في خضم التطوّرات التي تشهدها المنطقة، سواء على الصعيد العراقي أو على مستوى المسألة العراقية، يقدّم المرجع الإسلامي الشيعي العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله قراءة مدققة في الأوضاع الراهنة مستشرفاً آفاق المرحلة محدّداً طبيعتها واتجاهاتها الرئيسية.
يعتبر السيد فضل الله أن الولايات المتحدة "تعيش الإرباك والقلق لأنها لم تخطط بشكل دقيق لإدارة العراق فغرقت في الرمال العراقية لا بل في العواصف العراقية". ويرى أن قلق أميركا "يزيد من خلال القتلى والجرحى الذين أصبحت أخبارهم يومية مما جعل المسألة تدخل في دائرة التجاذبات الانتخابية فأضحت جزءاً من المعركة بين الديموقراطيين والجمهوريين وحتى بين الجمهوريين أنفسهم".
وفي قراءته لأصل الموضوع، يلاحظ فضل الله أن "أميركا لم تنطلق في المنطقة من قاعدة سياسية مدروسة ودقيقة بحيث تملك فيها أن ترتب المنطقة على قياسها"، ويلفت الى أن "بعض المواقع الدولية لا يريد لأميركا أن تنجح، تماماً لأن أميركا كانت تريد طرد هذه المواقع من المنطقة". والسبب في ذلك واضح: العراق يملك الى جانب ثرواته موقعاً استراتيجياً يطل على أكثر من دولة مهمة، الأمر الذي يسمح في رأي السيد للولايات المتحدة الطامحة الى السيطرة، بأن تكمل حصارها على أوروبا وروسيا واليابان والصين.
لذلك، لا يتردّد فضل الله في القول إن "السياسة الأميركية في العراق سوف تنتقل من فشل الى فشل ومن مشكلة الى مشكلة باعتبارها لا تزال مصرّة على عدم إعطاء الأمم المتحدة (والدول الكبرى ضمناً) أي دور لأنها تريد أن تكون وحدها القيادة بما في ذلك للقوات المتعدّدة الجنسيات". ويتوقع أن تستمر المسألة العراقية طويلاً "ما دامت أميركا تصرّ على البقاء في العراق"، ولا يستبعد أن تخطط الولايات المتحدة لـ"بعض الفتن بمظهر عرقي أو مذهبي تبريراً لوجودها".
الأمم المتحدة
لكن، هل ينطوي تحليل المرجع فضل الله على اتهام ما للولايات المتحدة بالوقوف وراء تفجير مقرّ الأمم المتحدة في بغداد طالما أنه يتهمها بإقصاء المنظمة الدولية عن أي دور فاعل في العراق؟
يجيب: "لا أدّعي ذلك، لأن أميركا لا تستطيع أن تتحمّل مسؤولية عدم حماية المؤسسات الدولية"، ويضيف: "لا أتصوّر أن أميركا مسؤولة بشكل مباشر، لكن المسألة هي أن الأمم المتحدة كلّما ضعفت أكثر فإن أميركا قد تستفيد من ذلك لكنها لا يمكن أن تقوم بمثل هذا العمل".
إذاً، من قام بتفجير مقرّ الأمم المتحدة.. مقاومة عراقية؟
"إن مسألة المقاومة لا تزال في مرحلة ضبابية"، يقول السيد فضل الله الذي يشير الى أن "ما يسمّى بالمقاومة" يمكن أن يكون متمثلاً بـ"بقايا النظام السابق وبجماعات إسلامية متنوعة، ذلك أنه بحسب المعلومات ثمة نوع من التجمع لكل الذين يؤمنون بالعنف في كل مكان في العالم جاءوا الى العراق على أساس أنه ساحة مؤهلة للحرب ضد أميركا". ويلفت الى أن "المقاومة قد لا تكون عراقية بالمعنى الدقيق لأن الشعب العراقي لا يزال متعباً نتيجة ممارسات النظام الطاغي السابق".
