8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كتل متنافرة تحت سقف رفض التمديد.. والأكثر جدية الباحثون عن الشريك المسلم

اذا كان لبنان السياسي في معظمه يتابع مجريات العلاقة السورية ـ الأميركية ويحاول استكشاف مآلها "الأخير"، فان تيارات المعارضة المسيحية لا تبدي حيال هذا الأمر رد فعل موحداً ولا تبني على تقدير واحد أو قراءة واحدة.
تتفق تيارات هذه المعارضة على نقطة واحدة، وهي أن ثمة تغييراً على صعيد العلاقة بين دمشق وواشنطن، وان هذا التغيير سوف ينعكس في لبنان لجهة حجم الدور والنفوذ السوريين. لكنها تنقسم بعد ذلك حول تقديرات مختلفة: هل العلاقة السورية ـ الأميركية ذاهبة الى "كسر" أم انها ذاهبة الى تسوية ما، وما هي تلك التسوية، وهل تتضمن حفظاً للنفوذ السوري أم تسوية تغطي المعطيات الواقعية أو تؤمن لسوريا "مخرجاً لائقاً"؟.
واذا أخذت المعارضة بتيّاريها الرئيسيين: تيار العماد ميشال عون من ناحية وتيار "قرنة شهوان" من ناحية ثانية، ماذا يمكن أن يقال على هذا الصعيد؟
عون
من الواضح ان العماد عون "يراهن" على إخراج أميركي لسوريا من لبنان بما في ذلك بـ "القوة"، وعون لا يخفي رهانه هذا وقد أعلن بوضوح قبل أيام أنه "لا يخجل من العمل مع أميركا على هذا الموضوع"، وذلك إضافة الى ما بات معروفاً عن علاقته بـ "قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان".
من نافل القول اذاً ان عون على اعتقاد ان العلاقة السورية ـ الأميركية تنحو باتجاه "الكسر". غير ان تسجيل هذه الخلاصة لا ينهي البحث، لأن لهذه الخلاصة تداعيات سياسية أبرزها أن "الجنرال" الذي لا شركاء سياسيين له في البلد مسلمين أو مسيحيين والذي لم يراجع موقفه من اتفاق "الطائف"، يبدو ذا توجه "انقلابي"، بمعنى أنه يستند الى انقلاب المعادلة ويؤسس عليه ولا يبدو مهتماً بمخاطر انقلاب المعادلة أو بضرورة صوغ معادلة بديلة لبنانية ـ لبنانية ولبنانية ـ سورية.
"قرنة شهوان"
لكن ماذا عن "قرنة شهوان"؟
في "الظاهر" يبدو أن لـ "لقاء القرنة" اذا أخذ في الاعتبار ما يدلي به الأكثر نشاطاً من بين أعضائه، موقفاً يرى التأزم في العلاقة السورية ـ الأميركية ويبني على ذلك إعلاناً برفض الرهان على أميركا ضد سوريا، وهو تحت عنوان "المرحلة الانتقالية" يدعو الى تسوية بين اللبنانيين وأخرى بين لبنان وسوريا في ضوء اختلال المعادلة السورية ـ الأميركية في لبنان.
كتل "القرنة"
لكن في ما يتجاوز "الظاهر"، يمكن القول إن في "قرنة شهوان" تلاوين "متنافرة". فالرئيس أمين الجميل مثلاً وسّع "نشاطه" و"حركته" قبل بضعة أشهر على ايقاع الحرب الأميركية على العراق. وبصرف النظر عن "الأدوار" التي تنسب له أو ينسبها لنفسه، فانه ليس خافياً أنه وثّق الربط بينه وبين الادارة الأميركية ممثلة بأبرز صقورها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. ومع أن الجميل لا يكشف ما يسعى اليه، فمن الواضح أنه يبني "حيطان دعم" على خلفية أن العلاقة السورية ـ الأميركية لن تتجدد في ما يتصل بلبنان.. هذا على الأقل ما يعتقده كثيرون. بيد أن الاختلاف بينه وبين عون حيث يبدو الجميل مراهناً على "مناخ" الكسر في العلاقة بين بين دمشق وواشنطن لتغيير التوازن المحلي وليس على فعل قوة اميركي، لا يلغي (الاختلاف) أوجه شبه بينهما لا سيما على صعيد "النقزة" التي يثيرها في الوسطين الاسلامي والمسيحي ولو بتفاوت.
ويمكن تسجيل "كمون" دوري شمعون وإعطاؤه شتى التفسيرات. ويمكن السعي الى معرفة موقف "القوات" التي يتفاوت خطابها بين من هو "أكثر تنوراً" ومن هو أقل تنوراً.. في انتظار معرفة موقف سمير جعجع، علماً انه يمكن افتراض أن يكون لدى "القوات" رهان على أن تسفر الأوضاع عن اطلاق قائدها من السجن... لتبدأ بعد ذلك "مشكلتها" في علاقاتها بالبيئتين المسيحية والاسلامية على حد سواء، و"مشكلتها" في القدرة على إعادة تأهيل نفسها سياسياً، ليس عبر مظلة "القرنة".
