تكرّر الحديث في الآونة الأخيرة عن أيلول موعداً لاضطراب سياسي على مستوى العلاقات الرئاسية بشكل خاص تنهار معه "الهدنة" القائمة حالياً، ولاضطراب اقتصادي ـ اجتماعي يسمّيه البعض انهياراً ويقول أن الرئيس رفيق الحريري لا يفعل سوى انه يؤجله.
يتكرّر هذا الحديث والرئيس الحريري يرفض التعليق عليه لا علانية ولا في مجالسه الخاصة، بيد ان الموضوع يبقى مطروحاً رغم ذلك.
أوساط سياسية واقتصادية مراقبة تعزو رفض الحريري التعليق على التكهنات بشأن أيلول الى اعتبارين اقتصادي ـ مالي من ناحية وسياسي من ناحية اخرى، بمعنى ان رئيس مجلس الوزراء "ينام" على معطيات مطمئنة بالنسبة اليه ولا يخشى انعكاس التجاذبات السياسية اضطرابات تشيرالتكهنات الآنفة.
اقتصادياً ومالياً، تلفت الأوساط المتابعة في هذا المجال الى جملة عوامل إيجابية رئيسية.
أولاً ـ تطوّر احتياطي مصرف لبنان الى نحو 12 مليار دولار، ما يعني ان الإدارة المالية نأت بالوضع المالي عن تجاذبات المرحلة الماضية، بشكل كامل وتام.
ثانياً ـ ارتفاع التصدير الصناعي بما نسبته 30 في المئة خلال الأشهر الستة الأولى من السنة، مقارنة مع الأشهرالستة الأولى من السنة الماضية.
ثالثاً ـ انخفاض الفوائد على إقراض القطاع الخاص الى حوالى 10 في المئة، وهو مطلب لمستثمري هذا القطاع.
رابعاً ـ نمو السياحة شهرياً خلال الموسم بما نسبته 30 في المئة بالمقارنة مع الشهر المماثل من السنة الماضية التي شهدت ازدهاراً سياحياً في البلاد.
خامساً ـ وإذا أخذ في الاعتبار ان ثمة إعاقات لعملية الخصخصة، وان التسنيد غير مجدٍ في قطاعات مثل الخلوي، فإن التسنيد مجدٍ في قطاع "الريجي"، الأمر الذي إذا حصل يتكامل مع المعطيات الايجابية الآنفة.
وبرأي الأوساط المتابعة في المجال الاقتصادي ـ المالي، فإن مجموع العوامل التي تقدّم ذكرها، تتناقض تناقضاً كلياً مع تكهن البعض بانهيار يضرب له هذا البعض مواعيد اعتباراً من أيلول المقبل.
الضغوط المتوقعة
غير ان الأوساط نفسها تسارع الى القول انه في مقابل هذه الايجابيات، من المفترض ان الرئيس الحريري يتوقع بمناسبة درس موازنة العام 2004، ضغوطاً على الحكومة لزيادة الانفاق، في الوقت الذي يؤكد رئيس مجلس النواب نبيه بري رفضه أي رسوم اضافية ودعوته النواب الى مواجهة الموازنة المقبلة في حال تضمنت زيادات في الرسوم او في الضرائب. وفي تقدير الأوساط ان أي زيادة في الانفاق تعني زيادة العجز، ولذلك فإن المعادلة واضحة، وهي أن لا انفاق لا يقابله إمكان تغطيته. وعلى افتراض لم تقتنع "الطبقة السياسية" بهذه المعادلة بالرغم من وضوحها، أي في حال لم تقتنع بأن زيادة الانفاق تعني مباشرة زيادة العجز، فإن عليها أن تنتبه الى ان من شأن ذلك أن "يصعّب" السيطرة على سرعة نمو الدين. وتلفت الأوساط الى أن ليس من مصلحة أحد، وخصوصاً الحكم أن ينمو الدين من نحو 18 مليار دولار في العام 1998 الى نحو 35 ملياراً في العام 2004، أي ما يوازي الضعف. ومع ذلك تؤكد الأوساط المتابعة اقتصادياً ومالياً أن البلاد ليست ذاهبة الى انهيار كما يعتقد البعض او يروّج او يتمنى، لان المشكلة المطروحة هي السيطرة على سرعة نمو الدين، وهي مسألة لن يدّخر الحريري وسيلة لتحقيقها علماً بأن الأمر كان سيكون أسهل لو ان أحداً لا يضع في حسابه تعقيد هذه المهمة.
