"كان السفير الأميركي فنسنت باتل في زيارتي بعد أيام قليلة من قولي للولايات المتحدة: سوريّاً دُر في ما يتعلّق بالعراق، وسألني ماذا تعني بالتحديد في قولك هذا".
من هذا المدخل، يشرع الرئيس نبيه برّي في تفسير مقولة "سوريّاً دُر"، فيقول بثقة كاملة أن لا خيار أمام أميركا في العراق إلاّ الاستعانة بسوريّا، ولذلك أسباب تتلخّص في أن سوريا تملك مفاتيح كلّ العلاقات بالوضع العراقي. فإذا كان الأمر يتعلّق بالحديث مع البعث في العراق أو ما تبقى منه لـ"تعقيله"، فليس أقدر من سوريّا على ذلك، وإن هو تعلق بالشيعة فسوريا محاور مفضل "وقد حملني الراحل السيد محمد باقر الحكيم قبل استشهاده رسالة ودّ الى دمشق"، وإذا تعلّق الأمر بالأكراد فسوريا هي الأقدر على محاورتهم، وإذا اقتضت الحال كلاماً مع إيران فسوريا تملك أمتن العلاقات بها التي تمكّن من تفاهم عميق... وإذا كان الوضع يتطلّب كلاماً مع العرب فلسوريا موقع يتيح لها مخاطبة الوضع العربي بمصالحه واعتباراته.. والدليل ما حصل في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب أول من أمس: وافقت سوريّا على حضور وزير خارجية مجلس الحكم الانتقالي الاجتماع وجلوسه على مقعد "جمهورية العراق"... فحضَر وجلَس.
من وجهة نظر الرئيس برّي إذاً أن ثمة حاجة أميركية الى سوريّا في المسألة العراقية التي تشكّل "معالجتها" أحد الممرات الرئيسية الى الاستقرار الإقليمي، ولأنها كذلك فهي مدخل رئيسي أيضاً إلى مزيد من تبلور العلاقة السورية ـ الأميركية.
هزيمة أميركية؟
وما يقوله رئيس المجلس في هذا الإطار ليس بعيداً عن تحليل شخصية سياسية لبنانية مرموقة كانت في مرحلة حسّاسة من تاريخ لبنان الحديث مشرفة على سياسته الخارجية.
تقول هذه الشخصية بداية أن ما يحصل في العراق الآن على الرغم من الأذى الذي يلحقه بأميركا، لا يمكن وصفه حتى الآن بـ"الفشل" الذي لا خروج منه ولا فكاك، والأصحّ القول أن أميركا تواجه تعقيدات وإشكالات كبرى في هذا البلد من المستحسن انتظار ما سوف تلجأ الإدارة الأميركية إليه لـ"الإفلات" منها.
وتضيف الشخصية أنه يتعذّر الحديث في ظلّ المعطيات القائمة الآن في العراق وحوله عن "مشروع هزيمة" للولايات المتحدة لأن السؤال الذي يُطرح في هذه الحال هو: من يمكنه أن يهزم أميركا في الوضع العربي الراهن ومن يتقدّم لهذه المهمة أصلاً ومن المرشّح في مستقبل قريب لذلك؟ وفي الوقت نفسه، تلفت الشخصية الى عاملين رئيسيين آخرين لا يسمحان في اعتقادها بالحديث عن "مشروع هزيمة" أميركية في العراق.
العامل الأول يمكن وصفه بالإيديولوجي، وهو أن الإدارة الأميركية الحالية تعتقد أنها تحارب في مواقع عدة من أفغانستان الى العراق كي لا تتم أسلمة أميركا نفسها، وعليه فإن أي هزيمة لها في العراق مثلاً تقرّب "الخطر" من داخلها نفسه. ومن هنا فإن ثمة "حافزاً" لدى إدارة الرئيس جورج بوش لـ"مقاومة" فكرة الهزيمة والتحرّك لمنع حصولها.
