بلغت حركة الاعتراض على "اعتداء بتغرين" ذروتها السياسية أمس بالبيان الذي أصدره "لقاء قرنة شهوان" في هذا الخصوص. ولئن اتّسم البيان بنبرة عالية لجهة "تحميل وزير الداخلية المسؤولية (...) واستقالة الحكومة اذا تضامنت معه، وإلاّ إقالة وزير الداخلية (..)"، فإنه بالمعنى السياسي يشكّل عنواناً لإقفال المعركة وليس محطة في معركة مفتوحة.
المفارقة كبيرة بين دلالات الاعتداء من جهة وحجم الاعتراض الذي أثاره من جهة ثانية، بين ما يمثّله من إشارة واضحة إلى ضعف السلطة والقدرة على استغلاله، وبين ما كان يمكن (ويفترض) أن يطرحه ومحدودية الاستنفار السياسي الذي أعقبه...
وفي قراءة لأسباب هذه المفارقة، يتوقف عدد من المتابعين أمام مجموعة من الحيثيّات التي تفسّر التناقض بين الأفق السياسي الذي كان يفترض أن يفتحه الاعتراض على الاعتداء موضوعياً، والحدود المفروضة على الاعتراض واقعياً.
"الستاتيكو"
أولاً ـ يشير المتابعون بداية إلى أن ثمة "ستاتيكو" (مراوحة) مفروضاً على الواقع السياسي اللبناني لا يمكن اختراقه في اللحظة الراهنة ـ المباشرة، وبعض هذا "الستاتيكو" قائم على أنه غير مسموح لفرقاء محليين "اللعب" في موضوع "أكبر منهم" ودفع الأمور بأي اتجاه قبل تبلور معالم المعادلة الإقليمية ـ الدولية حول لبنان، لكن بعضه الآخر وهو نتيجة لما سبق قائم على أن الفرقاء اللبنانيين ليسوا على استعداد لأي "مبادرة" من أي قبيل قبل أن تتّضح المعادلة المذكورة. وعليه، لا يمكن لمعركة سياسية يطاول "رذاذها" معادلة الحكم وتصل إلى أعلى موقع فيه، أن تكون مفتوحة الأفق في ضوء هذه المقدّمات.
ثانياً ـ ان التعبير الأمثل عن تحوّل الاعتراض على "اعتداء بتغرين" من اعتراض جهويّ (متني) ومسيحي، إلى اعتراض "لبناني"، كان يفترض بطبيعة الحال انضمام قوى من خارج النطاق المتني فالمسيحي إلى "المعركة السياسية"، أي قوى من "الصف الإسلامي". والحال انه للاعتبار المشار إليه في الفقرة السابقة ولاعتبار عدم تمكين المعارضة ـ المسيحية غالباً من تحقيق انتصار سياسي ذي معنى في المباشر لكن ذو معنى بالنسبة إلى توازنات المرحلة اللاحقة، اكتفت هذه القوى بتسجيل استنكار "الاعتداء" وبعضها كالنائب وليد جنبلاط عبّر عن تضامن محدود في المدى ومع شخص النائب نسيب لحود فحسب، لتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد: تسجيل "نقطة" ضدّ بعض السلطة، ولجم اندفاعة المعارضة في آن معاً.
