من حق العماد ميشال عون و"التيار الوطني الحر" أن يشاركا في الانتخابات الفرعية في بعبدا ـ عاليه بمرشح من "التيار".. حتى من دون شرح لحيثيات التغيير في الموقف حيال العمل البرلماني في ظل اتفاق الطائف.
ومن حق مرشح "التيار" المهندس حكمت ديب أن يخوض معركته الانتخابية وأن يسعى الى كسبها ولو اقتضاه الأمر الابتعاد عن مساحات سياسية محظورة او هي تصعّب النجاح الانتخابي في منطقة مختلطة بالتعريف.
ومن حق حكمت ديب أن ينجح في الانتخابات إذا اختارته أكثرية الناخبين عبر عملية نزيهة نظيفة.
لكن ما جرى ذكره حتى الآن ليس هو الموضوع. الموضوع يتعلق بأداء السلطة الذي يشتمّ منه احتفاءً بالمرشح العوني واحتضاناً له حتى "العصر". لماذا؟
في المعلومات أولاً ان بعض الأجهزة يلعب خلف الستارة لعبة ماكرة، ذلك ان من بينها من يشيّع نيته التحرك لحث ناخبي بلدات في المتن الجنوبي على المشاركة في الانتخابات والاقتراع لديب، وانها تجري "الاتصالات" اللازمة لذلك. وفي المعلومات ثانياً ان هذه الأجهزة طلبت من أحد المرشحين المتموّلين "فتّ الفلوس" في مناطق درزية لتخفيف نسبة الاقتراع الدرزي لصالح هنري حلو الذي لا يزال ماضياً في الانتخابات بـ"تباخل" ملحوظ. وفي ما يتجاوز المعلومات عن "اللعبة" التي تتربص شراً بديب نفسه، يلفت ثالثاً ذلك "التهليل" الكبير من قبل فريق السلطة او فريق الحكم بالتحديد، بدخول العونيين المعترك الانتخابي، والاحتفاء بـ"الضيف الجديد" في نادي المعارك الانتخابية كما جاء الوصف على لسان وزير الداخلية الياس المرّ أول من أمس، على ما يبدو لاحتواء "صدمة" الربح إذا حصلت كمقدمة لتثميرها في الوقت المناسب.
في المعلومات المتوافرة وفي المواقف ايضاً، ثمة أداء لافت لفريق الحكم، لا يبدو للوهلة الأولى منسجماً مع المعلن من تناقضات "تاريخية" بين سلطة الطائف و"التيار العوني"، وبين الحكم الحالي في سلطة الطائف بالتحديد وتيار العماد عون.
الخطة!
بيد ان الأمر لا يقف هنا. ففي المعلومات ايضاً ان وراء هذا الأداء "تسريباته" تخطيطاً سياسياً يريد المشتغلون عليه من فريق الحكم أن يؤدي بمعزل عن حكمت ديب الى فوزه بالمقعد الشاغر بأحسن الأحوال او الى حصوله على نسبة عالية من الأصوات وأن يحوز من بينها على تصويت مسيحي كثيف... بأسوأ الأحوال. وفي كلا الحالتين، خروج ديب من المعركة الانتخابية نائباً او خروجه حائزاً على أعلى نسبة تصويت مسيحي، يأمل "المخططون" في أن "يخلقوا" فزّاعة، هي الفزّاعة العونية هذه المرة.
ولا يخفى ـ دائماً بحسب المعلومات ـ ان الغاية من تسريب السعي الى تمكين ديب من النجاح او من ادعاء صفة تمثيلية "كاسحة" للمسيحيين، هي فرض نوع من الثنائية بين الحكم والعونيين بهدف تخيير المسيحيين بين الحكم و"التطرّف".. طبعاً على أمل أن يأتي التخيير لصالح الحكم، وذلك على طريقة "لنُرِ المسيحيين النار فيحبّون قليلاً من الجمر عندئذٍ". كما لا يخفى ان الرغبة في التخيير تسحب نفسها على أماكن وجهات اخرى، فيأتي التخيير مصحوباً بتهويل من خطر التطرّف المنبعث مجدداً والمهدّد للاستقرار السياسي والثوابت السياسية، فيكون من وجهة نظر "المخطّطين" محسوماً بنتيجته لصالح فريق الحكم "الضامن للاستقرار والثوابت الوطنية".
