8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سقف جنبلاط في النظام هو أصل المشكلة وليس التقسيم الانتخابي أو الإنماء

في الاجتماع الأخير للجنة الإدارة والعدل النيابيّة يوم الأربعاء الماضي، حضر نوّاب "اللقاء الديموقراطي" من أعضاء اللجنة متأهبين لـ "إحباط" مشروع انشاء محافظة جديدة في كسروان ـ جبيل، يُستشفّ منه مشروعٌ لتقسيم الدوائر الانتخابيّة في الجبل. شارك الرئيس رفيق الحريري في بداية الاجتماع لمناقشة بند آخر على جدول الأعمال، وقبل الوصول الى بند المحافظة همّ بالخروج من الجلسة.
"انتبَه" النائب باسم السبع عضو "اللقاء الديموقراطي" والقريب من الرئيس الحريري في آن. سأل النائب وليد عيدو الذي كان حاضرا الاجتماع عن موقف كتلة "قرار بيروت" من المحافظة الجديدة، فأجابه عيدو، بما معناه ان ليس لدى نواب الكتلة توجّه محدّد سواء أقرت المحافظة او لم تقرّ. ادرك النائب السبع انّ في الامر "إنّ" وانّ الموضوع قد يشكل سبباً إضافياً في صبّ الزيت على نار الأزمة بين الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكيّ النائب وليد جنبلاط الذي يرفض المحافظة الجديدة و "يقاتل" ضدّها.
كان الحريري على وشك مغادرة مقر المجلس النيابي عندما لحق به السبع على وجه السرعة ليستوقفه ودار بينهما الحوار المختصر الآتي:
السبع: دولة الرئيس، ما الموقف الذي يحمله نواب كتلتك من مشروع انشاء محافظة كسروان ـ جبيل؟
الحريري: محايد، لم ابدِ اهتماماً خاصاً بهذه المسألة.
السبع: ولكن لا يمكن أن يكون الموقف محايداً من مسألة سياسيّة بامتياز تتعلق الى حدّ كبير بالتوازن السياسي في البلد.
الحريري: وهل سعى أحدٌ اليّ لطلب موقفي او دعمي في هذا الموضوع؟
السبع: ها أنا أسعى، والامر مهمّ لي ولوليد جنبلاط، أطلب دعم نواب كتلة "قرار بيروت" لسحب هذا المشروع.
الحريري: "تِكرم".
بعد هذا الحوار المنقول آنفاً على نحو "تقريبي"، دخل نواب "اللقاء الديموقراطي"، ونواب "قرار بيروت" ونواب موالون ومعارضون الى اجتماع لجنة الادارة. أدرك مقدّم المشروع النائب نعمة الله أبي نصر انّ التوازن في الاجتماع ليس في مصلحة "مرور" المشروع، فبادر الى سحبه لإعادة الدرس. والحق يقال أيضاً إن الرئيس نبيه بري من وراء الستارة لم يكن داعية إسراع في بتّ مصير هذه المحافظة مفضلاً مزيداً من التشاور.
هذه الواقعة التي يرويها نوابٌ كانوا شهوداً عليها، تؤكد بطبيعة الحال أهمية دور النائب السبع في ردم الفجوات التي تنشأ في إطار العلاقة الحريرية ـ الجنبلاطية، وهو الذي يتولى في أحيان كثيرة مهمة "الترجمان المحلف" عن وليد جنبلاط عند الحريري... غير ان ما يفيد استخلاصه ولو من هذا المدخل، هو أن الحريري حريص جداً على "المصالح السياسية" للزعيم الاشتراكي ويرفض المس بها أياً يكن ظرف العلاقة بينهما.
المطالب الجنبلاطية المحقة
من هنا تنطلق أوساط سياسية "عاقلة" باتجاه نقاش "الثورة الجنبلاطية" الحالية من مدخليها "الانمائي" و"السياسي"، فتقول إنه من حيث المبدأ من غير المقبول وصول الوضع الى درجة يشعر معها جنبلاط بانه مستهدف انمائياً أو سياسياً، كما من غير المقبول أن يتصرف أحد من أركان المعادلة السياسية وكأنه من الممكن تجاهل مصالح جنبلاط أو فرض معطيات لا يتم تكوينها بالتشاور معه، خاصة في القضايا التي تقع على تماس مباشر مع مصالحه. والسبب في ذلك ان جنبلاط بما ومن يمثل هو ركن أساسي من أركان ما يسمى "الصيغة" التي لا يكتمل عقدها من دونه، وأن أي ثنائيات يمكن أن تقوم هي على حساب الصيغة.
