في مجلس خاص قبل بضعة أيام، وفي معرض التوكيد على تلازم أولويّتي المقاومة والشأن الاجتماعي، أكد مسؤول كبير في "حزب الله" ان الاهتمام الذي يبديه الحزب بالمسألة الاجتماعية يقع تماماً في امتداد اهتمامه بالمقاومة التي تمثل بالنسبة إليه العنوان الاستراتيجي، ذلك ان معالجة المسألة الاجتماعية مطلوبة لحلّ الأزمة الاجتماعية في ذاتها لكن لمنع الخلل في العلاقة بين المقاومة وجمهورها ايضاً. وبما ان ثمة تلازماً بين معالجة المسألة الاجتماعية والإصلاح الإداري، يصبح الدعم الذي يعلنه الحزب للعملية الإصلاحية هادفاً إلى منع الخلل في العلاقة بين المقاومة وجمهورها من المدخل الاجتماعي، ويصبح هادفاً كذلك إلى منع إسقاط المشروع الاستراتيجي الذي تمثله المقاومة من المدخل الاجتماعي ايضاً، الأمر الذي لو حصل سيعني إسقاطاً للوطن من الداخل.
هذا ما أكده المسؤول في "حزب الله" على وجه الدقة وليس على وجه التقريب، مقيماً ترابطاً لافتاً بين العناوين، واضعاً بالاستطراد العملية الإصلاحية في مصاف الهم الاستراتيجي. على ان أهم ما في هذا الربط المحكم بين شتى العناوين، ليس "الاجتهاد" الذي ينطوي عليه بل دلالة المقاربة التي يقوم بها للإصلاح بـ"أفق" المشروع المقاوم الذي يرى الحزب ان كافة التطوّرات الجارية في المنطقة تزكّيه كخيار.
جنبلاط
في هذه الأثناء، ثمة لدى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مقاربة أخرى للإصلاح. فجنبلاط الذي يشكّك في إمكان نجاح العملية الإصلاحية بغض النظر عن النوايا منها، يكرّر في مجالسه ان في البلد أزمة نظام سياسي، بمعنى أزمة في آليات اشتغال النظام السياسي، تجعل أي عملية إصلاحية محكومة بالفشل في ظلها، معتبراً بشكل واضح ان الإصلاح السياسي يتقدّم على الإصلاح الإداري. وإذا كان جنبلاط واضحاً لجهة الحرص على عدم الوقوف في وجه الإصلاح، ولجهة الحرص على عدم فتح ملف اتفاق الطائف في هذه المرحلة خشية إساءة فهم المقاصد، فإن ما يلفت إليه تحت عنوان أزمة النظام السياسي، لا يتعلّق بالتوازن الاسلامي ـ المسيحي العام الذي يشدّد على أهمية تعزيزه، بل يتصل بآليات إنتاج السلطة وآليات الحكم نفسه، وآليات العلاقة بين مختلف مؤسسات الدولة في ظل النظام السياسي. ولأن الأولوية لمعالجة أزمة النظام السياسي، يذهب جنبلاط من ذلك مباشرة إلى "الأصل" في الموضوع أي قانون الانتخاب، حيث لا يتردّد في إعلان تفضيله اعتماد القضاء دائرة انتخابية.
هكذا إذاً، وتحت عنوان الإصلاح، ثمة مقاربتان مختلفتان لكل من جنبلاط و"حزب الله"، واحدة تطرح أولوية الإصلاح السياسي سبيلاً إلى معالجة الأزمة السياسية فالاقتصادية والاجتماعية، والثانية تتجنّب في الظاهر البحث في الأزمة السياسية، وإن كانت المقاربتان تنطلقان من الاعتراف بثقل الأزمة الاجتماعية ووطأتها. كذلك، وعلى الرغم من انطلاقهما من معطى واحد، تتوصل كل مقاربة من الاثنتين إلى نتائج سياسية مختلفة.
والغاية من استعراض الملامح العامة لمقاربتين يقدّمهما طرفان سياسيان رئيسيان، هي، بعيداً عن أي "تأويل" لوجهة صرفهما سياسياً في المباشر، البرهنة على ان الخوض في غمار الإصلاح لا يمكن أن يتم وأن يكون ناجحاً في ظل مقاربات مختلفة إلى حد التناقض، وأن العنوان الإصلاحي لا يمكن إلا أن يكون موضوعاً للحوار بين الفرقاء الأساسيين.