ويلاحظ أن "السلوك الأميركي في العراق والقتل العشوائي وفشل الولايات المتحدة في إعطاء ما وعدت به، كل ذلك سوف يساهم في تعاطف بعض الشعب العراقي".
إيران
ودائماً في الموضوع العراقي، يتناول المرجع الإسلامي معطيات العلاقة الايرانية بهذا الموضوع، فيعرب عن اعتقاده أن للدافع الى هذه العلاقة سببين رئيسيين. أولهما "دفاع الجمهورية الإسلامية عن نفسها أمام الاحتلال الأميركي للعراق الذي يشكّل الضغط على ايران من موقع متقدّم، أحد أهدافه"، ولذلك "من الممكن أن تسعى ايران الى إيجاد مواقع للضغط على أميركا ليحصل نوع من التوازن بين الموقع الايراني في العراق من جهة، وما تخطط له أميركا للضغط على ايران من خلال العراق من جهة ثانية". أما السبب الثاني فهو أن ايران "ربما كانت تفكر من خلال استراتيجيتها الإسلامية في أنها معنية بالوجود الشيعي كما بالوجود الإسلامي الآخر، وتعتبر نفسها مسؤولة عن بعض ما يتعلق بهذا الوجود". ومن هنا، يرى السيد فضل الله أنه "من الطبيعي أن تكون المرحلة مرحلة شدّ وجذب بين السياستين الأميركية والايرانية"، ويقدّر أن "ثمة حرباً سياسية خفية بين الطرفين أساسها انعدام الثقة".
فلسطين
ولدى الانتقال الى المسألة الفلسطينية، يعتبر فضل الله أن القضية الفلسطينية دخلت بعد أحداث أيلول في واشنطن ونيويورك عام 2001 في أفق جديد "هو مسألة الحرب ضد الإرهاب لأن كل الذين يواجهون إسرائيل إرهابيون في المنطق الأميركي حتى على مستوى معاهد الدراسات في أميركا". ومع ذلك فإن "أميركا لم تستنكر أي اعتداء إسرائيلي على المدنيين الفلسطينيين والأرض الفلسطينية لأنها حسمت في أن كل ما تفعله دفاع عن النفس".
ولا يتردّد السيّد في القول إن الرئيس الأميركي جورج بوش "أعطى الضوء الأخضر لاغتيال قيادات بل للقيام بعملية إبادة جزئية أو كلية في مرحلة انتخابات الرئاسة".
ويعرب العلاّمة عن "الشك في أن تكون أميركا جادة على المستوى الاستراتيجي في خارطة الطريق، فهي أرادت من خلال الخارطة أن تقول للشعوب العربية والإسلامية إنها كما دخلت الى العراق حرباً، ستدخل فلسطين سلماً من خلال الحديث عن دولة فلسطينية غامضة". ويرى أن "إسرائيل بالاتفاق مع بوش في الخفاء أو من خلال طبيعة استراتيجيتها بدأت تعطّل كل مبادرة، معتمدة على أن بوش لا يملك أن يفرض على إسرائيل شيئاً". ويبدي اقتناعه بأن أميركا "تعمل بقوة مع إسرائيل لخلط الأوراق، فتلّمع شخصية أبو مازن على حساب عرفات وتضع العصي في دواليبه لأن الحديث عن تفكيك المنظمات يعني إسقاط السلطة الفلسطينية الممثلة بأبو مازن التي لا تملك أن تنفذ ما يراد لها أن تنفذه".
ويشدّد السيد فضل الله على أن "الأمور وصلت الى الخطوط الحمر وقد تؤدي الى حرب داخل الواقع الفلسطيني إن لم تأخذ الحكومة الفلسطينية بأسباب العقل".
وفي ختام القراءة التي يجريها، يتوقع المرجع السيد فضل الله أن تزداد الضغوط على ايران وسوريا ولبنان في موازاة الفشل الأميركي في فلسطين والعراق، وأن تزداد ملاحقة الجمعيات الخيرية بحجة أنها تدعم الإرهاب.
ويختم السيّد ساخراً: "تسألون لماذا تكرهوننا ونجيب كيف نحبكم؟".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.