بعد الاختبار الذي خاضه قبل أيام، لا يبدو "حزب الله" قلقاً من النتائج لا بل على العكس يبدو مرتاحاً ليس فقط لأن الاختبار "مرّ" بنسبة من "السلامة" إنما لأن الصورة التي ارتسمت وسّعت الهامش أمامه. كيف؟
إن أحداً لا يستطيع الحصول على جواب مباشر من المسؤولين في الحزب عن سرّ الارتياح الى "الصورة" في الجنوب، بيد أن كلام المسؤولين يُفسح في المجال أمام استنتاجات منطقية يمكن صوغها مع البقاء في دائرة "سلامة" الاستنتاج.
لقد أقفلت المواجهة الأخيرة بين "حزب الله" وإسرائيل على المشهد الآتي: لم ترفع إسرائيل صوتها كثيراً حيال العملية التي نفّذها الحزب في مزارع شبعا، لكنها في المقابل رفعت صوتها ونفّذت بعضاً من تهديداتها رداً على تصدّي مضادات الحزب للطيران الحربي الإسرائيلي، الذي أوقع إصابات في صفوف المستوطنين في بلدة "شلومي".. فأعطت الإذن لسلاح الجو بالرد وسمحت له بحرية الحركة. وهذا القرار الذي اتخذته بإطلاق يد سلاح الجوّ، هو بالضبط نقطة الضعف الإسرائيلي في هذه المرحلة، على ما يبدو من إيحاءات مسؤولين في الحزب.
ذلك أن إطلاق يد سلاح الجوّ، لا يؤكد قرار إسرائيل الاستمرار في خرق السيادة اللبنانية وحسب، بل هو إذ يمثّل قراراً بخرق "الخط الأزرق"، ينقل المواجهة من نطاق المزارع الى "الخط الأزرق" نفسه. وفيما يلاحظ المسؤولون في الحزب أن الطيران الحربي الإسرائيلي بات خلال الأيام الأخيرة يحلّق فوق الأجواء اللبنانية وصولاً الى بيروت وطرابلس وغيرهما من المدن اللبنانية، ويعتبرون ذلك نقلاً إسرائيلياً للمواجهة الى ما وراء "الخط الأزرق"، يشدّدون على أن ليس في وارد المقاومة السكوت عن هذه الخروق، وبطبيعة الحال فإن رفض الحزب السكوت عن هذه الخروق يعني قيام المضادات بالتصدّي... والتصدّي مفتوح على احتمال سقوط شظايا المضادات فوق المستوطنات.. أي خلف "الخط الأزرق".
يبدو "حزب الله" غير قلق إذاً، على الأرجح لأن الاختبار انتهى الى معادلة مناسبة له: العمليات في المزارع استؤنفت و"اكتُسبت"... والمعركة على "الخط الأزرق" مفتوحة. هل صحيح أن ذلك ما يريح الحزب؟ لا يجيب المسؤولون... لكنهم لا "يستنكرون" الاستنتاج.
وليس ذلك فقط ما يريح الحزب. فالتطوّرات المتسارعة في العراق من جهة وفي فلسطين من جهة ثانية، تشكّل من وجهة نظر "حزب الله" تزكية لخطه ونهجه وتفكيره، ذلك أن التعثّر الأميركي عراقياً والإشكال الكبير الذي تواجهه إسرائيل فلسطينياً، يؤشران الى "ضعف" يصبّ في المحصّلة في مصلحة قوى الاعتراض على "الهيمنة" الأميركية وضغوطها، ويحيي الأمل بوقوع "المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي" في "شرك" تناقضاته.
هل انعدمت الخيارات أمام أميركا إزاء هذه التطوّرات وهل تستسلم أميركا؟. الفترة المقبلة ستعطي الجواب والبرهان.. ما إذا كانت التقديرات في مكانها أو لا. لكن في غضون ذلك، يبدو لسان حال الحزب يقول إن أميركا ذاهبة من مأزق الى آخر.
فرصة تثبيت المعادلة
بين المقاومة والشأن الاجتماعي
على أن ما ينبغي لفت النظر اليه يقع في مجال آخر فمهما كان من صحة دواعي الارتياح السابقة أو عدمها، فإن "حزب الله" كان بـ"حاجة" ماسّة الى التطوّرات الأخيرة لتستقيم معه المعادلة التي وضعها لنفسه: مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومواجهة الإهمال والحرمان في الداخل. فعندما رفع الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله صوته قبل فترة في الشأن الاجتماعي، ارتأى كثيرون أن يقرأوا التصعيد في هذا الموضوع دليل انتقال لحزب الله نحو "الداخل"... إذاً دليل "تفليسة" معينة على الحدود. وعندما قام الحزب بعملياته الأخيرة في الجنوب ارتأى عديدون أن يقرأوا ذلك على أنه في ظرف محدّد نوع من الهروب الى الأمام من إشكاليات العمل الداخلي. أما الآن فقد بات في وسع الحزب أن يؤكد أن تحركه على جبهتي المقاومة والحرمان محسوم و"سوف" يحصل.