والى ذلك، تضيف الأوساط عينها اعتباراً سياسياً الى جملة العوامل الإيجابية التي تتعارض ومقولة "الانهيار" عند البعض. وفي هذا السياق، تلفت الى ان الإطار الاقليمي الذي ارتبطت به "جبهة الجنوب" في مرحلة معينة، ليس نفسه اليوم، خصوصاً في ظل تأكيد جميع المعنيين بالوضع جنوباً أن "فتح" هذه "الجبهة" او "تشغيلها" ليسا واردين في الظروف القائمة والمعروفة.
سياسياً: العرّاف برّي
وفي الانتقال الى المجال السياسي المباشر البحت، تشير الأوساط المتابعة سياسياً الى ان رفض الرئيس الحريري التعليق على التكهنات "المغرضة"، وتصرّفه بهدوء تالياً، يفسّره هو نفسه عبر ما صرّح به منذ أيام قليلة لجهة رفضه "الدخول في الزواريب"، وانصرافه الى الاهتمام بـ"الشأن الاقليمي".
غير ان ما تستند اليه هذه الأوساط، تنقله عن الرئيس برّي في مجلس خاص. وفي هذا الصدد يقول رئيس المجلس "ان تحسناً لافتاً طرأ على علاقة الحريري بدمشق والقيادة السورية"، ويضيف أن "تحسّن العلاقة يعيد لوناً من التوازن الى الوضع السياسي"، ويسارع الى القول أن "المحافظة على التوازن بيد الحريري في شطر رئيسي منها اذا أحسن التصرّف أي اذا لم يأخذ نفساً أكبر من اللازم وبدا متعقّلاً في مقاربته لمعنى استئناف العلاقة بدمشق".
إذاً، في وقت يكتفي رئيس مجلس الوزراء بوصف لقاءيه الأخيرين مع الرئيس بشار الأسد بـ"الإيجابيين جداً"، وينفي أن يكون جرى التطرّق خلالهما الى تفاصيل لبنانية، لا تجد الأوساط المتابعة سياسياً، بداً من الاستعانة بـ"العرّاف" أي الرئيس بري، لتفسير هدوء الحريري سياسياً، إضافة الى امتلاكه معطيات اقتصادية ومالية إيجابية، ورفضه التعليق على التكهنات "الأيلولية" لبعضهم.
إقليمياً
في غضون ذلك، أي بينما يكاد مجلسه يخلو من الحديث في السياسة اللبنانية، "يفلّت" الرئيس الحريري كلاماً في السياسة الإقليمية، اذ بينما يجد الواحد نفسه مضطراً الى الاستعانة بمتابعين بمثابة "خبراء محلّفين" لفكّ بعض الألغاز والسعي الى حل "الكلمات المتقاطعة"، يجد بعض ضالّته إقليمياً. فالحريري يؤكد أن ما يقوله للزعماء الغربيين الذين يلتقيهم، هو أن لا علاقة لسوريا ولبنان بـ"خارطة الطريق" المطروحة للفلسطينيين وإسرائيل، وان سوريا ولبنان لا يمانعان بـ"برنامج" بالنسبة إليهما يسير بالتوازي مع "خارطة الطريق"، برنامج ينطلق من مرجعية القرارات ذات الشأن للبنان وسوريا ويتضمن "آليات" تفعيل العملية السلمية ووصولها الى النتائج الضرورية لجهة الانسحاب الإسرائيلي الكامل الى حدود الرابع من حزيران 1967، ويلفت الى انه يفضّل استخدام مصطلح "برنامج" وليس مصطلح "خارطة طريق"، وهو المصطلح الذي اقترح الملك الأردني عبد الله بن الحسين استخدامه عند حديثه مع المسؤولين الأميركيين عن كيفية الوصول الى إقامة الدولة الفلسطينية.
وتختم الأوساط السياسية والاقتصادية بأن ما تقدّم هو محاولة "استنطاق" لمعطيات يبدو أن الحريري يستند إليها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.