خلال الأيّام الأخيرة، وتحديداً منذ اجتماع "اللقاء الديموقراطي" الاثنين الماضي، يمكن القول انّ رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكيّ النائب وليد جنبلاط يسعى إلى إعادة صوغ علاقاته برئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري وبفرقاء الحكم الآخرين من جهة وبالمعارضة عموماً والمعارضة المسيحية خصوصاً من جهة ثانية. وسوف تبيّن القراءة في مواقفه وحركته السياسيّة انّ في ذلك تطوراً مهماً وإن كان الأمر لا يلامسُ حدود "التحوّل" أو "الانعطاف".
فعلى صعيد العلاقة بالرئيس الحريري، وعلى الرغم من استمرار الانقطاع على مستوى الصلة المباشرة بين الرجلين، وعلى الرغم من مواصلته التركيز على انتقاد السياسة الاقتصاديّة والماليّة ونتائجها الانمائيّة والخدماتيّة، الأمر الذي يفسر عادة على أنه ضدّ الحريري، يُلاحظ انّ جنبلاط لم يذهب إلى تصعيد بل على العكس من ذلك اتجه نحو تهدئة من طبيعة خاصّة.
فمهلة الأشهر الثلاثة التي قررّها جنبلاط لتحقيق المطالب الانمائيّة والخدماتيّة لأقضية الشوف وعاليه وبعبدا، هي في وجه أوّل منها مهلة للحكومة كي تعالج المطالب وتحققها، وهي مهلة يبقي جنبلاط خلالها سيف التهديد بالانسحاب من الحكومة قائماً ومصلتاً عليها، غير انّه متى كان معلوماً انّ تحقيق المطالب يستدعي مراجعة لدى الجهات الحكوميّة المعنيّة بها، يصبح معلوماً أيضاً انّ هذه المطالب هي مادة حوار، وأنّ هذا الحوار كي يصل إلى النتائج المطلوبة، لا بدّ من ان يتمّ بين جنبلاط والحريري نفسيهما، ولو بدأ هذا الحوار بـ"الواسطة" أي عبر وزراء أو نواب من كتلة جنبلاط مع رئيس الحكومة.
المهلة.. والحوار
المهلة إذاً هي كما يسمّيها القانونيّون "مهلة حثّ"على انجاز المطالب مع عدم اسقاط جنبلاط لـ"أسلحته" لكن مع تأجيل استخدامها، أي انها مهلة له أيضاًلكنّها
في السياسة لا تعني غير فتح "كوّة" في جدار العلاقة الجنبلاطيّة ـ الحريريّة.
ولا شك في انّ هذا الاستنتاج السياسيّ وهو ما توصّل إليه غير متابع لمجريات الأمور، يفيد انّ ثمة اعتبارات أساسيّة وراءه. الأول هو أنّ الزعيم الاشتراكيّ يقدر انّ نجاح معركته الانمائيّة المتعددة الجوانب لا يتوقف على استجابة الحريري وحده لـ"اللائحة المطلبيّة"، وهو "يكتشف" ويعلن ولو بقليل من الافصاح انّ مشكلات عديدة في البلد يتحمّل مسؤوليتها فريق آخر في الحكم. والاعتبار الثاني هو انّ رئيس "اللقاء الديموقراطي" لا يريد للمعركة الانمائية التي يخوض ان تجيّر لمصلحة فريق في الحكم ضدّ رئيس الحكومة، وذلك في امتداد حرص جنبلاط على ان يكون دائما "ليبيرو" على الملعب السياسيّ. والاعتبار الثالث هو انّ جنبلاط الذي يقود هذه المعركة لتحقيق انجازات انمائية واجتماعيّة لمنطقة نفوذه السياسيّ الرئيسيّة، يعرف انّ حسابات سياسيّة تنتظره بعدها نجحت المعركة أم فشلت، وفي هذه الحسابات لا يستطيع جنبلاط قبول خسارة بيئة اسلاميّة معينة في الوقت الذي لا تنفتح امامه البيئة المسيحية، خصوصاً إذا ما بدا انّ ثمة محاولة من فريق في الحكم لتجيير جنبلاط الى صفّه.
المعارضة
وفي الوقت الذي يبدو فيه واضحاً انّ "الكوّة" التي يفتحها جنبلاط مع الحريري ليست مرشحة بالضرورة لـ"الاتساع" لتصبح العلاقة محكومة بحلف "مقدّس"، وفيما يبدو واضحاً أيضاً انّ علاقة جنبلاط بالحريري ستبقى "اشكاليّة" من جوانب عدّة وتشبه "تخطيط القلب" كما قال الحريري... سجّل في الأيّام الأخيرة انفتاح جنبلاطيّ محدود باتجاه المعارضة المسيحيّة والمعارضة بشكل عام.
فبعد مدّ وجزر، وتحديد موعد ثمّ تأجيله، التقى جنبلاط امس أركاناً في المعارضة، من رئيس "حركة التجدّد الديموقراطي" النائب نسيب لحود الى عضو "لقاء قرنة شهوان" سمير فرنجية إلى النائب السابق حبيب صادق وأركان "المنبر الديموقراطي".
طرحت اثناء "اللقاء" عناوين كثيرة شكلت لها "لجنة متابعة". وهذه النتيجة "اليتيمة" أي تشكيل "لجنة متابعة"، تعني في السياسة انّ الاتفاق لا يزال يحتاج إلى وقت، لكنّها تعني انّ ثمة بداية تواصل.. وأنّ ثمة فتح كوّة هنا أيضاً.
في اجتماع امس، يمكن القول انّ الحاضرين من "قرنة شهوان" و"حركة التجدد" و"المنبر"، ليسوا اطرافا على استعداد لأي نوع من أنواع "التمحور" او "الاصطفاف" في المعركة القائمة والمستمرة على مستوى السلطة في مختلف مواقعها، لكنّ الحاضرين امس يثيرون بمعنى من المعاني "حساسيّة"فريق بعينه في الحكم. وهذه اشارة سياسيّة في حدّ ذاتها، ذلك انّ جنبلاط بقدر ما يبدو حريصاً على عدم اثارة "حساسيّات" من النوع الذي "يلهب" البعض، هو حريص في المقابل على ان تكون له حريّة حركة لا توفرها جهات على اصطفاف معيّن مع هذا او ذاك.
يعرف جنبلاط ويعرف المجتمعون معه أمس انّ في ما بينهم خلافات واختلافات في عدد من القضايا السياسيّة الأساسيّة، وأن في ما بينهم اختلافاً في التعبير السياسيّ بما في ذلك حيال قضايا غير خلافيّة، لكن أهميّة الاجتماع في انّه يفتح الجسور ويطلق النقاش، وليس مجرد مناسبة اجتماعيّة.
ومن خلال هذين التطورين: الكوّة مع الحريري والكوّة مع المعارضة.. المسيحية خاصّة، لا يفعل جنبلاط بتقدير المراقبين، سوى انّه "يبدأ" في وضع القطار على السكة الصحيحة من جديد، كما كان دأبه دائماً.. والسبب في قول ذلك بسيط وهو ان موقع جنبلاط على تماس مع المواقع الاكثر تمثيلا لبيئاتها، وهو انّ التواصل مع هذه المواقع هو الضمانة السياسيـّة الأبرز للبلاد.. اضافة الى حقيقة ان لا "مكان" لجنبلاط مع "آخرين"، وأنّ كافة المعطيات محلياً وإقليميّاً ودوليـّاً تفرضُ ذلك.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.