وتضيف الأوساط نفسها أن ما جرى تداوله خلال الأيام الأخيرة عن "تهميش انمائي" لجنبلاط تزداد خطورته على أبواب مرحلة انتخابية وفي وقت باشر جميع أركان المعادلة اللبنانية حملاتهم الانتخابية، فيه قدر من التبسيط. ذلك انه اذا كان صحيحاً ان المطالب الانمائية التي يرفعها جنبلاط محقة تماماً، وأنه معني بـ "مواجهة" جمهوره وهو ممسك بانجازات في المجال الانمائي ـ التنموي، فان الصحيح أيضاً أن المسألة الانمائية ليست الأساس في شعور جنبلاط باستهداف سياسي.
النظام السياسي وسقفه
فوليد جنبلاط يملك اليوم كتلة نيابية كبرى نجمت عن تقسيم انتخابي مُرضٍ له خلال انتخابات العام 2000 ومع ذلك لم يغادره الشعور بالمشكلة السياسية في مرحلة ما بعد "الطائف" عموماً. طبعاً، لا يمكن القول إن التقسيم الانتخابي ليس مهماً بالنسبة الى جنبلاط، بل هو مهم فعلاً ولا يمكن تجاوز اعتباراته عند رسم قانون انتخابي جديد. لكن "المشكلة" هي أن لجنبلاط أياً يكن التقسيم الانتخابي وأياً يكن حجم كتلته النيابية، سقفاً محدوداً ضمن النظام السياسي.
في هذا المجال يقول سياسي مخضرم إن الزعيم الراحل كمال جنبلاط كان يملك في ظل نظام ما قبل "الطائف" كتلة نيابية لم تتجاوز يوماً ثمانية نواب ـ لكن سقفه في النظام السياسي آنذاك كان أعلى من سقف وليد جنبلاط اليوم، إذ استطاع كمال جنبلاط أن يكون وزيراً للداخلية (حاكم لبنان الاداري كما كان يطيب للراحل أن يقول)، بينما سقف التمثيل الدرزي اليوم وزارة الاقتصاد... وبحكم الاضطرار. ويضيف السياسي المخضرم ان كمال جنبلاط "عوّض" عن السقف المحدود في النظام السياسي السابق بدور محوري في الحياة السياسية اللبنانية وترك بصماته على كل مراحلها.. مع الاعتراف بان ظروف الراحل غير ظروف وليد جنبلاط وهامش الحركة أوسع... ومع ذلك لم يهضم كمال جنبلاط النظام السابق ولم يهضمه النظام السابق. وكان ما كان مما يمكن اعتباره إشكالية في التاريخ اللبنانيّ الحديث.
كيف تنفيس "الضيق السياسي"؟
الاستنتاج الذي تتوصل اليه الأوساط الآنفة هو الآتي: يمكن ان تكون رئيساً لكتلة كبيرة وتشعر بفاعلية محدودة نظرا الى السقف المتدني، حتى لو كان التقسيم الانتخابي ملائماً. الحل بـ "رفع السقف" امام جنبلاط. و "رفع السقف" مرتبطٌ بـ "الطائف" وليس بقانون الانتخاب. و"رفع السقف" ممكنٌ بـ "تسوية" ضمن نظام الطائف تتيح لجنبلاط اختراق سقفه الحالي، وممكنٌ بـ "تعديل" الدستور الذي يحتاج هو نفسه الى تسوية.
وتقول إنّ الفصل ضروريّ بين المطالب الانمائيّة ـ الاجتماعيّة ـ البيئية المحقة لجنبلاط والتي لا يتواجه فيها مع الحريري وحده، وجنبلاط يعرف ذلك، وبين توسيع الهامش السياسيّ لجنبلاط، الامر الذي لا يختصره قانون الانتخاب، وهو الامر الذي لا يقف الحريري في وجهه، وقد دلّت الواقعة المرويّة حرص الحريري على مصالح الزعيم الاشتراكي على الرغم من الممر الخلافي الراهن بينهما.
طبعاً من الخطأ إتهام جنبلاط بانّه يختار عناوين انمائيّة أو بيئيّة للتعبير عن "ضجيج" سياسيّ. لكن في اعتقاد الأوساط "العاقلة" ان شعور جنبلاط بـ "الضيق" السياسيّ ناجم عن ادراكه انّ ثمة "ديناميّات" سياسيّة داخلية تواكب التطورات الاقليمية، وهو "يشتبه" بهذه "الديناميّات" وتحرّك لديه مخاوف مشروعة، وهنا ايضا ليس الحريري "غريمه".. وحده على الاقل. وفي اعتقادها اخيراً ان "تنفيس" الشعور الجنبلاطيّ بـ "الضيق" لا يمكن ان يحصل الا بمزيد من الانفتاح مسيحيّاً وسنيّاً وشيعيّاً.. عندها يستطيع استعادة موقعه بوصفه "قطب الرحى".. ذلك ان لا بدائل راهنة في ظل حركة سياسيّة ـ حزبيّة متراجعة وحركة نقابيّة ـ شعبيّة منهارة ووضع عربي ـ اقليمي ـ دولي معروفة مشكلاته لكثرة ما جرى الحديث فيها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00