لا يبدو انّ الانتخابات الفرعيّة في دائرة بعبدا ـ عاليه لملء المقعد الشاغر بوفاة النائب بيار حلو، تغري المعارضة المسيحيّة بمعركة سياسية على الرغم من حاجة هذه المعارضة إلى معركة اختبار في الظرف الحالي.
في الجانب الأوّل من الموضوع أي عدم الإغراء بالمعركة، من الواضع انّ الظروف غير متوافرة في معظمها وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: انّ المرشّح لخلافة النائب الراحل، أي نجله هنري ليس "مرشح السلطة" بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا هو مقدّم حتى الان على هذا الأساس، على اعتبار انّه لا يمكن القول انّ الراحل بيار حلو كان جزءاً عضوياً مكوناً للسلطة بالرغم من مشاركته في عدد من الحكومات. بالتأكيد يلقى هنري حلو دعم أفرقاء في السلطة وقوى من النظام السياسيّ، لكنّ التعامل معه بوصفه مرشحّاً للسلطة سيحتاج إلى الكثير من "العناء" لتقديمه على هذا النحو.
ثانياً: انّ آل حلو في بعبدا (وعاليه) لا يشبهون آل المرّ في دائرة المتن الشمالي، بمعنى انّ الوجه "الاستفزازي" الذي يعنيه النائب ميشال المرّ في المتن، لا مثيل له في بعبدا ـ عاليه، ولا هنري حلو يعتمد على آلة انتخابيّة تجنّد أجهزة السلطة وخدماتها، ولا هو يقتطع لنفسه منطقة نفوذ في هذه الدائرة يسيّجها بما ملكت يداه من امكانات داخل السلطة وخارجها. والحال انّ النائب الراحل بيار حلو كان ينتخب باستمرار عندما ينتخب ليس على اساس "عصبية" معينّة تمثلها عائلته في هذه الدائرة بل على اساس تقاطعات مختلطة معينّة.
ثالثاً: وإضافة الى المعطيين الآنفين، فان "القيادة السياسيّة" لمعركة المعارضة في هذه الدائرة من ضمن عضويّة "لقاء قرنة شهوان"، لا تشبه بدورها القيادة السياسيّة المعارضة في معركة المتن الشمالي والتي مثّلها آنذاك تحالف الرئيس امين الجميل والنائب نسيب لحود، التحالف الذي تحلّقت حوله التيّارات الرئيسيّة في المعارضة. فلا الشيخ ميشال الخوري هو الشيخ أمين (فضلاً عن العلاقة العائليّة بين آل الخوري وآل حلو)، ولا النائب صلاح حنين هو النائب لحود، الأمر الذي يجعل النقيب شكيب قرطباوي ذا الجذور الكتلويّة بحاجة الى استنفار اقصى مشكوك بامكان حصوله، لو هو قرر الترشح أو هو أمل بما يتجاوز تسجيل الموقف.
رابعاً ـ واذا كانت كل الأسباب السابقة كافية في حدّ ذاتها للقول ان معركة للمعارضة في بعبدا ـ عاليه ستكون منقوصة الزخم لأنها لا تستطيع أن تشكل استقطاباً ضد السلطة وضد رمز من رموزها ولا تستطيع ان تشهد منسوباً مرتفعاً من التسييس الذي كانت معركة المتن الشمالي تتيحه... فإن ثمة في بعبدا ـ عاليه نقطة سياسية مهمة وهي ان هذه الدائرة تجبر المعارضة المسيحية على التعامل مع المكونات الأخرى الدرزية والشيعية خاصة، مما سيعني اضطراراً الى تخفيف منسوب التسييس في الخطاب، الأمر الذي سيؤدي تالياً الى ضعف امكان التأسيس لـ"عصبية" في منطقة كانت ولا تزال حتى الآن خارج المدى والمد المارونيين.
لهذه الأسباب مجتمعة مضافاً اليها واقع حال "القرنة"، راهناً وافتقادها الى "ام.تي.في"، من الطبيعي أن يقرّ أركان هذا المعارضة بـ"صعوبة" خيار المعركة، وبـ"صعوبة" خوضها تسجيلاً لنقاط "على" السلطة.
أسباب موجبة للاختبار
في المقابل لا يخفى أن ثمة حاجة لدى المعارضة الى معركة سياسية، وذلك للاعتبارات الرئيسية الآتية:
أ ـ ليس سهلاً على المعارضة التي رفضت منطق التزكية في المتن الشمالي بعد وفاة النائب ألبير مخيبر أن تسلّم بهذا المنطق في بعبدا ـ عاليه، ولا يغيّر من ذلك كثيراً ان الفوز في المتن كان ممكناً ان لم يكن مؤكداً بينما هو في بعبدا ـ عاليه أقلّ امكاناً ان لم يكن متعذراً.