في هذا المجال، يشدّد قياديون في "حزب الله" على أن ما تضمنه خطاب السيد نصرالله أخيراً في جبشيت "ليس مجرّد تصعيد في النبرة"، و"ليس مجرد تجديد للشعار الذي رفعه الأمين العام السابق الشهيد عباس الموسوي: نخدمكم بأشفار عيوننا".. بل هو مقدمة لتحرك. ويسارع أحد القياديين البارزين الى توضيح أن الحزب كان عرضة للون من ألوان الابتزاز السياسي في مراحل سابقة عندما كان يهم بالتحرك اجتماعياً أو كان يشارك في تحرّك اجتماعي "كأن يقال مثلاً إن الحزب لخلاف مع الرئيس رفيق الحريري يختار توقيتاً معيناً لاعتراضاته الاجتماعية، وهذا غير صحيح لأن الحزب تسيّره قناعات".
"نبرة" العناوين
ولنستمع الى ما يقوله أحد القياديين البارزين: "كيف يمكن للحزب أن يطالب حاضنته الشعبية بالصمود معه فيما الوضع الاجتماعي في البلاد وصل الى مرحلة من التأزم الكبير على مستوى لقمة العيش والفقر والطبابة؟". "من يقول إنه إذا كان حزب الله خارج الحكومة وإدارات الدولة فهو غير معني بالمراقبة والمحاسبة؟". "ليس مطلوب منّا مراقبة الأداء الوطني والقومي فقط لأن شريحة المقاومة هي من كل المجتمع". "مطلوب أن نسأل الوزراء والحكومة من يتحمل مسؤولية الدين، الى أين يذهب المال العام، الى متى سيبقى المواطن مكسر عصا لعجز الموازنة؟". "مطلوب أن نسأل عن سبب العجز في الكهرباء"...
طرف في المعركة
وما يقوله القيادي البارز ليس مجرد توكيد على "النبرة الاجتماعية" في خطاب نصرالله، بل إعلان عن أن "حزب الله" طرف في المعركة.. ومن مدخلها الإداري أيضاً. على أن الأهم الذي يبدو أن "حزب الله" ذاهب اليه، يتعلق بعدة جوانب منها:
أولاً ـ هو يطرح علاقة مباشرة بين المقاومة والمسألة الاجتماعية. يرغب في ألا يرى تفجّراً اجتماعياً يواجهه في جملة من يواجههم. يرغب في "تطويع" المسألة الاجتماعية بما لا يطيح قدرة المقاومة. لكن ذلك لا يعفيه من الجواب عن إشكالية كبيرة هو جزء منها: كيف السبيل الى بلورة معالجات اقتصادية واجتماعية في ظل وضع اقليمي متفجّر وجبهة جنوبية غير مقفلة؟
ثانياً ـ وفي توجهه الى التصرّف بوصفه طرفاً في المعركة الاجتماعية من مختلف أبوابها، لا مجال للشك أن "حزب الله" وإن كان لا يضع نفسه في موقع "المنافسة" مع الطرف الآخر من المعادلة الشيعية أي حركة "أمل"، فإنه يضع نفسه في موقع صراعي مع "أمل".. وهذا سيكون جديداً في مسار العلاقة بينهما، ليس لأن "أمل" لا تتعاطى في المسألة الاجتماعية بل لأنها معنية بحكم موقعها في الدولة والإدارات.
باختصار، إن سيرورة "حزب الله" طرفاً في المعركة الاجتماعية ليس بوصفها معركة احتجاجية في الشارع فقط بل بوصفها معركة في المجالات الإدارية والموازنة وغيرها، أمر يطرح مباشرة الجانبين الآنفين.
الحريري
ولا يرغب القياديون في "حزب الله" في الردّ "الآن" على ما يُطرح، لكن القيادي البارز نفسه يؤكد أن الحزب يدعم العنوان الإصلاحي الذي يلامسه الرئيس إميل لحود، ويشدّد على أن الاصلاح هو بهدف محاربة الفساد والهدر و"نحن لا نتهم أحداً لكن نسأل". وينفي بشدّة أن يكون دعم الحزب للعنوان الإصلاحي موجهاً ضد الرئيس رفيق الحريري، و"لم نسمع أن الموضوع مطروح على هذا النحو". ويلفت الى أن "الحزب سينتظر بلورة العنوان الإصلاحي والمسار الذي سوف يسلكه".
وفي هذا السياق، يشير الى أن العلاقة الحالية بين "حزب الله" والرئيس الحريري "غير متوترة"، وأن ثمة "تواصلاً ومصارحة"، موضحاً أن "ملفات كثيرة تُبحث"، ويختم أن الحريري "رئيس الحكومة ولديه علاقاته نتبادل معه المعلومات والتقويم".. كلام يطرحه القيادي في سياق توكيد الفكرة السابقة "الإصلاح ليس ضدّ الحريري".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.