يشدّد البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير أمام مراجعين من القيادات المسيحية حول موقفه من الانتخابات الفرعية المقبلة في دائرة بعبدا ـ عاليه، على أن المهم بالنسبة اليه هو ألا تهدد المعركة الانتخابية في حال حصولها إنجاز المصالحة المسيحية ـ الدرزية في الجبل، أي ألا يكون الدروز في مكان والأداء السياسي للمعركة من الجانب المسيحي في مكان آخر. ويؤكد أنه ليس طرفاً في الانتخابات على مستوى تفضيل مرشح على آخر، لكنه معني بها من زاوية وطنية، بمعنى ألا تمس بالعيش المشترك في هذه المنطقة التي تتصف بكونها منطقة اختلاط.
ويشرح أركان من المعارضة المسيحية، مقربون منه، الفكرة الأساسية للبطريرك في هذا المجال، فيقولون إن سيد بكركي في غاية الارتياح الى زيارته الأخيرة الى دير القمر بمناسبة عيد "سيدة التلة"، وهي الزيارة التي شاء بواسطتها التذكير بمصالحة آب 2001 والتأكيد عليها، ذلك أن وحدة الجبل تعني له ركناً رئيسياً من أركان الوحدة اللبنانية، والوحدة بين اللبنانيين شرط من شروط السيادة والاستقلال. ومن هنا فإن حرص البطريرك على ألا تمس الانتخابات الفرعية في بعبدا ـ عاليه بالإنجاز، ينطلق من اعتباره أن وحدة الجبل أولوية. ولأن وحدة الجبل أولوية، فإنه مع إنهاء التراكم السيئ في العلاقة بالدروز، والذي برز في إطاره جو مسيحي يشكو من القيادة الدرزية ومن النائب وليد جنبلاط بالذات من أنهما يسعيان الى فرض المرشح الماروني على الموارنة.
رأيان في "القرنة"
استوعبت المعارضة المسيحية "رسالة البطريرك" وستعمد الى ترجمتها. كيف؟
بداية، يؤكد أركان بارزون في "لقاء قرنة شهوان" أن لا تشنجات داخل "اللقاء" حيال كيفية التعاطي مع الاستحقاق الانتخابي المقبل في بعبدا ـ عاليه. ويشيرون الى أن المداولات التي جرت حتى الآن أبرزت وجود "رأيين مشروعين" في الاتجاهين: رأي يرتبط أصحابه بعلاقة صداقة مع النائب الراحل بيار حلو ويؤيد تزكية نجله هنري، ورأي ثانٍ يدعو الى خوض المعركة الانتخابية. وبين الرأيين لم تحسم "القرنة" الموقف ولن يحصل الحسم قبل بضعة أيام في انتظار استكمال المشاورات داخل المعارضة نفسها ثم بينها وبين أطراف رئيسيين أبرزهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
ويضيفون أن "لقاء القرنة" في حال تبنى خيار الذهاب الى معركة انتخابية لن يقدم مرشحاً رسمياً باسمه بل سيكتفي عندئذٍ بإصدار موقف يرسم الإطار السياسي العام للمعركة. وهنا بالضبط سيتوخى "الإطار العام" ترجمة "رسالة البطريرك"، الأمر الذي سيعني خوض المعركة بحرص على الخطوط العامة البطريركية وبأداء سياسي يقظ متنبه باستمرار الى هذه الخطوط. على أن الأركان في "القرنة" يلفتون الى أن عدم التوجه الى إعلان "مرشح رسمي" عن "اللقاء" لا ينفي أن ثمة "شخصية جذابة" تنتمي اليه، وهي النقيب شكيب قرطباوي الذي يحظى باحترام إسلامي ـ مسيحي، وتنطبق عليه تماماً مواصفات الشخصية المناسبة لمنطقة مختلطة مثل دائرة بعبدا ـ عاليه.
ترجمة وصايا صفير: استعادة العلاقة بجنبلاط
هذا من حيث "المبدأ"، أي أن ثمة رغبة في الذهاب الى معركة انتخابية، لكن هذه الرغبة يحدّها التشديد البطريركي على عدم تحول المناسبة الى معركة تعبوية ضارية تطيح الأساسي مما يحرص عليه البطريرك وطنياً، وفي جملة ما يحرص عليه، العلاقة بجنبلاط.