ب ـ على الرغم من "احترام" المعارضة للراحل بيار حلو ونجله هنري "وشعورها" بأنهما لا يستثيران حفيظتها ربما لانتمائهما الى مدرسة "الشيحاوية"، فإنها (المعارضة) حريصة جداً على ألا يبقى التمثيل المسيحي خارج مناطق كسروان وجبيل والمتن، مرتكزاً الى مجرّد اختيار "الآخرين" له، وأن يكون تالياً مرتكزاً الى مصداقيته في البيئة المسيحية نفسها.
أيلول... و"السلطة البديلة"
ج ـ الى ما سبق، وبما ان الانتخابات الفرعية تجري في 14 أيلول المقبل، وبما أن المقدمات السياسية تشي بحسب معلومات المعارضة، بمعارك سياسية متعددة الأبعاد في البلاد، سواء على مستوى السلطة ومواقعها أو لجهة احتدام صراعات بعضها اجتماعي، وبما أن المعلومات التي تملكها تتحدث عن احتمال كبير لتبلور وجهة المعطيات حول لبنان... فإن المعارضة يفيدها أن يحصل اختبار سياسي يبرز الاتجاه الذي ستسلكه علاقة السلطة بالمعارضة، وواقع السلطة ومدى نفوذها، وكل ذلك لتتبيّن على نحو ملموس مواطئ أقدامها.
د ـ ويبقى اعتبار شديد الأهمية بالنسبة الى المعارضة. ففي وقت ترفع شعار "السلطة البديلة"، تستغرب المعارضة الحملة التي يواجهها هذا الشعار، وتشرحُ ان طرحها لـ"السلطة البديلة" مرتكز بصورة رئيسية على اعتبار أن من يفترض أن تضمهم "السلطة البديلة" هم أطراف في المعارضة والموالاة معاً، وبهذا المعنى فليس في الأمر انقلاب، بل سعي الى بلورة تحالف وطني بالتدريج، يتولى قيادة صيغة الطائف ويصوّب مسار الحياة السياسية ويتوجّه نحو التفاهم مع سوريا. واذ تعتبر المعارضة ان شعار "السلطة البديلة" مفهوماً على هذا النحو، لا يتناقض مع ما يطرحه البطريرك نصرالله صفير من ضرورة نشوء "تحالفات وطنية" تخرج الكتل ذات اللون الطائفي من الشرنقة وتجمع الأكثر تمثيلاً في بيئاتهم، تؤكد في الوقت نفسه ان ما تطرحه "تسوية" في صميم اتفاق الطائف وليس انقلاباً عليه.
وبالعودة الى الانتخابات الفرعية في بعبدا ـ عاليه، من المرجّح أن المعارضة ترغب في اختبار "السلطة البديلة" مفهومة على انها لون من "التحالف الوطني" في منطقة انتخابية تشكل أحد أمكنة هذا الاختبار وما يمكن أن يفرزه.
هـ ـ ومن الطبيعي الظن أن خوض المعارضة للانتخابات الفرعية على أبواب أقل من عام من موعد الانتخابات البلدية والاختيارية وأقل من عامين من موعد الانتخابات النيابية، يتيح لها فرصة "بروفة" للاستحقاقين من جهة وفرصة تلمّس الصيغ الأنسب للقوانين الانتخابية.
الاحتمال الأرجح
بين الأسباب التي لا تغري المعارضة بمعركة سياسية بمناسبة الانتخابات الفرعية في بعبدا ـ عاليه، من المرجح أنها تفتقر الى عوامل النجاح، وبين الحاجة الى معركة سياسية تختبر بواسطتها اموراً كثيرة وتتلمّس عبرها آفاق المرحلة المقبلة، يبقى السؤال: كيف ستتصرّف المعارضة المسيحية؟.
وفي الجواب عن هذا السؤال، تبرز احتمالات عدة، فثمة احتمال لأن تقدّم مرشحاً الى الانتخابات لكنها تعرف أنها معرضة للخسارة في وقت لن تستطيع تصعيد المنسوب السياسي الذي اذا اعتمدته أبعدها عن الآخرين. وثمة احتمال لأن تقرّر الاكتفاء بـ"المراقبة" لكنها تعرف أن ذلك ليس خياراً سياسياً حقيقياً، وهناك احتمال آخر بأن تترك التيار الآخر من المعارضة، أي التيار العوني يحرق أصابعه.... بيد أن الاحتمال لمرجّح الذي "يوفّق" بين عدم اغراء المعركة والحاجة اليها تأكيداً للدور... وبأفق المستقبل، هو أن تلعب بـ"أعصاب" المتابعين للانتخابات فتبدو ذاهبة الى المعركة.. لتفرض التعامل معها كقوة رئيسية لا تحسم النتيجة من دونها ولا تكون تزكية هنري الحلو بمعزل عنها فتفرض نفسها قوة ناخبة في منطقة خارج المدى الماروني المباشر.. فتكون بذلك قامت بالاختبار ولم تقع في "فخّه".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.