول في "حزب الله" ان ثمة عوامل سياسية عدة مساعدة في هذا الاتجاه. ففي اعتقاده ان الحلف المؤيد لديب "لعب على وتر المعارضة والسلطة فركّز على معارضة السلطة بينما عمد الى تحييد موضوع الوجود السوري والى تحييد المقاومة والى تحييد القاعدة الدرزية". وبينما "كان قصد ديب من ذلك تهدئة الحركة المضادة له، احتفظ بوتيرة استنفار الجو المسيحي تحت عنواني "السيادة والحرية"، والى ذلك يُضاف ـ بحسب قماطي ـ ان "تحالف العماد عون ونديم الجميل استطاع أن يستنهض الشريحة المسيحية التي كانت مقاطعة للانتخابات النيابية في دوراتها الثلاث السابقة". وفي تقديره ان "المشاركة المسيحية الخارجة من المقاطعة لا تُقاس فقط بالبطاقات الانتخابية التي أصدرتها وزارة الداخلية في الآونة الأخيرة أي نحو 6000 بطاقة، ذلك ان هذه الشريحة حصّلت في الانتخابات البلدية قبل مدة بطاقات انتخابية". وفي اشارة ذات دلالة ينفي قماطي "أن نكون في أي من مواقفنا ساهمنا في تأجيج التشنّج او في اشعال الاستنفار المقابل بالمستوى الأقصى"، ويؤكد "اننا حرصنا على أن تكون الصورة هادئة من دون حساسيات وتوترات".. ولعلّه في ذلك يفسّر "المرونة والانفتاح" على انهما بهدف "عدم اثارة الحماس والعصبية لدى الفريق الآخر".
باختصار وفي ضوء كلام نائب رئيس المجلس السياسي، يمكن القول ان موقف "حزب الله" لا يكتسب أهميته من كونه قوة ناخبة في دائرة بعبدا ـ عاليه فحسب، بل من زاوية الصيغة المركّبة للموقف التي تغلّب بلا شك البُعد "السياسي" للاستحقاق على بُعده "الانتخابي" المباشر، ممّا يحاول الحزب معه أن يبقى في آن، في دائرة دعم حلو وعدم "الإقفال" في وجه التحالف الآخر، وهذا ما قد لا يُثمر بالضرورة أصواتاً "تغزو" أقلام الاقتراع، لكنه يضع الحزب في صميم المعادلة السياسية المحلية في المرحلة المقبلة من زوايا عدّة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.