لم يبدُ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مقتنعاً خلال اليومين الماضيين بأن ما حصل في بتغرين نهاية الأسبوع الفائت يقدّم فرصة لمعركة سياسية تتجاوز حدود استنكار ما جرى والتضامن مع المستهدف من الاعتداء أي النائب نسيب لحود، معركة "تستغل" لحظة ضعف للسلطة وتبني عليها، علماً بأنه مع المستهدف في موقع واحد "ضدّ" النائب ميشال المرّ.
ويقول جنبلاط في هذا المجال كلاماً استنكارياً عالياً، لكنه في المقابل لا يبدي حماسة لما هو أكثر من التضامن مع النائب لحود تحديداً وفي مقرّ "حركة التجدد الديموقراطي" بالذات. وبشيء من السخرية يقول "أعطى ميشال المرّ المعارضة وقرنة شهوان هدية مجانية"، قبل أن يضيف "لا أرغب بإضافة نفسي الى تحرّك سياسي يكون الى جانبي فيه أمين الجميّل او دوري شمعون او آخرون".
لا يخفى على المستمع الى جنبلاط انه يعبّر عن إشكالية تحكم علاقته بعدد من المعارضين ولها أسبابها، كما من الواضح انه يكرّر في هذا السياق موقفه الرافض لـ"التأطير" الراهن للمعارضة وتفضيله علاقات "حرّة" مع معارضين يرى ان بإمكانه التفاهم معهم بنسبة معيّنة من خارج أي إطار. بيد ان ما يمكن استنتاجه عموماً هو ان جنبلاط يعتبر ان البلد منحكم الآن ولفترة من الزمن الى "ستاتيكو" سياسي، ليس في وارد المبادرة الى "كسره" واختراقه.
بين اقتناعه بالتضامن مع نسيب لحود ورغبته في إبراز هذا التضامن من ناحية وبين عدم استعداده للمبادرة الى كسر "الستاتيكو" من ناحية ثانية، وجد الزعيم الاشتراكي طريقاً ثالثاً. وفي هذا الإطار، يوضح جنبلاط انه "اختار" العلاقة مع عدد من "المعارضين الأصدقاء" ممن يمكن إيجاد "قواسم مشتركة" معهم والتفاهم على احتفاظ كل واحد بما يختلف به عن الآخر لنفسه.
من هنا، كان اللقاء الذي جمع جنبلاط الأسبوع الماضي بلحود وقيادة "حركة التجدّد" وبأركان "المنبر الديموقراطي"، وبسمير فرنجية عضو "لقاء قرنة شهوان"، الى مائدة عضو "التجدّد" المهندس عاصم سلام. وقد تمّ في هذا الاجتماع تشكيل لجنة متابعة كما صار معروفاً.
التوجه المعطى لـ"لجنة المتابعة"
وبعد هذا اللقاء الذي اتّسم بـ"الودّ" و"الصراحة" في البحث، بقيَ جنبلاط متأنيّاً في خطواته بما في ذلك وجهة التعامل مع "لجنة المتابعة". لكنّه حسَم الموقف في اليومين الماضيين وأعطى موافقته على صياغة ورقة عمل تتضمّن "المشترك". وفي "المشترك" العنوان المطلبيّ الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ الانمائي ـ الخدماتي، وعنوان الحريات والعنوان المتّصل بقانون الانتخاب، وذلك بشكل أساسي.
ومن التوجهات هذه، يتّضح أن ثمة اتفاقاً بين جنبلاط و"المعارضين الأصدقاء" على ألا تصوّب سهام الاعتراض على موقع بذاته في "السلطة"، أي على عدم تمكين أيّ فريق في "السلطة" من توظيف المعارضة لصالحه سياسياً، وعلى أخذ مسافة مما يسمّيه جنبلاط والمعارضون الآخرون "الصراع ضمن السلطة". وبكلام آخر، تلمّس جنبلاط "الطريق الثالث" ليس بصياغة برنامج عام كان سيستلزم اتفاقاً أوسع ليس ممكناً الآن على الأقل، وهو ما وافقه عليه "المعارضون الأصدقاء". ولمزيد من الإيضاح، يقول أعضاء في "لجنة المتابعة"، ان التركيز على الشأن الاقتصادي والاجتماعي فقط كان سيبدو موجهاً ضد الرئيس رفيق الحريري، الأمر الذي كان سيسمُ المعارضة بأنها تشغل خانة ضد الحريري، في حين أن المعارضة ترى نفسها في مواجهة أطراف السلطة كل في موقعه ومجاله.
