8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فريق السلطة يدير "لعبة" إصابة كلّ المواقع السياسية

في جلسة نقاش ضمّت ناخبين من دائرة بعبدا ـ عاليه وبحضور نائبين عنها، طرحت العيّنة الآتية من الأسئلة عشية الاستحقاق الانتخابي الفرعي: لماذا حدّد وزير الداخلية موعد العملية الانتخابية يوم الأحد في 14 أيلول الذي يصادف ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميل، ولم يحدّده في 7 أيلول أو في 21 منه مثلاً فيبقى الوزير، أي السلطة، ضمن المهلة القانونية ـ الدستورية لملء المقعد النيابي الشاغر بالوفاة؟، هل حصل ذلك مصادفة بسبب من نسيان رمزية هذا الموعد أو الجهل به، أم أنه حصل عن "سبق إصرار وترصّد"؟. ثم ما معنى توقيت السلطة عملية "مداهمة" النائب السابق رشيد الخازن بالطريقة "المؤلّلة" التي تمت فيها في وقت كان فيه الإعلاميون في قصر العدل يتناهى إلى مسامعهم ان الخازن لن يُجلب إلى التحقيق في اليوم نفسه ولا في اليوم التالي.. وهذا ما حصل بالفعل؟. وما هو "السرّ العظيم" وراء تمنّع "المرشح العظيم" هنري حلو عن خوض معركة انتخابية حقيقية كانت تقتضي منه على سبيل المثال التعاون أكثر مع طرفين نافذين انتخابياً أو هما نافذين سياسياً فحسب على الصعيد المسيحي كالرئيس أمين الجميّل والسيدة ستريدا جعجع؟.. وغيرها من الأسئلة التي يقتضي الالتزام الأدبي حيال المناقشين في الجلسة عدم الكشف عنها.
وكانت العيّنة من الأجوبة على النحو الآتي: بالنسبة إلى السؤال الأول عن تحديد موعد الانتخاب في 14 أيلول، جاء الجواب ان من مفاعيل هذا الموعد تجييش "حالة بشيرية" واستنفار "عصبية" معينة تعرف السلطة سلفاً انها موجودة في هذه المنطقة وهي التي اختبرت كوع الكحّالة من زمن غير بعيد حيث كان هذا "الكوع" واحداً من نُذر 7 آب العام 2001. وبالنسبة إلى السؤال الثاني بشأن توقيت دهم رشيد الخازن الذي أعاد التعليق على الكهرباء كما قيل بعيد إزالة مخالفات كان ارتكبها سابقاً، جاء الجواب ان من مفاعيل هذا الأمر تجييش عصبية طائفية في منطقة مسيحية راح أهلوها، بغض النظر عن مستوى إيمانهم برشيد، يتساءلون بعد ان قرعوا أجراس الكنائس استنكاراً لـ"الاعتداء" على عائلة حرّاس بكركي، عن السبب الذي يجعل "الدولة" تسعى إلى تخليص حقوقها اليوم وليس غداً وفي منطقة محددة، حتى ولو ان تهمة رشيد الخازن الإضافية هي انه تفوّه بعبارات تحقيرية ضد محظورات دستورية.
أما بالنسبة إلى السؤال الثالث حول "سرّ" عدم انفتاح "شهية" هنري حلو باتجاه أمين الجميل وجعجع، كي لا يردّ على "سرّ" تباخله المادي في حملة انتخابية "طبيعية" بأنه لا يشتري أصواتاً، فإن الجواب جاء ان من مفاعيل التصاقه بـ"كتائب كريم بقرادوني" تنفير البيئة المسيحية التي لا ترى في هذا الطرف النزاهة مع النفس ومع الآخرين، وأن ثمة من خلق لديه انطباعاً بأن الحاجة إلى حملة انتخابية مع طرفين أحدهما (الجميل) بادر إلى تأييده بصراحة، والثاني فتح له باباً واسعاً ولم يربح لهما جميلاً، ليست حاجة ماسة طالما ان نجاحه في الانتخابات شبه مضمون رقمياً ولو بنسبة أعلى في البيئات غير المسيحية.
وقائع مادية ظاهرة
ما تقدّم ذكره إذاً نقاش دار بين شريحة من أبناء دائرة الاستحقاق الانتخابي الفرعي المقبل. وبصرف النظر عما تعكسه الأسئلة أو الأجوبة من هواجس أو مخاوف ولو على افتراض انها غير مبرّرة فكيف إذا كانت مبرّرة.. فإن الأسئلة والأجوبة الواردة ضمن العيّنة السابقة تنطلق من وقائع مادية ظاهرة وليس فيها جور على معطيات ملموسة. كيف وبأي معنى؟.
إن تحديد موعد الانتخابات في 14 أيلول واقعة مادية وليست اختلاقاً.. والمفعول التجييشي أو الاستنفاري لهذا الموعد واقعة أيضاً بدليل ان من أصابهم في عاطفتهم هذا الموعد تشاوروا وقدّموا موعد الاحتفال بذكرى الراحل بشير الجميل إلى يوم السبت الذي يسبق يوم الاقتراع (غداً)، وسيستخدمون (ومن حقهم ذلك) المنبر للتجييش الانتخابي. ودهم رشيد الخازن قبل التراجع عن جلبه أو إحضاره وليس مهماً المصطلح القضائي، واقعة مادية أيضاً.. ومفعوله التجييشي واقعة حصلت. كذلك فإن "انصراف" هنري حلو عن حلفاء مفترضين، واقعة ومفعوله الاستنكافي عن حلو مسيحياً بنسبة كبيرة واقعة تنتظر يوم الاقتراع بطبيعة الحال لتصبح محسومة.
