ما طبيعة اللقاء السداسي "المعارض" المزمع تشكيله وما وظيفته السياسية في هذه المرحلة؟ سؤال طرح في الآونة الأخيرة في عدد من الأوساط السياسية التي وضعته على "المشرحة" محدّدة مجموعة من النقاط التي ترى أنه لا مفرّ من أخذها في الاعتبار لدى تقويم سياق انطلاق "فكرة" هذا اللقاء.
أولاً ـ إن "القاسم المشترك" بين أعضائه المفترضين، أي الرؤساء حسين الحسيني وسليم الحص وعمر كرامي، والنائبين بطرس حرب ونايلة معوّض والنائب السابق البير منصور، هو المعارضة "الضارية" إن لم يكن "العداء" لرئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، الأمر الذي يضع سلفاً علامة استفهام حول الطبيعة المعارِضة للقاء العتيد، ويطعن بمصداقية معارضة تقصرُ معارضتها على مجال محدّد ومحدود، أي معارضة تفتقد الى رؤية شاملة للأوضاع.
الارتباك
ثانياً ـ في التمهيدات التي تجري لإعلان اللقاء هذا، كان الارتباك واضحاً، على الأقل من زاويتين. الأولى أن الرئيس الحص الذي نأى بنفسه فترة طويلة عن المساعي التي بُذلت لإشراكه معلناً عدم استعداده للمشاركة لأسباب منها تطليقه العمل السياسي المباشر لمصلحة "العمل الوطني" العام كما كان يقول، عاد و"وافق" على الانخراط في اللقاء لأسباب لم يعلنها، ولا تشرحها سلفاً معطيات برنامجية للقاء في وقت لا يزال الغموض يحيط برنامج اللقاء. والزاوية الثانية أن إدخال النائب السابق منصور الى هذا الإطار، تم على أساس كونه "بدلاً عن ضائع"، بعد أن كانت محاولات سابقة بذلها الرئيس الحسيني ركّزت بالدرجة الأولى على النائب الراحل بيار حلو ثم على عميد "الكتلة الوطنية" كارلوس اده قبل أن ترسو بناء على اقتراح الحسيني كما يُقال، على منصور... وذلك من غير أن يكلّف أحد نفسه عناء توضيح لماذا فشلت المحاولتان السابقتان، ولا العلاقة بين "معارضة" اده و"معارضة" منصور على سبيل المثال.. إذا أخذ الطائف مقياساً.
ثالثاً ـ بين الأقطاب المسلمين في اللقاء، أي الحسيني والحص وكرامي، رغبة مشتركة في تعديل التوازن على مستوى السلطة الذي استبقى حتى الآن الرئيس الحريري رئيساً للحكومة، ما عدا فترة قصيرة بين 1998 و2000، والرئيس نبيه بري رئيساً للمجالس النيابية المتعاقبة منذ العام 1992. لكن بين الحسيني ومنصور الواقعين بقاعاً في "قبضة" الثنائية الشيعية التقليدية "أمل" ـ "حزب الله"، رغبة مشتركة في توازن مختلف يحد الى درجة كبيرة من تأثيرات هذه الثنائية في "لحظة" قد يريانها مؤاتية لا سيما أن أحد طرفي الثنائية في البقاع، أي "أمل" يواجه تحديات سياسية وتنظيمية في هذه المنطقة... هذا إذا ما وضع جانباً خلاف "الصديقين" الحسيني ومنصور منذ انتخابات 1992، بشأن الطائف وآليات اشتغاله، وهو خلاف لم يفسد الود بينهما. أما حرب ومعوض، فهما فضلاً عن "الأذى" الذي تراه معوض في العلاقة بين الحريري والوزير سليمان فرنجية، يحاولان الاستفادة من كونهما في "موقع تفاضلي" عن غيرهما من النواب المسيحيين المعارضين لجهة انفتاح قنوات التواصل بينهما وبين أقطاب مسلمين.
رابعاًـ وفي وقت يبدو أن التطلع الى توازن مختلف يسمح لأعضاء اللقاء في معظمهم إذا استمر الحص على موقفه الرافض العودة الى رئاسة الحكومة والترشح الى الانتخابات النيابية المقبلة، باستئناف الحضور على مستوى السلطة، مع العلم أن أوساط النائب معوض تؤكد أن ذلك ليس على "أجندتها". ولعل التطلع الى توازن مختلف هو ما حمل الرئيس الحسيني على إطلاق شعاره "إعادة النظر في سياق انتاج السلطة".
