أيوب في اعتبار المسلمين نبيّ ورد ذكره في القرآن الكريم مرات عدة في سوَر النساء والأنعام والأنبياء. وقد ابتلي أيوب عليه السلام في أهله وجسمه وماله فصبر على بلائه صبراً جميلاً حتى غدا مضرب مثل بقدرته على تحمّل الأذى، وصار يُقال عن متحمّل المصائب إنه يصبر صبر أيوب. وقد اثنى الله سبحانه وتعالى عليه بقوله "إنّا وجدناه صابراً نعم العبدُ انه أوّاب" (صدق الله العظيم).
النبي أيوب معروف إذاً بجلده وقوة احتماله، ولم يكن معروفاً بأنه "أخرس" لأنه كان على اتصال دائم بربه يناجيه ويناديه، وكان يشدّ عزائم المحيطين به ويحثهم على تحمّل الشدائد لأن بعد الشدة فرج، وقد أبرأه الله من المرض بعد فترة من الزمن.
وعندما تشبّه الرئيس رفيق الحريري بأيوب، فهو كان بلا شك يعلن صبره على البلاء الذي أصاب البلاد من جهالة بعضهم ممن يبدون مستعدين لقلب الهيكل على رؤوس الجميع نكاية بالحريري وتسويقاً لبقائهم ولو على خراب. لكنه عندما تشبّه به، كان الحريري يعرف أن أيوب لم يكن "أخرساً"، وأن الفرج آتٍ، وإذا كان أيوب استغرقه الإبلال من مرضه ثماني سنوات، فإن الأمر في لبنان لن يستغرق هذا الوقت. ولذلك كان يكفي الرئيس الحريري أن يقول إنه مثل النبي أيوب وحسب، ذلك إن إضافة "لكنني لست أخرساً"، من لزوم من لا يلزم.
الحيلة الجديدة
المهم.. أن الرئيس الحريري خرج مساء الجمعة الفائت عن صمته ولم يبارح صبره. كيف يتجلى ذلك؟
انتبه رئيس مجلس الوزراء الى أن ثمة حيلة جديدة لجأ اليها خصومه، بعد أن فشلت حيلة سابقة قضت بإحراجه لإخراجه، أو استدراجه الى مواقف متشنجة تتخذ ذريعة للشكوى عليه ونعي إمكان التعايش معه وإحياء فكرة التغيير الحكومي.. أو استدراجه الى مشكلة مما يضعه من وجهة نظر الخصوم وجهاً لوجه أمام سوريا وحساباتها واعتباراتها في اللحظة الاقليمية الراهنة. ولما باءت هذه الحيلة بالفشل، بالضبط لأن الحريري سلك كأيوب، عمد الخصوم الى صيغة جديدة تقضي باستباق كل جلسة لمجلس الوزراء بحملة شعواء تصوّر جدول الأعمال بطريقة معينة، وتسوّق للنتائج المتوقعة بطريقة "تبشّر" بانكسار الحريري ومواقفه من البنود المطروحة، وعندما يضطر الخصوم للسير في جلسة هادئة امتثالاً للمعادلة التي ترعاها دمشق ويُسقط في يدهم، يستأنفون الحملة بعد مجلس الوزراء ليقدّموا النتائج بوصفها محصّلة تنازلات أقدم عليها الحريري، وبوصفها في المقابل انتصارات لخصومه، وذلك لأغراض واضحة منها الإيحاء بتوازن قوى ساحق ماحق ضد رئيس الحكومة أولاً، ومنها إسقاط شرعية استمراره في رئاسة الحكومة طالما انه لا يستطيع شيئاً في مجلس الوزراء ثانياً، ومنها ثالثاً وأخيراً إحراجه أمام قواعده الشعبية.
هذا بالضبط ما حصل الأسبوع الماضي قبل جلسة مجلس الوزراء وبعدها. لكن الحريري كان بالمرصاد، فضبط "مفكّر" الحكم ومنظّره (الى حين؟) والدافع به الى "طحشات" غير محسوبة، أي الوزير كريم بقرادوني متلبّساً على إحدى الشاشات في معرض تزوير ما انتهى إليه مجلس الوزراء لجهة مجلس الإنماء والإعمار، وتقديم النتيجة على أنها أتت رغماً عن الحريري.
