كلّما اقتربت الولايات المتحدة من سنتها الانتخابية، دخل الغرق في الوحول العراقية في حساب الانتخابات. هذا ما تؤكده مصادر ديبلوماسية عربية في واشنطن، تتحدث عن ثلاثة سيناريوات أميركية متداولة للخروج من الوحول العراقية قبل المرحلة الحاسمة من الانتخابات.
السيناريو الأول الذي تشير اليه المصادر الديبلوماسية العربية، هو "إنهاء المقاومة" في العراق. وانطلاقاً من فرضية سائدة في بعض الدوائر الأميركية بأن هذه "المقاومة" من صنع بقايا النظام العراقي السابق، يشتمل السيناريو الأول على بند رئيسي هو "التعاون" مع بقايا استخبارات صدام حسين ومع كوادر بعثية محددة.
أما السيناريو الثاني، فهو مجيء قوات متعددة الجنسيات الى العراق، يريد "صقور" الإدارة أن تكون تحت إمرة قيادة أميركية. ويبقى السيناريو الثالث وهو الخروج من العراق خلال السنة المقبلة وقبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهو ما صدرت في صدده إشارات أميركية في الآونة الأخيرة سواء ما يتعلق بإنجاز دستور عراقي جديد خلال ثلاثة أشهر أو ما يتعلق بإجراء انتخابات عراقية عامة في غضون السنة المقبلة، وتسليم العراقيين مقاليد الحكم.
غير أن المصادر الديبلوماسية العربية لا تتردد في القول إن السيناريو الأول أي "إنهاء المقاومة" ليس ميسّراً لا سيما أن هذه "المقاومة" لا تقتصر على بقايا صدام بل تتسع لتشمل جماعات تشكّل مع تنظيم "القاعدة" أواني مستطرقة، وجدت في العراق بعد الحرب ساحة مفتوحة. كذلك لا تتردد المصادر نفسها في اعتبار أن السيناريو الثاني أي مجيء قوة متعددة الجنسيات يصطدم برفض الدول المدعوة الى المشاركة فيها قيادة أميركا لها، لا بل إن معظم الدول المعنية يعتبر أنه كلما "خربت" الأوضاع في وجه أميركا كان ذلك أفضل لإسقاط شرط القيادة الأميركية للقوات المتعددة. وقد رفضت كل من فرنسا وألمانيا وروسيا وباكستان والهند هذا الشرط، بينما وافقت تركيا على الاشتراك بقوة من 10 آلاف لكن تحت إمرتها الذاتية. أما بالنسبة الى السيناريو الثالث أي الخروج، فليس ثمة ما يضمن إذا لم يحصل نجاح في "إنهاء المقاومة" وإذا لم تدخل قوة متعددة، أن تكون الترتيبات السياسية التي جرى الشروع فيها، كافية لمنع انفجار صراعات عراقية أهلية.
مثلث العراق ـ أفغانستان ـ الاقتصاد
بحسب مجريات الأمور في العراق إذاً، تعرب المصادر نفسها عن اعتقادها أن ثمة "مغطساً" أميركياً كبيراً في العراق، ليس سهلاً على الرئيس الأميركي جورج بوش الخروج منه... وقبل الانتخابات الرئاسية. والى ذلك تضيف أن مشكلة أخرى لا تقل خطورة تواجه أميركا في أفغانستان، لا سيما بعد عودة الهجمات المركزة التي تنفذها "الطالبان" والتي تحقق إصابات كثيرة في صفوف القوات الأميركية.
الى الوحول العراقية أولاً، والمأزق الأفغاني ثانياً، تضيف المصادر الديبلوماسية العربية عنواناً ثالثاً يتعلق بالاقتصاد الأميركي حيث لم تنجح الإدارة في إنعاشه وقد أسهم ذهاب أميركا الى الحرب في مضاعفة مشكلاته، وقد أضحى العجز في الموازنة أكبر ممّا كان عليه في سنوات سابقة، وهو مرشح للاستمرار سنوات أخرى.
على هذه المقدمات جميعاً، ترى المصادر أن مصير إدارة بوش سيتقرر على مثلث العراق ـ أفغانستان ـ الاقتصاد، وتعتبر أن مصير "خارطة الطريق" ليس أساسياً في حسابات بوش وإدارته خلال هذه السنة الانتخابية، خصوصاً أن بوش وجماعته لم يتخيّلا يوماً أن "الخارطة" ستطبق لأن تطبيقها يحتاج الى ضغط على إسرائيل، وهذا ليس وارداً خصوصاً في سنة انتخابية.
