8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"التيّار البطريركي" يحقّق مكاسب لا يحدّ منها الفرز مع "التيّار العوني"

بعد عزوف النقيب شكيب قرطباوي عن الترشح للانتخابات الفرعية في دائرة بعبدا ـ عاليه، ثمة من يسأل: هل خسرت المعارضة المسيحية وبالتحديد "التيّار البطريركي" ضمنها بقرارها الامتناع عن خوض المعركة الانتخابية أم هي ربحت فعلاً.. أين وكيف ولماذا؟
وللجواب عن هذا السؤال، لا بد بداية من استعراض مجموعة من المعطيات التي من شأنها أن تنير البحث في هذا الموضوع.
أولاً ـ عند وفاة النائب الراحل بيار حلو، لم يتبادر الى ذهن أي من أركان المعارضة السير في معركة انتخابية لملء المقعد الشاغر، لا بل إن عدداً منهم أكد علانية وفي مجالسه أن لا "مغريات" لمعركة لا يفصلها عن موعد الانتخابات العامة سوى عام ونصف عام، وأن هنري بيار حلو ليس الشخص الذي يمكن "أن يُجرّ عليه السلاح" كما يُقال، وذهب كثيرون من المعارضين الى حدّ القول إنه لو بادر هنري الى الاتصال بهم طلباً للدعم لما ترددوا تماماً لأنه ليس خصماً سياسياً علماً بأن كان والده الراحل من فئة "مسيحيي النظام" التي أبقت على "حيط عَمار" مع المعارضة.
ثانياً ـ بدأ الحديث عن خوض المعركة في أوساط عدد من المعارضين، عندما انطلق كلام التزكية، فكيف إذا كان هذا الكلام غير منسّق مع المعارضة، وإذا كان هذا الكلام صادراً عن مرجعيات سياسية غير مسيحية سيبدو معه أن ثمة ما يشبه التعيين للنائب الماروني أو أن ثمة استخداماً لـ"سيف" أكثريات طائفية في هذه الدائرة؟
الحساب السياسي "الدقيق"
ثالثاً ـ وفي موازاة بدء الحديث عن معركة، بدأ الحساب السياسي "الدقيق"، خصوصاً مع وضع البطريرك نصرالله صفير ما يشبه الخط الأحمر، أي عدم السماح للمعركة الانتخابية بالتأثير على المصالحة في الجبل، أي على العلاقات في هذه المنطقة، وإصراره على المقرّبين منه عدم السماح بردّ فعل "عصبي" حيال تفسيرات أعطيت لمبادرة الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط الى تأييد تزكية هنري حلو.
في الحساب السياسي "الدقيق"، تبدّت لما يمكن تسميته "التيّار البطريركي" ضمن المعارضة المسيحية، مجموعة من المعطيات. المعطى الأول هو أن "السلطة" التي لا تملك شيئاً في هذه الدائرة تحاول أن تتصرّف وكأنها هي المتحكّمة بمسار الانتخابات مجيّرة الأفرقاء السياسيين في المنطقة لنفسها، باحثة عن انتصار وهمي سيصنعه الآخرون. وهكذا راحت "السلطة" تسعى بقوة الى استدراج المعارضة الى المعركة لتسجّل عليها انتصاراً تظن أنها بواسطته تعيد الاعتبار من معركة المتن العام الماضي. أما المعطى الثاني، فهو أن معركة انتخابية تقتضي استخدام "عدة شغل" في جملتها استنفار الحدّ الأقصى من "الطاقة" طائفياً وسياسياً، معرضة للانزلاق باتجاه "تصادمي" مع فرقاء ليسوا في "السلطة" ولا يمثلونها، والحال إن هؤلاء هم المطلوب الانفتاح عليهم وليس "التصادم" معهم كالحزب التقدمي الاشتراكي.. و"حزب الله" أيضاً بوصفه قوة ناخبة لها وزنها في الدائرة.
رابعاً ـ ودائماً في إطار الحساب السياسي "الدقيق"، تبيّن لـ"التيّار البطريركي" أن معركة كانت ستتخذ الطبيعة نفسها لانتخابات المتن لجهة وجود مرشح من "قرنة شهوان" يدعمه "التيّار العوني"، ستقطع الطريق على إمكانية السير في ما دعا البطريرك اليه بإلحاح في الآونة الأخيرة لجهة أهمية قيام تحالفات وطنية تأخذ على عاتقها مواجهة مهام المرحلة. وأكثر من ذلك، أدركت المعارضة بتيّارها هذا، أن المشهد السياسي في ظل معركة، كان سيبدو قاتماً جداً لو حصل "الاصطدام الانتخابي" مع "حزب الله" مثلاً وفي هذا الظرف بالذات، أو لو خرجت الشعارات السياسية عن نطاق السيطرة في ما يتعلق بالعلاقة بسوريا على سبيل المثال... وفي هذا الظرف بالذات أيضاً.
