8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" يختبر "الضعف" الأميركي في العراق والإسرائيلي في فلسطين

السؤال المطروح اليوم بعد ثلاثة أيّام من التوتر الحاد في الجنوب هو الآتي: ماذا حقّق "حزب الله" سياسياً من خلال المواجهة مع اسرائيل في هذه اللحظة الاقليمية بالتحديد؟.
وقبل الإجابة عن هذا السؤال على نحو مباشر، يفيد التذكير بأن "حزب الله" عندما ينفي وجود رابط بين العملية في مزارع شبعا يوم الجمعة الماضي وما تلاها يومي السبت والأحد الماضيين من قيامه بالتصدّي للطائرات الحربية الاسرائيلية، وبين اغتيال الشهيد علي حسين صالح بواسطة عملية أمنية اسرائيلية في الضاحية الجنوبية، فإنه ("حزب الله") يكشف في حقيقة الأمر عن توجه كان قائماً لديه باختراق "الستاتيكو" الذي ساد في جنوب لبنان طيلة سبعة أشهر منذ بداية العام الجاري، وذلك قبل اغتيال صالح، علماً بأن هذا الاغتيال شكّل "نقطة التحوّل" التي أطلقت "حزب الله" من "قمقمه" من جديد.
إعتبر "حزب الله" قبل "عملية الضاحية" لكن بعدها أساساً، ان اسرائيل تحاول الاستفادة إلى الحد الأقصى من التوازن الضاغط على العرب عموماً وسوريا ولبنان خصوصاً، الذي أفرزته الحرب الأميركية على العراق، ذلك ان اسرائيل تصرّفت ولا سيما بعد هذا "التطوّر العراقي" على أساس ان الهدوء في الجنوب انتصار استراتيجي لها أملته نتيجة الضغوط التي تركّزت على سوريا ولبنان.
خيار المقاومة.. بعد المتغيّرات في العراق
كان الحزب بحاجة إذاً، قبل العملية الاسرائيلية في الضاحية إلى تأكيد ان كل المتغيّرات بعد الحرب على العراق التي اعتبرت مفصلاً استراتيجياً له ما بعده، لم تصب خيار المقاومة وهو ينطلق من تقدير ان ما هُزم في العراق وسقط هناك هو "خيار النظام" أو "خيار الأنظمة" وليس "مقاومة الشعب"، وكان الحرص لدى الحزب على تقديم البرهان بأن هذه المتغيّرات لم تُصب المشروع المقاوم، حرصاً كبيراً.. إلى أن أتى من عِلم الله اغتيال الكادر الرئيسي في الحزب فشكّل المسوّغ لردّ يتجاوز الثأر لاستشهاده، فحصل ما يؤمن الحزب به من ان "الظروف قد تبدو مطبقة في لحظة معينة، لكنها تعود وتفتح بإذن الله وعونه" كما يقول مسؤول قيادي.
ويستوي المسؤول في قعدته ليقول: "سمعنا وقرأنا تحليلات كثيرة تحدّثت عن المأزق الذي يعيشه"حزب الله"ورأت ان خطاب الأمين العام السيد حسن نصرالله في جبشيت تعبير عن هذا المأزق المزعوم". ولا يخفى ان في قول هذا المسؤول ما يشير إلى انزعاج خلال الفترة السابقة حيث كانت هذه التحليلات تأتي فيما الحزب يفكر جدّياً في العودة إلى وضع ما قبل الحرب الأميركية على العراق.
غني عن القول إذاً ان العمليات الأخيرة لـ"حزب الله" انما تعكس قراراً سياسياً باختراق "الستاتيكو" للعودة بالوضع في المزارع إلى ما قبل المفصل الذي مثّلته الحرب الأميركية على العراق.
قراءة اللحظة الاقليمية
لكن ما ينبغي تسليط الضوء عليه يتعلق بالظروف التي قرأ "حزب الله" انها "تسمح" له بالإقدام على تنفيذ قراره بالعودة إلى ما قبل الحرب على العراق، مع تنحية الكلام عن "الظروف الميدانية" الذي يستهلكه قادة الحزب ومسؤولوه جانباً.
أولاً ـ في قراءة الحزب ان الولايات المتحدة تعيش مأزقاً حقيقياً في العراق "امام مقاومة حقيقية تكبّد أميركا خسائر يومية فادحة". وفي قراءته ايضاً ان هذا المأزق بدأ ينعكس داخل الولايات المتحدة وعلى الاقتصاد الأميركي، ولا سيما ان الإدارة لم تحقق إنجازاً سياسياً ولا هي قادرة على الوعد بإنجاز قريب، ولا هي تستطيع نفي حتى الخلل في العلاقة بينها وبين "مجلس الحكم الانتقالي" في بغداد.
