8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"التسوية" بين جنبلاط والفريق البطريركي في "القرنة" تتطلب حماية سياسيّة

عندما أعلن الرئيس الأسبق أمين الجميّل تأييده المرشّح هنري بيار حلو لخلافة والده النائب الراحل بيار حلو في المقعد الماروني الشاغر عن دائرة بعبدا ـ عاليه، كان على الأرجح يحسب أنه بذلك "يساير" رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي كان سبق الجميع في إعلان تفضيله انتخاب هنري تجنباً لمعركة حامية في أبعادها كافة. وكان الجميل يحسب أنه بموقفه هذا يعيد فتح صفحة العلاقة بجنبلاط التي اغلقت حتى قبل انقطاع علاقة الزعيم الاشتراكي بـ"لقاء قرنة شهوان" بعد الحادي عشر من أيلول 2001,. وكان يحسب أن هذا الموقف يؤسس لمرحلة لاحقة بأفق الاستحقاق النيابي المقبل في العام 2005.
لكن من مسار التطورات بعد ذلك، يتبين أن جنبلاط "لم يربح جميلاً" للجميل فلم تُفتح صفحة جديدة بينهما ولا هما دخلا في علاقة تنسيق بالنسبة الى الاستحقاق المباشر المتعلق بالانتخابات الفرعية.. ومعنى ذلك أن الجميل بقي محصوراً في إطار المنافسة على موقعيته مسيحياً، وأن الأفق "الوطني" أي اللبناني العام استمر مغلقاً، بما يشير الى انسداد قنوات التواصل بينه وبين الأفرقاء الآخرين إسلامياً.
عون
في المقابل، فإن العماد ميشال عون ليس في وضع أفضل سياسياً. ذلك أنه عندما قرر خوض الانتخابات الفرعية بمرشح من "التيار الوطني الحر"، بعد أن خذلته التطورات لا سيما عزوف النقيب شكيب قرطباوي الذي كان يتمتع بمواصفات أهمها أنه يمكن أن يشكل المرشح الموحد للمعارضة بتياريها الرئيسيين، وجد نفسه أمام إشكال عميق. فالعماد يعرف أن فرص فوز مرشحه بالمقعد النيابي شبه مستحيلة، وأن إثبات الوجود يحتاج الى تضافر مجموعة من العوامل.
فإذا أخذ في الاعتبار أن ما يهم عون إن لم يكن الفوز، فتسجيل نسبة عالية من الأصوات، متقاربة الى حد معين مع أصوات الفائز، يتبين أن ذلك يتطلب "عدم حماسة" الفريق المؤيد لحلو وعدم حصول استنفار يصب أصواتاً في صناديق الاقتراع، ويتطلب في المقابل استنفاراً للأصوات المسيحية في صالح مرشحه. وفي الحالتين: عدم استنفار الفريق الداعم لحلو، واستنفار الأصوات المسيحية، من الواضح أن ثمة مغامرة في الرهان.. فلا الفريق الدرزي ـ الشيعي في وارد تقديم هدية الى عون، ولا المسيحيون على الرغم من وجود مزاج عام كان يفضل خوض معركة، سوف "ينزلون"الى الصناديق لـ"تفويلها" خصوصاً أن فرص الفوز منعدمة. وعلى افتراض أن الفريق المؤيد لهنري حلو لـ"حكمة" معينة خفف من استنفار جماعاته، فإن عون سيكون بحاجة الى النسبة الأعلى من أصوات المسيحيين، الأمر الذي لا يبدو أنه سيكون النتيجة المنطقية لمعركة كسر العظم التي يخوضها عون ضد المعارضة المسيحية الأخرى. وعلى هذا الأساس، يبدو أن "الحد الأقصى" أي فوز مرشح "التيار" بالمقعد و"الحد الأدنى" أي تأكيد زعامة عون وكونه "الممثل الشرعي الوحيد" للمسيحيين، أمران متعذران، فضلاً عن أنهما لا يفيدانه سياسياً في ظل انسداد أفق علاقات عون بسائر الفرقاء اللبنانيين.
الجميل وعون.. وأميركا
لماذا هذا الكلام؟
من المعروف أن الرجلين أمين الجميل وميشال عون تربطهما علاقات بالولايات المتحدة، مع مواقع في واشنطن متفاوتة في أهميتها ونفوذها. ومن المعروف أيضاً أن واشنطن تبلّغ عبر قنوات شتى أنها غير مهتمة بقوى في ذاتها في لبنان، أو بكلام أدق هي غير مهتمة بالتعامل مع قوى محصورة في بيئاتها، فكيف إذا كانت لا تستطيع ادعاء التمثيل الحصري لهذه البيئات؟. ولذلك تشدد أميركا على ما ينقل عن ديبلوماسييها، على حصول انفتاح وقيام حركة سياسية مفتوحة بين كل الاتجاهات. ومن هنا، فإن اختبار بعبدا ـ عاليه في الإطار الذي جرى عرضه، لا يقدم حصيلة تفتح الأفق لبنانياً وقابلة للتسويق أميركياً.