شخصيّات من المعارضة المسيحية
ولتبيّن صحة هذا الاستنتاج، من المفيد عرض وجهة نظر يدلي بها بعض الشخصيات من "المعارضة المسيحية" في هذا المجال. وهنا، لا يتردّد بعض الشخصيات المسيحية في القول ان طرح فريق الحكم للعنوان الإصلاحي انما يحصل بأفق الاستحقاق الرئاسي المقبل بالعلاقة مع التطوّرات الاقليمية والدولية حول لبنان.. وحول هذا الاستحقاق تالياً. وتقول هذه الشخصيات ان فريق الحكم الذي "استطاب" بعضه محاولة تسويق "مكافحة الإرهاب الأصولي" لدى الدوائر الغربية، يحاول الآن خاصة بعد أن برز انه لا يستطيع ـ ولا يرغب ـ الخروج من دائرة خيار دعم المقاومة ممّا يزعج الدوائر الغربية، يحاول تسويق "مكافحة الفساد" لدى الدوائر نفسها، وإن كلا المحاولتين "التسويقيّتين" تندرجان في سياق السعي إلى تقديم برنامج معيّن "يجذب" الفريق الدولي ـ الخارجي. وتلاحظ هذه الشخصيات ان عنوان "الإصلاح" يأتي بشكل أو بآخر للالتفاف على ما تطرحه المعارضة من ان "الفساد" سياسي بالدرجة الأولى، ويستوي في ذلك معظم الطبقة السياسية الحاكمة ممّن جاء إلى السلطة في سياق غير طبيعي لإنتاجها، ومن ان "الفساد" يشترك فيه جميع "أجنحة" الطبقة الحاكمة. كذلك، يأتي عنوان "الإصلاح" من وجهة نظر الشخصيات المسيحية المعارضة للالتفاف على استبعاد المعارضة التعامل مع فريق الحكم في السلطة في مقابل إبدائها الاستعداد للتعامل مع فرقاء آخرين هم الأكثر تمثيلاً في بيئاتهم.. إذا أثبتوا قدرتهم على "إعادة التأهيل" كما تقول الشخصيات، مع الاحتفاظ بالتعامل مع الفرقاء ذوي التمثيل السياسي.
طبيعة النظام السياسي
في "خضم" هذه "الصورة" حيث ثلاثة نماذج لمقاربات مختلفة في موضوع واحد، تبدي أوساط سياسية على مسافة من الأطراف الثلاثة الآنفة، اعتقادها ان "أخطر" ما في العنوان الإصلاحي المطروح راهناً، انه إذ يُطرح قبل نحو عام من الاستحقاق الرئاسي، يبدو بعيداً من الغاية الإصلاحية المباشرة، ويبدو وسيلة لفريق الحكم أو بعضه لـ"تقليم" أظفار الطبقة السياسية بأجنحتها الأكثر تمثيلاً، بالاعتماد على فئات سياسية أقل تمثيلاً لا تستطيع ان تشكّل بديلاً من الأولى، وإنه ليس مستبعداً والحالة هذه أن يكون الأمر تمهيداً لإعادة النظر في "طبيعة" النظام السياسي في ظروف لاحقة.
على أي حال، فإن جنبلاط ليس بعيداً عن شطر رئيسي ممّا تقوله الأوساط السابقة، وهو الذي لا يخفي خوفه من "عشوائية" العملية الإصلاحية المطروحة الآن.. عشوائيتها في السياسة.. على الرغم من استبعاده حتى الآن ترجمة ذلك التوجه تغييراً حكومياً قريباً... وعلى الرغم من عدم استبعاد أوساط سياسية في المقابل قيام جنبلاط بـ"مراجعة" أمر مشاركته في الحكومة في الوقت المناسب، وهو الذي يكرّر في الآونة الأخيرة مقولة انه ليس في السلطة، وأحد الأدلة على ذلك "العملية الإصلاحية" التي يقودها ضمن الحزب التقدمي الاشتراكي.
بين معالجة المسألة الاجتماعية بالإصلاح دعماً لـ"المشروع الاستراتيجي"، وأولوية التصدّي لأزمة النظام السياسي.. ثمّ بين اعتبار إعلان الإصلاح حملة تسويقية بأفق الاستحقاق الرئاسي، واعتبار الإصلاح مدخلاً إلى إعادة النظر بطبيعة النظام...، هل ثمة شك في ان الموضوع برمّته بحاجة إلى مزيد من البحث والتدقيق... والحوار؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.