إشكاليات "القرنة"
ثالثاً ـ وفي رأي المتابعين أيضاً أن اعتبارات "الستاتيكو" كما اعتبارات عدم قدرة نقل الاعتراض إلى صعيد "لبناني" عام، لا تعفي من التدقيق في واقع حال الإطار المسيحي للاعتراض. وفي هذا المجال يلاحظ المتابعون ان "لقاء القرنة" لم يُبد تضامناً حقيقياً مع نفسه بُعيد "اعتداء بتغرين"، بمعنى أن الناطق باسم الاعتراض بدا انه النائب نسيب لحود وحده حيث انضم إليه في بعبدات عدد من أعضاء "القرنة" وهو الذي عقد مؤتمرين صحافيين، أي أنه لم يبرز اعتراض "مشترك". وإلى ذلك يضاف أن الشركاء في معركة انتخابات المتن الفرعية في حزيران 2002، لم يتصرّفوا كشركاء في مواجهة اعتداء نفذه ضدهم أو ضد أحدهم خصمهم المتني. هكذا لم يحضر الرئيس السابق أمين الجميل للتضامن مع نسيب لحود، ويذهب بعض الروايات إلى أنه كان مزوّداً بـ"خارطة طريق" إلى منزل كبريال المر للوصول إليه من طريق غير تلك التي شهدت الإشكال، كما يذهب بعض الروايات أيضاً إلى حد إعادة الاعتبار لإمكان حصول تحالف بين الجميل والنائب ميشال المرّ، يجري إنضاجه شيئاً فشيئاً.
ويرى المتابعون انه في الإطار المسيحي للاعتراض على "الاعتداء"، لم تبرز مشكلة ضعف تضامن "اللقاء" مع نفسه انطلاقاً من حلقة "الشراكة المتنيّة" فقط، لا بل أمكن بسهولة ملاحظة ان التعبير عن التضامن مع نسيب لحود لم يكن شديد الوضوح على ألسنة أعضاء يعتبرون أنفسهم منافسين رئاسيين للنائب لحود، من غير نسيان عدم قطع بعض الأعضاء الآخرين "شعرة معاوية" مع بعض السلطة الذي يمثل هدفاً للاعتراض. ويضيفون أن بيان "القرنة" أمس جاءت نبرته عالية حيال "اعتداء بتغرين" لأن فريقاً كان يريد هذه النبرة، فيما فريق آخر من الذين لم يعبّروا بوضوح عن اعتراضهم قبل الاجتماع، قبل النبرة العالية وهو يعتبر في قرارة نفسه ان هذه النبرة هي نهاية المطاف.
لا انتصار لبعض السلطة
لكل هذه الأسباب: "الستاتيكو" بالعلاقة مع الواقع الانتظاري لمجمل القوى، وانسداد أفق "لبننة" الاعتراض، وإشكاليات الإطار المسيحي للاعتراض، يرى المتابعون أن النتيجة هي عدم انفتاح أفق معركة سياسية وتأكيد "الستاتيكو".
بيد أن المتابعين إذ يشدّدون على الملاحظات الآنفة، يسارعون إلى لفت النظر باتجاه نقطة رئيسية، وهي أن وصول حركة الاعتراض على "اعتداء بتغرين" إلى "الذروة" مفهومة على أنها "طريق مسدود" في هذه الحالة، لا يعني انتصاراً للسلطة وبعضها بشكل خاص. فإذا ما وضع جانباً ما يعنيه الاعتداء بالنسبة إلى المستقبل السياسي للنائب ميشال المرّ أو لولده وزير الداخلية الياس المرّ، فإن بعض السلطة لا يستطيع أن يبني على عدم انضمام قوى إلى حركة الاعتراض، استنتاجاً بأن مَن لم يسِر مع المعارضة هو حليفه سياسياً.
أما بالنسبة إلى المعارضة، معارضة "قرنة شهوان" خصوصاً، فإن ما أبرزته من وهن على مستوى العلاقة بين أعضائها، ومن كثرة في الإشكاليات، من شأنه أن يشجّع بعض السلطة على استئناف الهجوم عليها لتفكيكها. وبكلام آخر، ان اضطرار حركة الاعتراض للتوقّف عند حدّ معيّن، سيدفع بعض السلطة إلى الانتقال إلى "هجوم معاكس" برأي المتابعين الذين يضيفون أنّ المعارضة ستكون في الفترة المقبلة أمام تحدّي الاستمرار وعنوانه الرئيسي القدرة على مجاراة ما يطرحه البطريرك نصر الله بطرس صفير لجهة "التحالفات الوطنية" التي تعلو أولوية تحقيقها على أي شيء آخر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.