وبعد ذلك، يبرز النائب بطرس حرب الذي لا يخفي اعتقاده أن الأفق المرجح للعلاقة السورية ـ الأميركية هو تسوية معينة، وأنه في ضوء ذلك يجب التحرك داخلياً، وهو لا يكشف المزيد وإن كان مستمراً في قلب معظم المحاولات لتشكيل اطر سياسية تتسم في الغالب بمعارضة الحكومة. ويمكن الجزم بأن لبطرس حرب اقراناً في "القرنة" يرون ايضاً ان "الطائف" هو الحل.
وثمة فريق متكون من النائبين فارس سعيد ومنصور البون وسمير فرنجية وسمير عبد الملك وسيمون كرم وشكيب قرطباوي، يعلن أنه بعيداً من الضغوط الأميركية على سوريا وما يمكن أن تسفر عنه، لا مصلحة للبنان الا بتسوية مع سوريا حول أفضل العلاقات، ويقول إنه في ظل استمرار تعثر امكانات الحوار في وقت يجري الجميع حساباته ويخشى من كشف "تفكيره"، يستحسن قيام حكومة انتقالية تضم القوى الأكثر تمثيلاً في بيئاتها وتشرف على انتقال طبيعي للبلد من مرحلة الى أخرى يكون "الطائف" عنوانها الوحيد.
من هذا العرض للتلاوين ضمن "قرنة شهوان"، يستنتج ان "اللقاء" الذي لا تزال لحمته دفاعه عن وجوده في وجه "السلطة"، لا يمثل معارضة تقوم على قراءة واحدة، وبعض المواقف يؤخذ على ألسنة أصحابها وبعضهما الآخر يسهل استقراؤه.
غير أن "اللوحة" لا تكتمل الا بالتوقف عند ما ينقل عن البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير بوصفه مرجعية مسيحية ـ وطنية وليس بوصفه معارضة بطبيعة الحال. وما ينقل عن البطريرك يفيد انه على موقفه القائل بتصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية وبعدم ركوب أي موجة خارجية، كما يقول بضرورة برهنة اللبنانيين عن قدرتهم على حكم انفسهم بأنفسهم، الأمر الذي يقتضي قيام تحالفات وطنية، ويتمسك بالطائف وبالدستور مصراً على أن تعديله مرفوض قبل وضعه موضع التطبيق الأمين... معتبراً أن المرحلة تبين الحاجة الى علاقات مسيحية ـ اسلامية وطيدة.
الاستحقاق الرئاسي
ليس المطلوب تسجيل من هم الأقرب الى البطريرك ضمن "قرنة شهوان"، وإن كان ذلك أمراً متيسراً. لكن المقصود أن المعارضة المسيحية بتياريها "العوني" و"القرنوي" غير موحدة الأهداف حتى ضمن الإطار الواحد.
ويسحب ذلك نفسه على الاستحقاق الرئاسي. فبينما يمكن القول من دون تردد ان معظمها إن لم نقل كلها ضد التمديد، لا يمكن القول في المقابل ان لها مقاربة واحدة للاستحقاق، وبطبيعة الحال ليس لها مرشح واحد. فاذا وضع العماد عون جانباً لاعتبار أنه لا يعترف بشرعية السلطة أصلاً فضلاً عن قراءته المشار اليها آنفاً، ففي "لقاء القرنة" ثمة عدة مرشحين. ومن غير تسمية، من الواضح أن بعض المرشحين يؤسس على احتمال التسوية السورية ـ الأميركية بصيغتها الجديدة، وان بعضهم الآخر يبني على انتفاء هذه التسوية. ويبقى الفريق المقرب من بكركي ضمن المعارضة الذي على الأرجح لن يكون له مرشحه، وهو يسعى الى انتاج المرشح مع القوى الأخرى في البلد، بحيث يكون وصوله الى الرئاسة ضمانة للجميع، ولا يخفى ان هذا الفريق "ينشّن" على استحقاق الـ 2010، وسنّ بعض اعضائه تحتمل الانتظار.
خلاصة القول، إن البحث في المعارضة المسيحية لا يعفي من البحث في قوى أخرى، لكن الاطلالة على هذا الموضوع بالذات تهدف الى التأشير ليس فقط على أهمية البطريرك موقعاً ودوراً وخطاباً، بل الى عدم أخذ المعارضة "كتلة" واحدة والتعاطي مع التلاوين الأكثر واقعية ضمنها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00