والعامل الثاني من وجهة نظر الشخصية "المعتّقة"، هو أنه غير مقبول أو مسموح أوروبياً أن تفشل أميركا في العراق أو أن تهزم، وليس في استطاعة أوروبا أصلاً تحمّل هزيمة أميركية ستعني هزيمة غربية شاملة في المواجهة مع "الأصولية" أو "الإرهاب". وتوضح أن الخلاف الأوروبي ـ الأميركي حول الحرب على العراق وبشأن المصالح في المنطقة قد يكون سبباً في نوع من "الكباش" الأوروبي مع واشنطن وتحديداً مع الصقور في الإدارة وقد تسعى أوروبا الى محاولة انتزاع "اعتراف" من الإدارة بأخطاء ارتكبت في حقّها... بيد أن ذلك لا يصل الى حدّ المجازفة بدفع أميركا الى "الحائط". وعلى أي حال، تدعو الشخصية نفسها الى ترقّب القرار الذي سوف يصدره مجلس الأمن بخصوص دور الأمم المتحدة في العراق ودور القوة المتعدّدة الجنسيات وطبيعتها وتركيبتها، لأن هذا القرار سيكون مؤشراً معيّناً الى وجهة التطورات المقبلة.
التوجه إلى الأمم المتحدة
من الواضح مما تقدم أن الشخصية الخبيرة تحاول عبر تحليلها استبعاد وجود مقوّمات هزيمة أميركية في العراق في ضوء ما هو متوفر من معطيات راهنة ومنظورة. بيد أنّ استبعاد وجود مقوّمات هزيمة أميركية لا يعني بالنسبة إليها أن الأمور ستكون سالكة أمام أميركا حتى لو دخلت الأمم المتحدة على الخط "مخفّفة" من "البُعد الاحتلالي" لدور الولايات المتحدة في العراق. ذلك أن الشخصية نفسها لا تُخفي تشكّكها من إمكان نجاح فكرة إعطاء العراقيين في مدى قريب دوراً مباشراً في تكوين تركيبتهم السياسية ديموقراطياً. وتسأل: هل الممارسة الديموقراطية "حقنة" أو دواء يُعطى في "المصل"؟ أم أنها تراكم تجربة ثقافية ـ سياسية مديدة؟ وهل ثمة احتمال أن تقود عملية غير ناضجة ظروفها الى تفكّك وفوضى أم لا؟ وتجيب أن ذلك كلّه ما يدفع الى الاعتقاد أنه بالقدر الذي لا وجود لمقوّمات هزيمة أميركية فلا وجود في المقابل لمقدّمات تقود الى فتح الأفق السياسي أمام معالجة المسألة العراقية... في مدى منظور على الأقل.
سوريا ـ أميركا
وما تخلص إليه الشخصية البارزة يشير بوضوح الى تقديرها أن ثمة وضعاً عراقياً بالغ الاضطراب سيستمر لفترة طويلة. ولذلك، فإنها عندما تنتقل الى الكلام عن العلاقة السورية ـ الأميركية في مثل هذه الظروف، إنما تقرأها (العلاقة) ومن غير أن تقول ذلك مباشرة، بين حدّين: لا أميركا مهزومة في العراق كي تقوى عليها سوريا ولا هي حقّقت إنجازاً في المقابل كي تستغني عن التعاون السوري. وعلى هذه الخلفية تعتبر أن العلاقة السورية ـ الأميركية تشهد تقلّبات وفيها ضغوط من جانب الولايات المتحدة على سوريا.. لكن إمكان التفاهم بين الجانبين مفتوح.
بين تقدير الرئيس برّي أن لا خيار أمام أميركا إلاّ الاستعانة بدمشق، وتقدير الشخصية "العليمة" أن إمكان التفاهم السوري ـ الأميركي مفتوح لكن ضمن الحدّين المطروحين، ثمة خيط رفيع... مع فارق يستنتجه المستمع الى التقديرين هو الآتي: بينما يبدو أن برّي يرى في ما يعتبره حاجة أميركية الى سوريا مؤشراً الى ضمان للبنان من زاوية عدم خضوعه لتجاذب خطير، يبدو أن الشخصية أكثر حذراً ليس من زاوية عدم الإيمان بضرورة وجود ضمان إقليمي ـ دولي للبنان بل من زاوية الحرص على ما تسمّيه إيجاد فرصة لـ"تنقية" العلاقات اللبنانية ـ السورية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.