في غمرة أحداث ثقيلة الوطأة يعيشها البلد، "مرّت" زيارة الوزير الفلسطيني للشؤون الخارجية نبيل شعث إلى لبنان والتي تخلّلتها زيارة قام بها إلى دمشق. وغنّي عن القول ان هذه الزيارة بشقيها اللبناني والسوري، والتي بدأت بدعوة شعث من قبل رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، تكتسب أهمية كبيرة خصوصاً في السياق السياسي الاقليمي الذي تمّت فيه.
مصادر فلسطينية رافقت شعث في بيروت ودمشق، تقول ان العاصمة السورية رحّبت بحفاوة بالوزير الفلسطيني واستقبلته كوزير للخارجية. هذا في الشكل، أما في المضمون فإن دمشق بعد أن سجّلت مآخذها على خطاب رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) في قمة العقبة والذي تضمّن "تنازلات" لم يكن لها ما يبرّرها من وجهة النظر السورية، وبعد أن شدّدت على لسان وزير خارجيّتها فاروق الشرع على ضرورة طي صفحة الماضي من العلاقات السورية ـ الفلسطينية المتوترة، عرضت مواقفها المعروفة في ظل الضغوط الأميركية (والاسرائيلية) التي تتعرض لها. وفي هذا السياق دعا شعث إلى ملاحظة الضغوط المسلّطة على سوريا ولبنان وفلسطين معاً وإلى التنسيق الثلاثي في مواجهتها، ورأى ان هذا التنسيق الثلاثي لا بد أن يتخذ من التنسيق السوري ـ السعودي ـ المصري مظلة سياسية له، ولا سيما ان هذه الدول الثلاث في دائرة الضغوط أيضاً.
صفحة جديدة في العلاقات الفلسطينية ـ السورية
وتوضح المصادر الفلسطينية ان ذهاب شعث إلى دمشق والموقف الذي عبّر عنه هناك، يعكسان إرادة عباس تصحيح العلاقة بسوريا وفتح صفحة جديدة معها، وذلك بقطع النظر عن المسار الذي تسلكه "خارطة الطريق"، فكيف اذا كانت "الخارطة" تجتاز ممراً متفجراً وتصيبها انهيارات كبرى. وتضيف المصادر ان إرادة استعادة علاقة متينة بدمشق، مشتركة بين أبو مازن والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
وفي توجه إلى تطوير العلاقة، اقترح شعث على نظيره الشرع أن توافق سوريا على رفع مستوى التمثيل الفلسطيني في دمشق إلى درجة سفارة، وعلى الاعتراف بجواز السفر الذي تصدره السلطة الفلسطينية. ورغب شعث في أن تكون زيارة لعباس إلى العاصمة السورية في وقت قريب، تعبيراً عن "عودة الروح" إلى العلاقة. ردّ الشرع مرحّباً بمجيء أبو مازن خلال شهر أيلول المقبل، عارضاً البحث في اقتراحي رفع التمثيل والاعتراف بالجواز وتحديد موقف منهما أثناء الزيارة.
ولا تحفي المصادر المرافقة لشعث ارتياحها إلى أجواء دمشق، وتؤكد أن أبو مازن سيكون في سوريا خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة ولن يمنعه عن ذلك الا تطور دراماتيكي في الأراضي المحتلة، وسيكون "الاخوة السوريون" على علم بذلك. كذلك، لا تخفي المصادر أن استقبال دمشق لمحمود عباس وهو أرفع مسؤول في السلطة الفلسطينية يزورها، هو أقل من اعتراف سوري بالسلطة، لكنه أكثر من مجرد تعاطٍ واقعي معها، لأن أبو مازن أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية أيضاً.
وتشير إلى أن شعث تمنّى على المسؤولين السوريين المساعدة في لبنان على رفع معاناة الفلسطينيين في المخيمات، فلفت المسؤولون السوريون محدّثيهم إلى أنه من الممكن أن يكون هذا الأمر أكثر نضوجاً للبحث الآن منه في المرحلة السابقة.
