8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الإصلاح بين سرّ التوقيت في أيلول واستهداف "إعادة تكوين السلطة"

تتوقف الأوساط السياسية مليّاً أمام الدعوة الرائجة هذه الأيام والتي يطلقها فريق الحكم، الى إصلاح إداري جرى اختيار توقيت الانطلاق به في أيلول المقبل. وفي معرض مناقشة هذه الدعوة، تقدّم الأوساط مجموعة من الحيثيات التي تجعل عنواناً جذّاباً مثل الإصلاح الإداري، مدعاة للارتياب في السياق الذي يطرح فيه.
أولاً ـ تقول الأوساط انه إذا أخذ في الاعتبار ان التوقيت المطروح للانطلاق في العملية الإصلاحية هو شهر أيلول المقبل، لا بدّ من تذكّر أن أيلول هو الموعد المضروب من قبل فريق الحكم لـ"المشكلة"، حيث يتكرّر منذ مدة الكلام عن "انفجار" المشكلة السياسية في هذا الشهر بالذات "تمهيداً" لـ"انفجار" المشكلة الاجتماعية في نهايته ومع مطلع تشرين الأول. وبهذا المعنى، وإذا أضيفت الى تزامن الحديث عن إصلاح إداري مع الكلام عن مشكلة، رغبة "الثأر" من تشكيل الحكومة الحالية بتغيير حكومي يؤدي الى تغيير على مستوى رئاسة الحكومة تحديداً... يصبح واضحاً تماماً ان عنوان الإصلاح الإداري مطروح في سياق مشكلة ليكون محطّة من محطّاتها، الأمر الذي يطعن بصدقية الإصلاح.
ثانياً ـ وترى الأوساط ان طرح العنوان الإصلاحي في سياق مشكلة مبيّتة، لا يخفي حقيقة ان ثمة مقرّبين نصحوا على أبواب عام من الاستحقاق الرئاسي بجعل الإصلاح الإداري عنواناً لـ"الحملة" المتعلّقة بهذا الاستحقاق، وهو ما يستدل عليه بشكل رئيسي من العودة الى استحضار خطاب القسم الرئاسي في مستهل الولاية، ومن قول بعض المقرّبين ان السنوات الخمس الماضية شهدت تحقق 50 في المئة من القسَم لجهة الأمن والقضية الوطنية، وان السنة المقبلة ستكون مخصصة للنسبة المتبقية المتعلقة بـ"مكافحة الفساد والهدر"..
ثالثاً ـ وفيما يبدو واضحاً بالنسبة الى الأوساط ان العنوان مطروح في سياق مشكلة مبيتة من ناحية وفي إطار تمهيدي للاستحقاق الآتي من ناحية اخرى، ممّا يحسم سلفاً نسبة كبيرة من نزاهة القصد، فإن الأوساط نفسها تستبعد والحالة هذه أن تتم العملية الإصلاحية ـ فيما لو حصلت ـ وفقاً لأصول ومعايير "حقيقية"، ذلك انها في السياق السياسي الذي تطرح فيه محكومة بأن تكون "موجهة" لأغراض سياسية. وإذ تعرب الأوساط عن اعتقادها ان ثمة وهماً حول "الحجم الإداري" للرئيس رفيق الحريري الذي تعرّض فريقه الإداري لـ"التنكيل" بين عامي 1998 و2000، تلفت في هذا الإطار الى "الحملة المنظمة" الآخذة في الاتساع مؤخراً ضد المجلس النيابي من قبل سياسيين مقرّبين تحت عنوان تغييب المجلس عن دوره في المحاسبة، الأمر الذي "يشي" باستهداف سياسي معيّن "ضد" الرئيس نبيه بري.