النقاش في الجلسة المشار إليها ينطلق من وقائع بهذا المعنى، والسؤال مشروع عما يربط بين هذه الوقائع، وعن العلاقة بين موعد الانتخابات ودهم الخازن وأداء حلو بالانتخابات نفسها. وفي معرض الجواب عن هذا السؤال، يقتضي القول بداية ان مجموعة مصادفات لم تصنع مرة حدثاً، وأن التجربة اللبنانية التاريخية الغنية حتى بآلامها تعطي البرهان على ان مجموعة أمور قد تبدو في الظاهر متفرقة لا يربطها رابط، هي من فعل فاعل، سلطة أو أجهزة سلطة، وبهدف سياسي ربما لا يكون مرئياً مباشرة أو بـ"العين المجرّدة".
ما الرابط ومن المستفيد؟
لذلك، ومع ان التجربة مع السلطة ومع فريق نافذ فيها حافلة بكمّ من الممارسات الخاطئة التي أقدمت عليها، فإن القدرة على البرهنة على ان الوقائع الآنفة هي أخطاء لا ينتظمها سياق سياسي لن تكون ممكنة قبل جلاء أبعاد "الصورة" كافة، علماً ان "استبعاد" وجود أخطاء لا يعني ان فريق السلطة أو فريق الحكم فيها لن يكون مخطئاً في حساباته منظوراً إليها من زاوية لبنانية عامة. من هنا، فمن الطبيعي أن يبدأ الجواب عن الأسئلة المثارة في الجلسة نفسها من سؤال يطرحه أي تحليل سياسي عادة: من المستفيد من كل هذا المناخ التجييشي المصاحب لانتخابات بعبدا ـ عاليه؟
من نافل القول ان المستفيد بالمعنى الانتخابي المباشر هو مرشح "التيار الوطني الحر" ومعه حلفاؤه السياسيون، لأن هذا المناخ مناسب لاستنهاض الهمّة الاقتراعية، الأمر الذي لا يتحقق بشكل كبير إلا على إيقاع حام، وبهذا المعنى سيكون مرشح "التيار" مستفيداً سواء فاز بالمقعد النيابي أو اقترب من الفوز به بنسبة عالية من الأصوات، خصوصاً إذا اكتسح منافسَه بالأصوات المسيحية.
البطريرك ـ جنبلاط ـ "حزب الله"
هل يمكن القول بناء على ذلك ان فريق الحكم مهتم بأن يستفيد مرشح "التيار" المعارض لتحقيق أهداف تياره أو ان مرشح "التيار" بات مرشح السلطة وفريقها النافذ؟ الجواب هو لا بالطبع. لكن في المقابل، من المفيد ملاحظة "المشهد السياسي" والموضوع هنا بالضبط وليس موضوع انتخابات يفوز فيها من يفوز. وفي "المشهد السياسي" المباشر ان فريق السلطة الذي لا يُعرف له سجل ديموقراطي حافل يتصرف بـ"راحة" كبيرة حيال صعود نجم الوافد الجديد إلى الساحة الانتخابية المباشرة ليس من زاوية ان النظام السياسي اكتسب عاملاً عضوياً فيه كما قد يحلو لأركان من فريق الحكم ان يقول بل من زاوية اعتبار هذا الفريق ان "التيار" خصم سياسي سهل واعتباره انه يمكن استخدامه "فزّاغة". وفي "المشهد السياسي" المباشر ايضاً ان الفريق السياسي المعتدل المعارض والمقرب من البطريرك الماروني "مصاب" من المناخ التجييشي والبطريرك نفسه "مصاب". وفي "المشهد" ايضاً وأيضاً ان الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط الذي ابتدأ تعامله مع الاستحقاق الانتخابي بهدوء واعتدال، "أجبر" في مناخ التجييش على "الاستنفار" لأنه "حُشر" وكثير من جسور العلاقة بينه وبين المسيحيين يتعرّض لاختبار قاس. وفي "المشهد" ايضاً وأيضاً وأيضاً ان مناخ التجييش وضع "حزب الله" كقوة ناخبة في الزاوية يواجه تطرّفاً في الإطار "الشعبي" المسيحي.
ويمكن لـ"السبحة" ان تكرّ. بيد ان السؤال المركزي يبقى الآتي: مَن غير فريق السلطة ذو مصلحة في هذا "المشهد" المفكك.. بين البطريرك والاعتدال المسيحي (والمعني به الاعتدال ذو العصب المسيحي).. وبين وليد جنبلاط و"حزب الله" الموضوعان فوق ملعب تدور على ارضه لعبة خطيرة؟ ولماذا لفريق السلطة تلك المصلحة لولا ان له حسابات ذاتية بحتة؟.
* * *
وتبقى ملاحظات أربع هي الآتية: ان هذا التحليل النقاشي لا يستخدم معلومات متوافرة عن "تدخلات جهازية" اولاً، وان هذا التحليل لا يناقش أخطاء كثيرة ارتكبت من الفرقاء الذين لا يندرجون في خانة السلطة ثانياً، وهو لا ينسب إلى فريق الحكم قوّة تصويتية تجييرية ثالثاً، وهو يؤسس لنقاش مرحلة ما بعد انتهاء الانتخابات الفرعية رابعاً وأخيراً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00