عشاء جنبلاط ـ فرنجية
خامساً ـ بين "الاستدعاء" الى المعركة الذي بدا أن بعض المواقف يحثّ عليه، ولا سيّما الاستفزاز السلطوي وبين الحساب السياسي "الدقيق"، بادر "التيّار البطريركي" باتجاه جنبلاط الذي كان سبق ان اوضح أن دعمه لتزكية هنري حلو لا يعني استفزاز المسيحيين، بل كان مطروحاً في إطار مبادرة برسم البطريرك تقصد التأكيد على العيش المشترك. وقال جنبلاط لعضو "لقاء قرنة شهوان" سمير فرنجية على العشاء مساء الأحد الماضي "ربما أكون تسرّعت فالتبس ما قصدته"، مضيفاً "صحيح أن لي ممثلين في الحكومة لكنني لست في السلطة" مشدّداً على "دقّة الظروف، وإذا كنّا خسرنا في انتخابات المتن محطة أم.تي.في. والمجلس الدستوري، لا نريد أن نخسر بعد معركة في عاليه شيئاً إضافياً من مقوّمات الدولة"، داعياً الى "تجنب المعركة وأمامنا الكثير ممّا يمكن أن نعمل عليه معاً، حاثاً على "المخرج"، الأمر الذي تقاطع مع ما كان فرنجية يحمله ويسعى اليه.
سادساً ـ في هذا المناخ، وحيث أن "التيّار البطريركي" ضمن المعارضة المسيحية لم يدخل في لعبة التزكية لا بل يعتبر أنه كرّس مبدأ الانتخاب، وبما أنه لا يرى نفسه بحاجة الى معركة إثبات وجود، كان عليه أن يقرّر موازناً بين الربح والخسارة، علماً بأن في الربح ربحاً للمناخ السياسي العام، وفي الخسارة، خسارة للمناخ السياسي العام أيضاً.
هكذا خرج "التيّار البطريركي" والنقيب قرطباوي من أركانه الرئيسيين وهو المشهود له بالانفتاح، من المعركة ولم يقفل باب الانتخابات، لأن ثمة حرصاً لدى أركانه على تأكيد أن العزوف عن المعركة ليس تأييداً لهنري حلو. لكن ما كسبه هذا التيّار، أساسي: منع "السلطة" من تحقيق انتصار وهمي، فكّ الطوق باتجاه استعادة علاقات تؤسس للمرحلة المقبلة، توكيد نهج البطريرك بوجهة قيام تحالفات وطنية، التأسيس لانتخابات العام 2005، الحفاظ على المصالحة التي رعاها البطريرك وجنبلاط في مرحلة العلاقة الوثيقة بين جنبلاط والمعارضة المسيحية... وكلّها مكاسب سياسية "ايجابية".
عون
سابعاً ـ وتبقى نقطة أخيرة، فإذا كان من نتائج هذا التطوّر في مسار انتخابات بعبدا ـ عاليه إذا تمكّن وليد جنبلاط من إخراجه في الديمان بعد الغداء الى مائدة البطريرك، إخراجاً على النحو الذي صاغه خلال عشائه مع سمير فرنجية.. إذا كان من النتائج إعادة فرز المعارضة المسيحية معارضتين، إحداهما معارضة العماد ميشال عون، فإن ذلك ليس سلبياً إذ يعيد المعارضة الى سيرتها الأصلية: "عباءة" البطريرك هنا.. والعماد هناك.
لكنّ الفارق هو أن الجنرال بحاجة الى معركة إثبات وجود، خصوصاً أن تيّاره تماهى مع المعارضة ككل في "فرعية المتن" العام الماضي، وربما يستفيد عون من تعاطف مسيحي مع مرشحه الى الانتخابات، لا سيّما إذا أُخذ في الاعتبار أن "الجوّ المسيحي" يريد معركة انتخابية. على أن نزول العماد الى المعركة واكتسابه تعاطفاً مسيحياً لا يُسجّلان في خانة "خسائر" التيّار الآخر من المعارضة، علماً بأن هذه الانتخابات ستكون بعد التطوّرات الأخيرة مناسبة اختبار لـ"نفوذ" عون شعبياً، وللأبعاد السياسية الأخرى أيضاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00