منسوب التسييس: بين حركة كرامي
وكلام الحسيني
رابعاً ـ على خلفية ما تقدّم، ترى الأوساط ان العملية الإصلاحية، لو كانت مقصودة لذاتها، فهي محاطة بـ"تسييس" ذي منسوب عالٍ جداً، فكيف إذا نظر اليها على انها عنوان مطروح لتحقيق عنوان آخر؟
وفي هذا المجال، تلاحظ الأوساط الحركة المكثفة التي يقوم بها بعضهم لجعل تغيير الحكومة مسألة داهمة، حيث لا يمكن فصل الحركة السياسية للرئيس عمر كرامي مثلاً عن هدف تغيير الحكومة، وهو الذي كان موعوداً بترؤس الحكومة الحالية وبأن يعود الى رئاسة الحكومة في الخريف.
خامساً ـ ويستوقف الأوساط ما أعلنه الرئيس حسين الحسيني قبل أيام، وكان الرئيس كرامي الى جانبه، لجهة "إعادة تكوين السلطة عبر قيام حكومة ثقة تحمل خطة قوامها...". وتقول انه إذا وضع جانباً كون الحسيني معارضاً لشعار "السلطة البديلة" الذي رفعته المعارضة المسيحية، وإذا وضع جانباً "المنطق" الذي يبني الحسيني عليه انطلاقاً من دعوته الى "قانون انتخاب عادل" يفسح في المجال لسياق طبيعي لإنتاج السلطة، فإن توقيت الطرح وسياقه يعنيان مباشرة تغيير الحكومة الحالية وقيام حكومة اخرى (برئاسة اخرى)، يعفي الحسيني نفسه من تحديد مواصفاتها ومكوّناتها مكتفياً بالحديث عن "حكومة ثقة".
مشكلات الخريف
سادساً ـ في الإطار نفسه، تعتبر الأوساط ان عنوان الإصلاح الإداري مطروح إذاً في سياق استهداف تغيير الحكومة أي رئيس الحكومة، بأفق تكوين السلطة في السنة الأخيرة من الولاية الرئاسية، وبأفق التمهيد للاستحقاق الرئاسي المقبل بشعارات "برّاقة". وما يزيد من قناعة الأوساط بذلك، ان عنوان الإصلاح الإداري يأتي من ضمن "سلّة" متكاملة لتأجيج المشكلة، فيها نوع من "التهديد" بإطلاق حركة احتجاج اجتماعي في الخريف، في موازاة التنصّل من المسؤولية عن كل شيء وعن كل القرارات التي اتخذت مشاركة في المجالات الاقتصادية والمالية وغيرها.
في ضوء الحيثيات الآنفة، تسارع الأوساط نفسها الى تأكيد ان هذه الحيثيات كافية لزرع الريبة من عنوان الإصلاح الإداري المطروح، تماماً لانه مطروح على خلفية تشكيل السلطة في اتجاه معيّن، ومن مدخل يتنافى مع اعتماد معايير حقيقية لتشكل السلطة، فلا هي تأخذ في الاعتبار التشكّل الحالي للمجلس النيابي ولا هي تعبير عن مرحلة انتقالية معينة، ولا هي تعلن نيّة قيام حكومة استثنائية بتركيبة محددة.. لا بل تستبعد سلفاً قوى حيّة رئيسية.
وتحرص على القول ان أحداً لا يمكنه الوقوف ضد إصلاح إداري يحرر الإدارة من الولاءات السياسية ويؤدي الى تحديثها، وان أحداً لا يمكنه الاعتراض على تحقيق عملية أعاقتها تاريخياً الحسابات السياسية والطائفية، وان أحداً لا يستطيع "مباطحة" إصلاح إداري يطلق ورشة متكاملة ولا يستهدف فقط وضع أشخاص محسوبين هنا بدلاً من أشخاص محسوبين هناك... بيد ان ما يحيط بالعنوان كما هو مطروح راهناً يجعله أبعد ما يكون عن الغاية الإصلاحية لان كل ما فيه "سياسة" بالمعنى الذي جرى شرحه، وبالقدر الذي يرغب اللبنانيون في رؤية إدارة لبنانية حديثة، يخشون من "انقلابات سياسية" ايضاً، علماً بأن الإصلاح ليس عملية تطهير وحسب بل قوانين وأنظمة وآليات أساساً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00