مع لحود
من دمشق، عاد شعث إلى بيروت، والتقى رئيس الجمهورية اميل لحود، بعد أن كان التقى الرئيس الحريري ورئيس المجلس النيابي نبيه بري قبل لقائه الشرع.
وفي اللقاء مع الرئيس لحود، والذي تصفه المصادر بأنه كان ودياً وإيجابياً، أعرب رئيس الجمهورية عن ترحيبه الشديد بمجيء رئيس الوزراء الفلسطيني إلى لبنان، وقال انه يرحّب بمجيء الرئيس عرفات أيضاً، آملاً أن يرفع الحصار عنه ليكون لبنان أول بلد عربي يزوره.
وعرض الوزير الفلسطيني للحود مطالب تقع تحت عنوان رفع المعاناة عن الفلسطينيين في المخيمات، فوافق الرئيس على النظر في مطلب تمكين الفلسطينيين من فرص عمل في مجالات معينة بما لا يؤدي إلى خلل بالنسبة إلى اليد العاملة اللبنانية، ووافق على النظر في مطلب ادخال مواد للبناء إلى المخيمات بهدف ترميمها، لكنه رفض حق التملك لأنه من وجهة نظره أحد المداخل إلى توطين الفلسطينيين في لبنان، الأمر الذي ناقشه شعث مع لحود موضحاً ان المقصود تملّك بيت وحقّ توريث الأب لابنه مسكناً بالدرجة الأولى.
لا مشكلة استيعاب للاجئين
وفي هذا السياق، توضح المصادر الفلسطينية أن التوطين لن يحصل، وذلك على أساس المعطيات الآتية:
أولاً ـ في كل المفاوضات التي جرت بين السلطة الفلسطينية وإسرائيلفي كمب ديفيد وطابا وشرم الشيخ ، كان حصل شبه اتفاق على حق الفلسطينيين في العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية العتيدة أولاً، وعودة عدد من اللاجئين إلى أراضي 48 على مدى عشرين عاماً بمعدل خمسين ألف لاجئ كل ثلاث سنوات ثانياً، ولمّ شمل العائلات بطريقة مفتوحة ثالثاً، وإقامة عدد آخر من اللاجئين في المناطق التي تحصل عليها الدولة الفلسطينية عن طريق التبادلية رابعاً. وقد سجّلت السلطة في هذه المفاوضات اعتراضها على عدد من النقاط ولا سيما نسبة العائدين كل ثلاث سنوات.
ثانياً ـ وتكشف المصادر عن مشروع فلسطيني لاستيعاب مليون لاجئ في مناطق من الضفة الغربية، ومشروع آخر لاستيعاب ما بين 600 ألف ومليون من اللاجئين في المناطق التبادلية (نسبتها 5 في المئة من الأراضي).
ثالثاً: استيعاب اعداد من اللاجئين في أمكنة المستوطنات الاسرائيلية الحالية التي ستخليها اسرائيل، والتي عرضت اسرائيل خلال المفاوضات السابقة تقديمها كجزء من التعويض.
رابعاً ـ وتعتبر المصادر أنه في حال التوصل إلى اتفاق حقيقي وحاسم، فليس هناك مشكلة استيعاب للاجئين حسب ما جرى توضيحه آنفاً، لأن القدرة الاستيعابية كبيرة، فضلاً عن أن الأولوية المطلقة هي للاجئي لبنان ثمّ للاجئين في العراق، علماً بأن اللاجئين في الأردن معظمهم مجنّس والبلد يرفض الاستغناء عنهم، حيث من المعلوم ان الأردن هو مركز الثقل الرئيسي لفلسطينيي الشتات.
على أي حال، تبدي المصادر المرافقة لشعث تفاؤلها بانفتاح صفحة جديدة من العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، تكون زيارة محمود عباس فاتحة لها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.