قراءة غربية: سوريا تتعاون مع واشنطن
في ظل هذا "الصورة" التي ترسمها المصادر الديبلوماسية العربية في واشنطن، يُطرح سؤال كبير هو الآتي: ما مصير الضغوط الأميركية على سوريا (وإيران) في وقت من الواضح أن الولايات المتحدة غارقة على ثلاث جبهات عراقياً وأفغانياً واقتصادياً؟
عن هذا السؤال ثمة إجابتان، الأولى من أوساط ديبلوماسية غربية في دمشق، والثانية من أوساط ديبلوماسية عربية في العاصمة السورية.
في الإجابة الأولى، الغربية، أن الهمّ الأميركي حيال سوريا وإيران يتركز على ألا يفتح البلدان حدودهما أمام أعداد من المقاتلين للتوجه الى العراق، علماً أن ثمة أعداداً من المقاتلين يواجهون القوات الأميركية على الرغم من إقفال سوريا لحدودها خصوصاً في هذا المجال، كما يتركز الهمّ الأميركي على مواصلة "منع" سوريا وإيران من الدخول على خط الوضع في العراق سياسياً.
وتقول الإجابة الغربية أيضاً إنه من حيث المبدأ يشكل الفشل الأميركي في العراق مصدر راحة لسوريا، لكن المسألة ليست هنا، ذلك أن الفشل الأميركي في العراق يطرح مباشرة سؤالين رئيسيين: هل تستسلم أميركا لهذا الفشل؟ وماذا سيحصل في العراق وكيف سينعكس ذلك على المنطقة؟ وعن هذين السؤالين اللذين يوحيان بأن أميركا قد تقدم على قلب "طاولة الفوضى" في وجه الجميع، تجيب الأوساط الغربية أن من "حق" سوريا أن تشعر بقدر من الارتياح حيال الفشل الأميركي، لكن ذلك لا يُعفيها من التحسب لقدرة أميركا على تصعيد الضغوط، ذلك أن الفشل الأميركي عراقياً يؤثر على بوش داخل الولايات المتحدة لكنه لا يحول دون محاولة الإدارة الأميركية في إطار السيناريوات الثلاثة التي جرى استعراضها، دفع سوريا الى التعاون في العراق. وتعتبر الأوساط نفسها في هذا المجال أن المواقف السورية الأخيرة من "التعامل" مع الحكومة العراقية الجديدة تسير في اتجاه التعاون. وبكلام آخر، ترى الأوساط الغربية أن الفشل الأميركي في العراق يريح سوريا من زاوية أن تعاونها مع واشنطن أصبح مطلوباً أميركياً أكثر.
..وقراءة عربية: سوريا مرتاحة
وماذا تقول الأوساط العربية في المقابل؟
تؤكد أن الولايات المتحدة بأمسّ الحاجة اليوم الى مساعدة سوريا في العراق، وتضيف أن دمشق تتعاطى مع واشنطن من موقع قوة في ما يتصل بالمسألة العراقية. وفي ما هو أكثر دلالة، تشير الأوساط العربية الى شعور العاصمة السورية بالارتياح الى التأييد العربي المتنامي لموقفها عراقياً، لا سيما من جهة المملكة العربية السعودية ومصر، كما تقول الأوساط التي تلفت الى أن قرار سوريا التعامل مع الحكومة العراقية هو أشبه بالتعامل مع أمر واقع عراقي جديد يعكس الفسيفساء الطائفية ـ السياسية في العراق. وتشدّد على أن سوريا لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي حيال واقع عراقي جديد يجري "تركيبه" وأن تعزل نفسها عنه.
وتكشف الأوساط أن نقاشاً دار على مستويات عالية في سوريا منذ اللحظة الأولى لسقوط صدام حسين، حول الأهمية التي كان سيوفرها وجود سفارة سورية في بغداد، كي لا يبدو فتح سفارة في لحظة معينة وكأنه جديد مستغرب أو يُربط بفرضية تنازل سوري. غير أن الأوساط العربية في دمشق، تشدّد على أن سوريا مرتاحة تماماً، لافتة الى اتفاق نفطي ـ كهربائي بين سوريا والجهات المعنية في العراق، والى أن سوريا قد لا تكون مستبعدة من عملية إعادة إعمار العراق في مرحلة لاحقة من ضمن اتفاق مع مؤسسات تهتم بهذا الأمر عراقياً ودولياً. وتستنتج من ذلك أن السياسة التي اعتمدتها دمشق هي التي فتحت لها طريق الاقتصاد، وأن سوريا مرّرت مرحلة الضغوط فأثبتت مرة أخرى أنها حاجة لا يمكن تجاوزها.
بين القراءتين، الغربية والعربية، ثمة تقاطع على اعتبار أن سوريا لا تواجه في ظل التطوّرات العراقية وضعاً صعباً، بل هي "مرتاحة"، وإن كان ثمة افتراق بين القراءتين بشأن "العوامل" التي انتجت هذه "الراحة" فعلاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.