حكومة جديدة.. ومماشاة التجديد؟
خامساًـ وبما أن الاستحقاق الرئاسي لن يحصل قبل خريف العام 2004، وبما أن الانتخابات النيابية لن تحصل قبل ربيع العام 2005، فإن "المدخل" الى "إعادة النظر في سياق انتاج السلطة" كما يقول الحسيني، يصبح التغيير الحكومي الذي يأتي بحكومة جديدة "سريعاً" لا تكون برئاسة الحريري، بل برئاسة كرامي.. أي أن "المباشر" من أهداف اللقاء هو "إزاحة" الحريري عن رئاسة الوزارة والمجيء بكرامي بديلاً منه. وذلك ما يفسر الحركة السياسية المحمومة التي يقوم بها كرامي في هذا الاتجاه، مع العلم أن معلومات كثيرة تفيد أن أحداً أو أي جهة لم يعدا كرامي بذلك... هذا إذا ما وضع جانباً "التحسس" الذي يثيره كرامي لدى منافس طرابلسي آخر هو الوزير نجيب ميقاتي، وربما بنسبة معينة لدى النائب السابق تمام سلام الساعي الى "ترميم" وإعادة إعمار موقعه بيروتياً.
سادساًـ لا شك ـ دائماً بحسب عدد من الأوساط السياسية ـ أن القاسم المشترك المتمثل في "معارضة الحريري"، يجعل اللقاء السداسي إذا قام أخيراً، حليفاً موضوعياً لرئيس الجمهورية اميل لحود، إذا توافرت عوامل التغيير الحكومي. غير أن الأهم هو أن اللقاء سيكون حليفاً موضوعياً للتمديد أو التجديد إذا تأمنت ظروفهما.
سابعاًـ على خلفية كل ما تقدم، لا يعود خافياً أن المشروع السياسي "المباشر" للقاء السداسي هو قيام حكومة جديدة "تُخرج" الحريري و"تُدخل" تمثيلاً مسيحياً جديداً، وعندئذٍ يصبح مفهوماً تماماً "معنى" وجود النائب حرب في اللقاء بوصفه "رمز" التمثيل المسيحي الجديد المفترض.
تناقضات منتظرة
ثامناًـ وهنا تقول الأوساط الآنفة إن اللقاء، على افتراض أنه قام، سيكون أمام تناقضات "خطيرة". ذلك أن معادلة إخراج الحريري في مقابل إدخال تمثيل مسيحي جديد لن تكون معادلة سليمة، مأخوذة على الأقل من جانبها المسيحي. فحرب ـ إذا ما دخل في الحكومة إذا قامت حكومة جديدة أصلاً ـ يجازف بعلاقته بالوسط المسيحي، لا سيما المعارض منه، ذلك أنه بالنسبة الى هذا الوسط، ثمة فارق جوهري بين الاعتراض على الحريري وبين الانضمام الى لحود أو الاحتساب في خانته. وهذا ما يفسّر برأي الأوساط مواكبة نايلة معوض بشيء من عدم الحماس لأبحاث تشكيل اللقاء، لأنها مصممة على عدم القطع مع الخط الاجمالي في البيئة المسيحية المعارضة المتحفظة عن السلطة والتمديد أو التجديد.
تاسعاً ـ وعلى افتراض أن كل ما جرى ذكره من ثغرات أو عقبات أو تناقضات تم تجاوزه بـ"معجزة"، يبقى ثمة سؤال مطروح:ماذا عن البرنامج الذي سيطل به اللقاء على اللبنانيين والذي يفترض أن تحمله الحكومة الجديدة؟، ماذا سيقول معارضو الحريري في كل العناوين التي تشكّل مادة اعتراضهم، لا سيما في الشأن الاقتصادي؟
عاشراً وأخيراً ـ تختم الأوساط السابقة بالتنبيه الى نقطة مركزية على صلة بكلام الحسيني عن "إعادة انتاج السلطة"، وهي مدى قدرة اللقاء السداسي على تحديد نقاط ضعف الصيغة السياسية القائمة في إطار دستور الطائف وباسمه، في مراحلها كافة، ومدى قدرته على تقديم مشروع انتاج السلطة وتحريك آلياتها من ضمن الطائف نفسه، في وقت ترى الأوساط أن شطراً كبيراً من الممارسة على مستوى السلطة لا يمت الى الطائف بصلة.
النقاش مع اللقاء السداسي مفتوح إذاً، طالما أنه تحت عنوان "إعادة انتاج السلطة" يطرح نفسه بديلاً تُحرّكه "غريزة" البقاء "ضدّ" الحريري في موازاة ابتلاع الألسن معارضةً لأمور كثيرة أخرى في المقابل... هذا إن لم يكن "التغيير الانقاذي" الموعود سراباً في حدّ ذاته!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.