"التيار البطريركي" والحماية المطلوبة
هكذا اذاً "يدخل" الجميل وعون في بعضهما، في الوقت الذي من "المفترض" أن "التيار البطريركي" ضمن "لقاء قرنة شهوان" حقق من خلال تطورات الاستحقاق الفرعي في بعبدا ـ عاليه مكسباً سياسياً ثميناً عبر "التسوية" مع جنبلاط والتي أتى عزوف قرطباوي عن الترشيح في سياقها. في المباشر، ليست "التسوية" القائمة على عدم خوض المعركة في مقابل استئناف العلاقة بجنبلاط، شعبية على الصعيد المسيحي، لكنها على المدى الأبعد وربما مباشرة بعد 14 أيلول موعد الانتخابات الفرعية، ستكون ذات جدوى سياسية. بيد أنها تسوية تحتاج الى "حماية"يوفرها توثيق العلاقة بجنبلاط وانفتاح أفق العلاقة بأطراف إسلامية أخرى.
التسوية هذه تمثل ترجمة أمينة لما يدعو اليه البطريرك نصر الله بطرس صفير، وفي جملة ما يدعو اليه البطريرك التوجه نحو علاقات وطنية أو تحالفات وطنية، تقدم البرهان على قدرة اللبنانيين على إدارة أمورهم. وبكلام آخر، بينما يرى العماد عون مثلاً أن "قانون محاسبة سوريا" في الكونغرس الأميركي هو السلاح الأمضى، يعتبر البطريرك وفريقه أن تبلور صيغة لبنانية تحاور سوريا هو البديل. ولذلك فإن "حماية" التسوية تقتضي تطويراً لعلاقة "التيار البطريركي" مع جنبلاط من ناحية، وانفتاحاً لأفق العلاقات بالمسلمين الآخرين من ناحية ثانية وانفتاحاً على سوريا ومن سوريا على هذا التوجه من ناحية ثالثة.. وإلا لن تؤسس هذه التسوية لدينامية سياسية وسيبدو الأفق مسدوداً مجدداً.
في هذه الأثناء، وفيما يبدو "التيار البطريركي" في موقع أفضل "مبدئياً"، فإن عليه أن "يواجه" فضلاً عن "التيار العوني" مواجهة عاقلة لا تصيب المعارضة ككل إصابات بالغة، الحسابات المختلفة لأطراف مكونة في "القرنة" بينها مثلاً حسابات الجميل من خلال انتخابات بعبدا ـ عاليه. لكنها محكومة أيضاً بمواجهة اختراقات سلطوية.
حرب ـ معوض
وفي هذا المجال، يُحكى مثلاً أن ثمة من يقترح على رئيس الجمهورية، في سياق الحديث الرائج عن احتمال تغيير حكومي، أن يكون هذا التغيير مناسبة لـ"إخراج" الرئيس رفيق الحريري في مقابل "إدخال" فاعلية مسيحية جديدة.. وبقية الرواية أن يكون الرئيس عمر كرامي أو النائب السابق تمام سلام أو الرئيس رشيد الصلح رئيساً للحكومة. وإذا كان رأي رئيس الجمهورية غير معروف في الشق الثاني من الاقتراح أي إدخال فاعلية مسيحية جديدة خوفاً على "المعادلة المسيحية" التي يرتاح اليها.. فإن الموضوع يطرح على هذا "التيار" تحديا معيناً. فالنائبان بطرس حرب ونايلة معوض المتقاطعان على موقف حاد من الرئيس الحريري، لا يلتقيان على موقف واحد من الرئيس لحود، بين حرب الأكثر انفتاحاً على كل ما ومن هو ضد الحريري، ويرغب في الدخول الى حكومة تسمي نفسها "انقاذية"، وبين معوض التي لا ترى الذهاب الى حد التقرب من لحود.. وهو على ما يبدو ما أدى الى بعض الارتباك في قيام اللقاء السياسي المعارض.
من هنا، فإن التحدي أمام "التيار البطريركي" هو تحدي مواجهة اختراق السلطة للمعارضة لاستقطاب بعضها الى اصطفافات في الصراع الدائر ضمن الحكم والحكومة، تأميناً لمزيد من الحماية.. وهو أمر ممكن في إطار العلاقة بجنبلاط الذي يبتعد أكثر فأكثر عن الاستقطاب على مستوى هذا الصراع ويوزع بـ"العدل" انتقاداته، ولذلك فإن "التسوية" من مدخل انتخابات بعبدا ـ عاليه يمكن أن تؤسس لحالة سياسية جديدة لا علاقة لها بمضمون العلاقة المسيحية ـ الدرزية قبل 11 أيلول 2001.
المعارضة المسيحية معارضات، وهذا ليس اكتشافاً جديداً، و"لقاء القرنة" قد يستمر بصيغة معينة، بيد أن الفرز في صفوفه يبرز كتلة مؤهلة لاكتساب علاقات ودور على نحو مجدٍ وفعّال.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00