لذلك، يوضح الأركان المعارضون أن أطرافاً وشخصيات رئيسية في "القرنة"، لا بل إن ما يسمونه "الرأي العام" في "القرنة"، هم مع تفضيلهم لخيار الانتخابات، راغبون تماماً في تجنب انزلاقات حادة. بيد أن "الرغبة المبدئية" في الذهاب الى انتخابات في الدائرة، والمقرونة بالحرص على تنفيذ "رسالة البطريرك"، يترجمها بعض أركان المعارضة بفكرة تقول إن أفضل وسيلة لتطبيق التوجه البطريركي هي التوجه نحو "تسوية" مع وليد جنبلاط.
وفي رأي هؤلاء أن حصول الانتخابات بتوافر شروطها السياسية الآنفة مهم، لكن الأهم هو عدم تفويت فرصة تسوية مع وليد جنبلاط إذا كانت ممكنة، وهم لا يطرحون مسبقاً صيغة محددة لهذه التسوية، والأكثر أهمية بالنسبة إليهم هو استعادة العلاقة السياسية بجنبلاط تأسيساً لمرحلة لاحقة. وفي اعتقادهم أن العلاقة المسيحية بجنبلاط، ستأخذ في الحسبان هذه المرة خلاصة التجربة، فلا جنبلاط يمكن أن يكون "عند" المسيحيين ولا المسيحيون في يد جنبلاط.
هنا بالضبط، وفي سياق سعي هؤلاء الأركان الى ترجمة رسالة الوصايا البطريركية، يبرز بوضوح أن ما يهم المعارضة سياسياً من الانتخابات الفرعية في بعبدا ـ عاليه، هو أن تكون نتيجتها مهما كانت "الدورة" التي ستسلكها العملية الانتخابية، استعادة العلاقة السياسية بجنبلاط في صيغة جديدة، وإن كان ليس خافياً أنه مهم بالنسبة الى المعارضة بدرجات متفاوتة أن تبدو طرفاً رئيسياً في هذه الدائرة وأن تنجح في إيصال مرشح منها الى المجلس النيابي.. من دون "كسر عظم".
"التسوية" ضد السلطة
ويشير الأركان المعارضون أنفسهم الى أمر مهم جداً في معرض شرحهم لفكرة التسوية مع جنبلاط، فيقولون إن ما يزيد من حرصهم على السعي الى هذه التسوية، أن السلطة ترغب في استدراج المعركة، متلطية خلف إعلان وليد جنبلاط دعمه لتزكية هنري بيار حلو، علماً أن المعارضة فهمت إعلان جنبلاط على أنه رسالة حسن نية الى البطريرك وليس رسالة انغلاق على أطراف معارضين. وتشير في معرض التدليل على رغبة السلطة في استدراج المعركة الى تحدي النائب اميل اميل لحود للنائب بيار الجميل بأن يقبل الثاني النزول الى المعركة.
المعركة الانتخابية مهمة للمعارضة، والفوز فيها إذا أمكن مهم أيضاً، لكن الأهم بلورة تسوية مع جنبلاط تترجم التوجه البطريركي، تسوية أهم شيء فيها استئناف العلاقة بالزعيم الاشتراكي، فالانتخابات الفرعية ليست آخر انتخابات. وبكلام آخر، إذا كانت الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي العام الماضي، بظروفها المعروفة، شكلت محطة في القطيعة مع جنبلاط، فإن الرغبة كبيرة في أن تشكل انتخابات عاليه محطة في مسيرة استئناف العلاقة.
"حزب الله"
والى كل ذلك يضيف الأركان المعارضون حجة أساسية لـ"منطق التسوية"، وهي أن وجود "حزب الله" كقوة ناخبة في هذه المنطقة، مسألة يمكن استغلالها في المعركة ويمكن أن تولد تشنجات بفعل الأبعاد المختلفة التي يمثلها "حزب الله". ولذا، فإن حساسية وضع "حزب الله" وخطورة استغلال قوته في انتخابات فرعية على مقعد ماروني، من شأنهما (الحساسية والخطورة) أن يجعلا من الضروري اتفاق القوى الفاعلة في منطقة بعبدا ـ عاليه على إدارة الاستحقاق الذي يبدو أن ثمة مؤشرات الى ميل السلطة باتجاه معركة تؤسس لتباعد الأطراف في ما بينها..ولذلك فإن "التسوية" إذا تحققت انتصار، والانتصار هو بـ"التسوية" التي لا تستبعد سلفاً حظوظ مرشح من المعارضة، ولكنها في كل الأحوال تشكل محطة نحو مرحلة سياسية جديدة كما يختم الأركان المعارضون.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.