ثانياً ـ وفي امتداد قراءته لما يصفه بـ"المأزق" الأميركي في العراق، يلاحظ "حزب الله" ان الولايات المتحدة إذ تحاول القفز فوق مصالح دول جوار العراق في العراق، إنما تصطدم بجدار المصالح هذه (ما يتعلق بإيران وتركيا.. وسوريا ايضاً).
ثالثاً ـ ويسجّل "حزب الله" واقع العلاقات المتوترة بين واشنطن وعدد من دول المنطقة سواء على خلفية الوضع في العراق أو على خلفية تداعيات أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، ويشير في هذا المجال إلى ما يراه من علاقات متوترة بين أميركا ومصر وبين أميركا والمملكة العربية السعودية.
رابعاً ـ وفي قراءته للحظة الاقليمية، يضيف "حزب الله" إلى ما يسمّيه "المأزق الأميركي" في العراق، وصول الهدنة التي أعلنتها الفصائل الفلسطينية إلى حافة الانهيار، الأمر الذي سيعني انسداد الأفق السياسي لـ"خارطة الطريق"، وذلك كله في ظل الممارسات الاسرائيلية من ناحية، وعجز الولايات المتحدة عن تقديم أي شيء للفلسطينيين من ناحية ثانية. وأكثر من ذلك، يعتبر الحزب ان الهدف الاسرائيلي الرئيسي من "خارطة الطريق" هو تفكيك المنظمات قبل الوصول إلى طاولة التفاوض حيث لن يكون معروضاً على المفاوض الفلسطيني ما يُذكر، إضافة إلى اقتناع من الحزب بأن دخول أميركا في مرحلة الاستحقاق الرئاسي سوف يزيد من اغلاق أي أفق سياسي.
خامساً ـ بالعلاقة مع المأزقين، في العراق وعلى مستوى "خارطة الطريق"، يبدي "حزب الله" ارتياحاً كبيراً للتقارب المصري ـ السعودي ـ السوري، أو لاستعادة الحياة على هذا المحور، ويرى فيه لوناً من ألوان العودة إلى "موقف عربي حدّ أدنى" سيضاف إلى موقف الممانعة إيرانياً.
هكذا إذاً يستنتج بوضوح ان "حزب الله" قرر اختراق "الستاتيكو" في جنوب لبنان على "رافعة" عملية اغتيال أحد كوادره الرئيسيين، لكن في توقيت سياسي مبني على قراءة ضعف أميركي وإسرائيلي، فاختار "استئناف" العمليات في المزارع ومواصلة التصدّي بالمضادات للخروق الجوية الاسرائيلية على علو منخفض فوق رؤوس سكان المستوطنات، وذلك للعودة إلى ما قبل نتائج الحرب الأميركية على العراق.. أي بالضبط العودة إلى تلازم المسارات المفتوحة في وجه واشنطن وتل أبيب في العراق وفلسطين وجنوب لبنان.
الاختبار
وبالعودة إلى السؤال: ماذا حقق "حزب الله" من المواجهة؟، يبدو ان الجواب واضح تماماً وهو ان الحزب حقق هذه العودة، بيد ان السؤال الذي يلي هو: هل يصمد هذا "الإنجاز"ويتكرس؟.
وهنا، لا بد من القول ان قيادة "حزب الله" كانت تبدو "هادئة" أمس بعد أيّام المواجهة، وفي تقديرها ان الاختبار قد نجح، وإن كانت تحذّر من ردود فعل اسرائيلية. على ان ما يستحق النقاش هو الآتي بالتحديد: لقد قام "حزب الله" باختبار ما يعتقد انه ضعف سياسي أميركي ـ اسرائيلي في لحظة ليس واضحاً فيها ان هذا "الضعف" بمثابة معطى ثابت، وهو قام باختباره في وقت لا شيء يحتّم الاعتقاد بأن واشنطن ستقبل امتحانها على هذا النحو، وهو لجأ إلى هذا الاختبار في وقت ليس مؤكداً ان عدم التصعيد العسكري هو الدليل على توقف الأمور عند حدّ معيّن، بينما لا تقل المعركة السياسية التي تحاول اسرائيل زجّ أميركا والأمم المتحدة فيها خطورة عن التصعيد العسكري إذا أخذ في الاعتبار ان ثمة تكويناً اميركياً متدرجاً لـ"الملف" في وجه سوريا ولبنان.
الاختبار يستحق النقاش في ما يتجاوز اليوم أو اليومين.. وإن كان "حزب الله" يؤكد انه سيتصدّى لأي اعتداء اسرائيلي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00