8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هل يطلق نسيب لحود رصاصته على "القرنة"؟

كان معروفاً قبل الآن ان "لقاء قرنة شهوان" فقد الكثير من زخمه وانه "يقاوم" حلّ نفسه. ذلك انه باسم ان "اللقاء" ليس "جبهة" ذات برنامج، تحوّل عملياً الى اجتماع موسمي يُصدر بياناً تجري "المفاصلة" على كلمة من هنا واخرى من هناك فيه، ثم يتفرّق "العشّاق" لينهج كل "تلوين" داخل "القرنة" على ذوقه.
كان ذلك معروفاً.. وكان معروفاً ايضاً ان "لحمته" تقوم على الدفاع عن الذات "ضدّ" السلطة، وان معارك السلطة التي لم تتوقف ضدّه كانت تصنع وحدته ظرفياً ثم يعود بعد ذلك الى حال من التفكك. أمضى "اللقاء" عامه الأول بـ"سلام" من أيلول 2000 الى آب 2001 (مع انه تأسس رسمياً في نيسان 2001)، متحلقاً حول النداء "الشهير" لمجلس المطارنة الموارنة. ثم ضعضعته حملة القمع في 7 آب 2001 لكنه وجد سبيله الى "التماسك" بالرغم من فقدانه الدينامية السياسية فأمضى عامه الثاني من آب 2001 الى حزيران 2002 بشيء من "الحركة" وقليل من "البركة"، الى أن كانت الانتخابات الفرعية في المتن فأطلقته من جديد في رحاب معركة سياسية أحرجت السلطة، ثم كان إقفال "ام.تي.في" فإبطال نيابة كبريال المر، وبعدها لوس انجلس وانطلياس، وهجوم السلطة وحلفائها عليها..
كان كل ذلك معروفاً.. وكان معروفاً ايضاً ان "اللقاء" لم يستعِد المبادرة بعد الذي جرى، فبقي ما دون القدرة على التأسيس لحركة سياسية تتجاوز البيانات الموسمية.
لكن "اللقاء" استمر في صيغته الشكلية، استمر غريزياً تشحنه حاسة الدفاع عن النفس. لكن المفارقة التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة وبعد "اعتداء بتغرين"، هي ان "اللقاء" الذي تعرّض لـ"الاعتداء" لم تسعفه غريزته الدفاعية هذه المرة فلم يعد موجوداً على مستوى البنية وعلى مستوى الرؤية المتماسكة.
نقاط ضعف "القرنة"
لماذا؟
تصرّف الرئيس السابق أمين الجميل بـ"حساسيته" المتنية، فلم يعتبر نفسه معنياً بـ"الاعتداء" ولا بالتضامن مع الهدف المباشر لهذا "الاعتداء" أي النائب نسيب لحود. لم يزر بعبدات للاستنكار، واكتفى بحضور اجتماع "القرنة" بعد أيام ليدمج نفسه بالموقف العام الذي يعرف انه لا يعتبر نفسه مضطراً للدفاع عنه بعد صدوره. وأكثر من ذلك، ثمة من يؤكد ان الابحاث "تحت الطاولة" لا تتوقف بين الجميل والنائب ميشال المرّ، تحضيراً لانتخابات العام 2005، لأن الجميّل يرى نفسه الزعامة المتنية المارونية ولا يرضى فيها شريكاً.
وتصرّف بطرس حرب وجبران تويني على النسق نفسه، مع فارق ان حرب وتويني لهما موقف متحفظ في الأصل عن إدارة المعركة الانتخابية في حزيران 2002 ولم يدعما معركة أمين الجميّل ونسيب لحودآنذاك. وأكثر من ذلك لم يعد خافياً انهما مدّا جسوراً سياسية باتجاه وزير الداخلية الياس المرّ، وسعيا وراء تميّزهما عن "القرنة" بحسابات معينة مشتركة لكليهما ولكل واحد منهما على حدة.