التزوير.. وقواعد اللعبة
قرّر أيّوب الاتكال على الله والردّ على حملة التزوير. فهو يستطيع أن يتحمّل الحملات التي تصوّر كل أسبوع، البلد ذاهباً الى انفجار ليل الأربعاء ـ الخميس، لكنه لا يستطيع السكوت عن "الكفر" و"التشبيح" من "الكفر"، لأن عدم الردّ سيعني تأكيداً لـ"الكذبة" وسيكرّس لدى الناس الانطباع بأنّ رفيق الحريري لم يعد رئيساً للحكومة.
قرّر أيّوب الردّ إذاً، وسار باتجاه تغيير "قواعد اللعبة". نعم، ثمة "هدنة" مرتكزة الى معادلة ترعاها دمشق. ونعم ثمة أفق مسدود ـ الآن ـ لتغيير حكومي. ونعم ثمة توازن "مفروض" على رئيس الحكومة. لكن ذلك لا يعني القبول بـ"خروق" تستهدف مصداقية رئيس مجلس الوزراء وتحاول أن تصيب رصيده السياسي ـ الشعبي، ولو أن هذه "الخروق" هي في الأصل "خروق" للدستور. وجاء ردّ الحريري ليس فقط ليضع النقاط على الحروف، ويوضح "حقيقة" ما تمّ إقراره، بل جاء بمثابة تحذير بأن ما يحصل لا يمكن تمريره.. وبأنّ المطلوب الكفّ عنه تماماً.
إذاً، تحت سقف ما يسمى "الهدنة" وفي إطار المعادلة التي ترعاها دمشق، أظهر الحريري قدرته على استخدام هامش من العمل السياسي الذي لا يترك الساحة خالية في اتجاه واحد.
.. سوريا في البال
لكن أيّوب لم يفقد صبره.
قبل مدة، قيل إن الرئيس الحريري "أخطأ" لأنه فتح ـ بحسب من يتّهمه بالخطأ ـ المعركة ضد التمديد أو التجديد باكراً، وأن الوجه الخطير لهذا "الخطأ" يكمن في أن فتح المعركة ضد التمديد أو التجديد مبكّراً، يشكّل إحراجاً لسوريّا واستعجالاً لها كي تحسم موقفها في هذا المجال قبل الأوان.
وبصرف النظر عن "صحّة" هذا "الخطأ" أو عدمها، فمن الواضح أن "الخطأ" لا يمكن أن يقوّم على خطّ واحد أو أن يستمر على خط واحد، أي أن تكون معركة الاستحقاق المقبل مفتوحة بصورة غير مباشرة حيناً وعلى نحو مباشر أحياناً، وأن يكون مطلوباً من الحريري الرضوخ فيما هو مستهدف مباشرة بالحملات.
ومع ذلك، فإن الحريري لم يقرّر الانتقال من ردع التزوير ومواجهة حملات تصوير الوقائع على غير حقيقتها، الى المواجهة. وهو يعتبر أن الرد يتعلق بالجانب التزويري من الحملات، ولا يعطي بالاً للجوانب الأخرى... تماماً لأنه محتفظ بـ"صبر أيوب".
وقراره تغيير "قواعد اللعبة" من زاوية وضع حدّ لعملية "قلب الحقائق"، يبقى ما دون الانتقال الى المعركة، لأنه حريص على عدم المساس بالمعادلة المرعية سورياً، وحريص على العلاقة بسوريا وعدم إزعاجها في ظل الوضع الاقليمي القائم حيث ثمة مرحلة مفصلية سيعكس القرار الذي سوف يتخذه مجلس الأمن الدولي بالنسبة الى المسألة العراقية طبيعة المنعطف الذي تدخله المنطقة لجهة علاقة أميركا بالمنظمة الدولية، ولجهة علاقة المنظمة الدولية بالعراق والمنطقة، ولجهة المسار الاقليمي العام تالياً. وأيوب الذي يخرج عن صمته ولا يغادر صبره، يعي تمام الوعي أنه متفوّق على الخصوم بالصبر، حيث لا يختلف اثنان على أن الحملات التي يقوم بها الخصوم تنمّ عن فقدان الصبر.. وها قد انقضى أسبوع من أيلول الذي حددوه موعداً لصولاتهم. وأيوب يعرف أن المعادلة لا تقفل أبواب الرحمة عليه... هو نبيّ يعبد الله.. اليس كذلك؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.