ثنائية موقتة.. للانقضاض
ثمة الكثير ممّا يمكن قوله في هذه الخطة التي وجدت في الاستحقاق الفرعي في دائرة عاليه ـ بعبدا (على أبواب العاصمة!) فرصة للعبور الى استهدافات تندرج في إطار مرحلة السنة المقبلة، غير ان فريق السلطة هذا، الذي لا يقوم بما يقوم به حبّاً بحكمت ديب، يعبّر بواسطة هذه الخطة التي لا تمتلك "مقوّمات تصويتية" رئيسية، عن ضيق ذرع بتيار الاعتدال المسيحي ومن ضمنه معارضون. وبهذا المعنى فإن المستهدف الحقيقي من كل هذه "الطبخة" هو البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير و"امتداداته" التي لا تحدّ بإطار معيّن.
وغني عن القول ان محاولة فريق الحكم فرض الثنائية المشار اليها آنفاً بشكل موقت لا تستبطن "إلغاء" فريق كبير من المسيحيين يرون في البطريرك مرجعيتهم فقط، بل هي تنذر بالانتقال بعد 14 أيلول إذا أتت نتائج الانتخابات ضمن الوجهة المرسومة، الى محاولة الانقضاض على الوضع السياسي المسيحي برمّته تحت عنوان ان لا حماية للمسيحيين "الاّه"، وإذا نجحت "الخطة" قد يكون من نتائجها "تطفيش" أعداد من المسيحيين الى الخارج... ولن يكون العونيون بمنأى هم أنفسهم بعد أن يكون فريق السلطة "قبض سعره"... إذا حصل ذلك.
ومن الطبيعي في ظل هذه المعلومات والمعطيات أن تسلّط الأضواء بقوة على حقيقة انه بعكس ما يُقال أحياناً من قبل أركان في فريق السلطة عن ايجابية العلاقة مع البطريرك، ثمة إشكالية كبرى في هذه العلاقة وثمة حصيلة "صفر" لحركة بعض المقرّبين باتجاه بكركي والديمان. لا بل يمكن القول بدون تردّد ان النهج الاعتدالي الذي يسلكه البطريرك والذي يذكّر دائماً بأنه شكّل الغطاء المسيحي لاتفاق الطائف، ليس مرغوباً من هذا الفريق خلافاً للإنفتاح الذي تؤكد عليه دمشق على البطريرك كما يفيد العائدون منها حديثاً. وسيكتشف اللبنانيون خلال العام المقبل مزيداً من الأسباب لهذه الإشكالية بين البطريرك والسلطة.
على أي حال، لا تشبه "القصّة" الحالية المبنية على محاولة "تسمين" التيار العوني لـ"تحليل" (جعله حلالاً) "ذبحه" والانقضاض على الوضع المسيحي، الا "قصة تسمين" الحالة الأصولية الاسلامية المتطرفة والمبالغة في خطرها في الكثير من الأحيان.. وفي الحالتين يدفع الاعتدال المسيحي والاسلامي الثمن.
جنبلاط
هذه الأمور جميعها، لم تكن غائبة على الأرجح عن ذهن الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط في مؤتمره الصحافي أمس. وقد ذهب جنبلاط في خط مغاير تماماً لما يعتمده فريق السلطة، ووصل في "تسامحه" من منطلق الحرص على علاقة وطيدة بالمسيحيين والبطريرك في مقدمهم، الى حد "الفتح" على الرئيس الأسبق أمين الجميّل، وإلى حدّ طرح "أسباب تخفيفية" لقائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وذلك كي لا يحصل اصطفاف طائفي يقوّض مصالحة الجبل بمناسبة... انتخابات فرعية. قد لا يكون جنبلاط عارفاً بالمعلومات والمعطيات التي سبق ذكرها، لكنه اكد بموقفه ما سبق له ان اتفق عليه مع البطريرك يوم زاره في الديمان مع عضو "لقاء قرنة شهوان" سمير فرنجية قبل نحو أسبوعين، أي استعداده التدريجي للسير في لون من ألوان التفاهم اللبناني ـ اللبناني، وليكون في مقدم الزعامات الاسلامية التي تساهم في حماية الخط الاعتدالي البطريركي.
وتبقى كلمة أخيرة: عفواً حكمت ديب. لم يكن ما ورد ذكره، آنفاً في معرض ذمّ معركتك الانتخابية أو اتّهامك بالتواطؤ مع السلطة، بل كان في اطار إلقاء الضوء على خطة "همايونية"... ربما ـ يجب أن تنجح في هذه المعركة او ان تجمع رقماً عالمياً لأن ثمة "مؤمنين" بك وبخطّك ولا حاجة لتجديد ملاحظة "جماهيرية" التيار الذي تنتسب إليه، لكن السلطة كما لا يخفى تريد "تكفير" الناس بالسياسة وتحاول أن "تلعب" من حولك...








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.