8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"اللقاء الديموقراطي" يصوغ مطالب "محدّدة".. والظرف السياسي مساعد لـ "الانفتاح"

كان النائب وليد جنبلاط يجول قبل ظهر الأحد الماضي في إحدى القرى المطلّة على "وادي الست" الجميل عندما أبلغ أن معه اتصالاً من الرئيس رفيق الحريري. في هذا الاتصال طلب الحريري من جنبلاط المساعدة على تسهيل تركيب أعمدة للكهرباء في مناطق معينة في الجبل تمتنع بلدياتها أو أهاليها عن تسهيل وضع هذه الأعمدة التي من شأنها أن تربط لبنان بالشبكة السداسية، وذلك بحجة أن أعمدة التوتر العالي تشكّل خطراً.
قال جنبلاط للحريري إنه لا يعرف عن هذا الموضوع ولم يسمع به قبلاً، وسأله تحديد المنطقة بدقة، وتطوّر الحديث في هذه النقطة الى "مبادرة" من الحريري تطرح إيفاد مستشاره للشؤون الإنمائية فادي فوّاز لبتّ موضوع الأعمدة.
بعد ذلك سأل الحريري جنبلاط عن "أخباره الأخرى"، فردّ جنبلاط بسؤال عن "مصير ملف النفايات"، فذكّره الحريري بأن الموضوع أمام لجنة وزارية برئاسة عصام فارس. ثم كان كلام وسلام.. وأقفل الرجلان "الخط".
الحدث من شقّين: اتصال الرئيس الحريري بالنائب جنبلاط وهو الأول بمضمون معيّن منذ بداية الخلاف والانقطاع بينهما، والثاني بعد اتصال رئيس الحكومة بالزعيم الاشتراكي لمباركة خطوبة نجله البكر تيمور.. من ناحية، ثم تقويم جنبلاط لمعنى الاتصال من ناحية ثانية، حيث قرأ فيه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي "حركوشة حوار"... ولم يتبرّم من هذه "الحركوشة" بل على العكس راح يبني عليها على أساس كونها مدخلاً الى حوار في القضايا التنموية والاجتماعية.
جنبلاط بعد الاتصال
كان وليد جنبلاط بعد الاتصال، مقروءاً من قبله على النحو المشار اليه، مرتاحاً نسبياً. أكد لمن التقوه أن ما طرحه ويطرحه لا يتعلق بـ"مطالب درزية" بل يهم كل الناس من كل الطوائف، وإذ أبدى تفهمه لـ"عمق الأزمة" الاقتصادية ـ الاجتماعية، شدّد على أنه من غير المعقول عدم استجابة مطالب حد أدنى، فمن غير المعقول مثلاً ألا تساعد الدولة المزارعين في الجبل على تصريف انتاج التفاح، كما من غير المعقول ألا تشتري جزءاً من انتاج زيت الزيتون (الذي لا يخص الجبل وحده بل يتعلق بمناطق أخرى أيضاً)، وأن تسير بالتسعير الذي كان اتفق عليه سابقاً أي 100 ألف ليرة لـ"التنكة". "ماذا أطلب"؟، يسأل جنبلاط ليجيب أن ما يطلبه هو "تحريك الوضع الاقتصادي الانتاجي للناس". و"أنا لا أطلب مشاريع كبرى" يضيف، معتبراً أن ما يطلبه واجب التحقيق بما في ذلك "ملف النفايات" في منطقة الجبل.
ولأن جنبلاط يعتبر أن "الاتصال ـ الحركوشة" قد يكون فاتحة حوار "ينتقل من التوتر العالي الى موضوعات ذات فولتاج أخف"، في إشارة ضاحكة الى "أعمدة التوتر الكهربائي العالي"، فإنه يلفت الى أن كتلة "اللقاء الديموقراطي النيابي" قبل بعد ظهر الاربعاء (اليوم) وبعد ظهر الخميس (غداً)، وأنه سيطلب صياغة ورقة مطالب محددة ومحدودة، وقابلة للتحقيق إذا توافرت النيّة لذلك. وسيعرض "اللقاء الديموقراطي" أيضاً بحضور متخصصين لموضوع الخلوي حيث يميل جنبلاط الى "إدارة خاصة لحساب الدولة بعد أن ننتهي من الشركات"، والى "تسنيد عائدات الخلوي". أما في ما يتعلق بالاقتراح الذي قدّمه الرئيس الحريري لجهة إلغاء عدد كبير من الضرائب في مقابل زيادة على ضريبة القيمة المضافة، فإن جنبلاط حذِر ومنفتح في آن حياله، حذِر من الزيادة على القيمة المضافة ومن عدم تركيز الضريبة على الانتاج بدلاً من تركيزها على الاستهلاك، ومن أن "يزمط" أصحاب الثروات.. لكنه في المقابل يؤكد أنه لا يستطيع تحديد موقف منه إلا بعد دراسة، وهو سيدرسه جدياً من منظور التخفيف عن كاهل ذوي المداخيل المحدودة.