وتعامل دوري شمعون مع "اعتداء بتغرين" بحيادية استحقت تنويه ميشال المرّ، وهو الذي دخل "القرنة" في الأصل على أساسها كونها "لطوة". اما توفيق الهندي فلجأ بعد خروجه من السجن الى "الطأطأة" التي يفسّرها "المتفهمون" على انها "اضطرارية"... و"القوات" اجتهدت للسير بين النقاط وتمرير العواصف، وايجابية "قرنة شهوان" الوحيدة هي انها أبرزت قيادياً عاقلاً في "القوات" هو جان عزيز. كل ذلك كان معروفاً... فالجميّل وحرب وتويني وشمعون والهندي.. شكّلوا نقاط ضعف "القرنة"، كل لسبب او لأسباب. لكن "القرنة" قاومت نقاط ضعفها ولم تفرُط هيكلياً.
لحود
الى أن جاء دور نسيب لحود.
يحق للنائب لحود ألا يكون مرتاحاً الى سلوك أمين الجميّل ومناوراته متنياً، ويحق له أن يتحسّب لـ"غدرات الزمان" وغدرات "الحلفاء"، ويحق له أن يلبس "الدروع الواقية" وأن يتجنّب الأفخاخ.
ويحق للحود وهو أكثر المعارضين هيبة على الصعيد اللبناني العام، أن يكون واعياً لإشكالية موقعه السياسي، بين سعيه الى تأكيد البعد "اللبناني" لمعارضته الأمر الذي يستدعي أقصى الانفتاح وهو ما يبذل جهداً كبيراً في سبيله في إطار "حركة التجدد الديموقراطي" و"المنبر الديموقراطي" والعلاقة بوليد جنبلاط، وبين سعيه الى توكيد موقعه متنياً ما يتطلب منه استخدام أدوات من "حواضر البيت".
ويحق له وهو أكثر المعارضين "دقّة" في صوغ معادلة العلاقة بسوريا، أن يكون غير مرتاح الى "الحُرم السوري" الذي تفرضه مقتضيات العلاقة بين دمشق والحكم الذي يعيّن نسيب لحود عدواً رقم واحد.
لكن أداء نسيب لحود بعد "اعتداء بتغرين" يشكو من ثغرات... أهمها بيانه الأخير أول من أمس. ففي هذا البيان إعلان "تسليم للسلاح" ليس من زاوية تنويهه بإدانة الرئيس بشار الأسد لـ"الاعتداء"، لكن من زاوية تسليمه بأن إجراءات الدولة حيال الاعتداء تسير في الطريق الصحيح. فما كانت حركة الاعتراض على ما جرى في بتغرين تستحق هذه النهاية، ولوكانت هذه هي النهاية المنشودة لكان من الأفضل الإقرار بإيجابيات الإجراءات منذ أن أعلنها وزير الداخلية يوم السبت الماضي، ولكان من الأفضل عدم عقد مؤتمر صحافي ثانٍ يوم الأحد والمطالبة بإقالة الوزير... ولما كان من الضروري رفض "المخرج" الذي قدّمه وليد جنبلاط عندما زار لحود في مقرّ "التجدّد"... ولكان مجدياً أكثر إقناع المتحمسين له في "القرنة" بالتخفيف من حماسهم يوم اجتمعوا لاتخاذ موقف.
يبدو إذاً أن نسيب لحود الذي يحق له استنتاج انه لم يكن ممكناً او مسموحاً لحركة الاعتراض على "اعتداء بتغرين" أن تتجاوز سقفاً معيناً، لا يحق له في المقابل أن يرفع الغطاء عن المتحمسين في الدفاع عنه، وأن يصدر بياناً فردياً يخالف بيان "الجماعة". لماذا؟ لأن بيانه أول من أمس يأتي في ذروة هجوم معاكس على المعارضة، يهدف الى تفكيكها والى تدفيع نسيب لحود ضمنها الثمن... لا بل يبدو لحود في هذا الإطار كمن ينتقم من "أعدقائه" بالأصدقاء، ويبدو كمن يضع "القرنة" أي فريقها الأكثر حيوية أمام مشكلة كبيرة. فها هو الفريق الأكثر حيوية والمعروف بعلاقته الطيّبة مع البطريرك ولو من غير اتفاق كامل، يخوض معركة الدفاع عن البيان الأخير لـ"القرنة".. معزولاً، سواء كان البيان محقّاً او مخطئاً. فهل يسير نسيب لحود في اتجاه إطلاق الرصاصة الأخيرة على "القرنة".. ولقاء أي مكسب سياسي؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00