هذا عن "المشترك" الذي من الواضح أنه لا يلغي خصوصية جنبلاط في المواقف وفي صيغة التعبير.
في هذا المجال، يدأب النائب جنبلاط في الآونة الأخيرة على إبداء خوفه مما يسمّيه "الانهيار"، ويقول إن الرئيس الحريري "يؤخره"، لكنه يلفت الى أنه لا يستبعد حصوله، طالباً "أن يُشرح لنا كيفية منعه من الحصول في ظلّ ارتفاع الدين العام".
ومن ذلك، ينتقل جنبلاط الى الحديث عن الوضع الاقليمي العام. ويطرح في هذا الإطار عنوانين بارزين: المقاومة في العراق و"خارطة الطريق".
العراق وفلسطين و"حزب الله"
في المسألة العراقية، يدعو جنبلاط الى "ملاحظة" التطوّر في حضور "المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي"، ويسجّل عدم صحّة نسبة المقاومة الى جماعات موالية للنظام السابق حيث في تقديره ان هذه الجماعات لا تمثّل سوى 10 في المئة فقط، ويلفت الى أن "المقاومة السنيّة تكبر وإن بدأت سنيّة كرديّة ستغدو عربية بنسبة كبيرة"، ويشير الى أن "الشيعة في العراق يتّجهون نحو العمل المقاوم"، ويتكلّم على "حركة مقتدى الصدر". وفي النتيجة يعتبر جنبلاط أن الولايات المتحدة تتجه الى نوع من "الورطة العراقية".
على أن رئيس "التقدّمي" يسارع الى إثارة موضوع يبدو في الظاهر غير متّصل مباشرة بما سبقه. فهو يلاحظ أن العراق شهد مع الحرب ونتائجها انهياراً كاملاً لـ"الدولة" في هذا البلد، الأمر الذي يدعو الى الاهتمام بدراسته. وفي معرض المقارنة مع لبنان يسجّل جنبلاط ان الحرب لم تأتِ هنا على كلّ ما يمتّ بصلة الى "الدولة" إذ بقي ثمة مظاهر لوجود هذا الكيان، ويصل من ذلك الى استنتاج أن الوضع اللبناني على الرغم مما اعتراه ويعتريه "أقوى" من الوضع العراقي، الأمر الذي يراه مثيراً للاهتمام أيضاً.
الحرص على عدم طمس الخلاف
وفي وقت لا يبدو جنبلاط مغادراً لقناعته بأن "خارطة الطريق" عنوان تصفية للقضية الفلسطينية، وبأنها حتى في حدود ما "تقدّمه" للفلسطينيين غير قابلة للتطبيق في ظل السياسة الإسرائيلية و"ضعف أبو مازن"، يحرص انطلاقاً من قراءته لـ"المساحة النضالية" التي لا تزال برأيه قائمة متغذيّة من تناقضات السياسة الأميركية، على توجيه إشارة بالغة الإيجابية الى "حزب الله" الذي يرى جنبلاط أن "المستقبل أمامه".
إذاً، من الواضح ان جنبلاط الذي يتّجه الى بلورة "مشتركات" مع "المعارضين الأصدقاء"، حريص تماماً على استخدام حقّه كاملاً غير منقوص في التعبير عن الاختلاف، ليس فقط من زاوية إبراز "التميّز" لكن من زاوية ردّ ما يطلبه الآخرون من "تكيّف" مع المرحلة وتوازناتها. ووليد جنبلاط مصمّم على عدم إبقاء أي "التباس" حتى مع "الأصدقاء" في هذا المضمار، وهو ما يرحب به "الأصدقاء" كي يمارسوا "الاختلاف" بدورهم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.