الحريري و"سرّ" الاتصال
وفي الوقت الذي يبدو جنبلاط مستعداً لخوض غمار الحوار بأشكال مختلفة، ينقل مقرّبون من رئيس مجلس الوزراء عنه أن اتصاله بجنبلاط قبل ظهر الأحد الفائت لم يكن "حركوشة" بالمعنى التبسيطي للكلمة. فالرئيس الحريري الذي يتهيأ للنقاش في مختلف جوانب ملف الكهرباء في الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء اليوم، ويريد طرح مشكلة التأخير الحاصل في تركيب أعمدة التوتر العالي في غير منطقة وعددها أحد عشر عموداً لربط لبنان بالشبكة السداسية الأمر الذي إذا حصل يخفف من كلفة الطاقة... أراد باتصاله بجنبلاط أن يكون الاتفاق بينهما على إنهاء هذه المشكلة في مناطق من الجبل، حاصلاً قبل جلسة مجلس الوزراء ليستند اليه في المطالبة بتسهيل الموضوع في مناطق أخرى.
لكن الحريري الذي "يفسّر" المقرّبون منه "سرّ" الاتصال، ليس منزعجاً في المقابل من تفسير ذلك على أنه مدخل الى حوار. وفي هذا المجال، يؤكد المقرّبون أن الحريري اعتبر في مناسبات كثيرة أن "معظم" مطالب جنبلاط محقة، لكنه في الوقت نفسه اعتبر أن شطراً منها اشكالي مع غيره، ومع ذلك فإنه على استعداد للمناقشة في المعالجات وكيفية الوصول اليها.
اقتراح الحريري: إلغاء سلّة ضريبية
وسلّة رسوم جمركية
هذا بالنسبة الى المطالب المتعلقة بالجبل والتي لا تنحصر فيه كما يقول جنبلاط. أما بالنسبة الى "الشأن الاجتماعي" فيلفت المقرّبون من الرئيس الحريري الى أن اقتراحه الأخير ينطلق تماماً من النقطة التي يتوخاها جنبلاط أي تخفيف الأعباء على ذوي الدخل المحدود، ويؤكدون أن الاقتراح يتضمن إلغاء سلّة واسعة من الضرائب الى جانب إلغاء سلّة واسعة من الرسوم الجمركية بشكل أساسي على المواد الغذائية والاستهلاكية، وأن رئيس الحكومة الذي يصرّ على اعتبار ما يطرحه مجرد اقتراح، يأمل بطبيعة الحال أن يدرسه الجميع بعناية، لأنه يتحسّس الضائقة ولا يكابر في الاعتراف بوجودها.
"التوازن الانتقادي"
وإذا كان واضحاً ممّا تقدّم أن اتصال الحريري بجنبلاط الأحد الماضي فتح نافذة فعلية على الحوار الذي ينتظر خلال الأيام القليلة المقبلة أن تتضح صيغه وآلياته، فإن الظرف السياسي المحلي يوفر بدوره فرصة مؤاتية. ذلك أنه إذا كان معلوماً أن الخلاف الذي نشأ بينهما لم يكن ممكناً لأحد توظيفه لصالحه، أو وضع موقف جنبلاط في خانته، فمعلوم أن الزعيم الاشتراكي الذي أكد مراراً وقوفه على مسافات من الصراعات والتجاذبات ضمن السلطة، بات أميل في هذه الأيام الى توكيد "توازنه الانتقادي" حيال أطراف السلطة، لأن ثمة ما يُنتقد الحريري بسببه، لكن ثمة ما يُنتقد آخرون بسببه أيضاً، كما يحرص على القول، وهو الأمر الذي لن تتأخر ترجمته العملية كثيراً.
من المبكر القول إن ثمة صفحة جديدة، لكن ليس مبكراً اعتبار أن في الأفق انفراجاً معيناً في العلاقة الحريرية ـ الجنبلاطية، سيبقى جنبلاط محتفظاً في إطارها بـ"كامل" خصوصياته، بما في ذلك انتقاداته لجوانب عدة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00