ينقل زوار البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير عنه تشديده في الآونة الأخيرة على ضرورة قيام "تحالفات وطنية" في لبنان خصوصاً في المرحلة الحالية.
وفي هذا المجال، يلفتُ الزوّار الى أن كلام البطريرك على "تحالفات وطنية" مختلفٌ مضموناً وسياقاً عن كلام سابق له على "تكتّلات وطنية". فالبطريرك الذي يطيب له عادةً التذكير بـ"مدارس" سياسية مختلطة مرّت في التاريخ السياسي اللبناني مثل "الدستورية" و"الكتلة الوطنية" و"الشهابية" والتي تشكّلت جميعاً من مسيحيين ومسلمين، يدرك أن الظروف المستمرة منذ سنوات طويلة لا تتيح تشكّل "التكتلات الوطنية" بمعنى "المختلطة"، ولكن ذلك لا ينفي إمكان نشوء "تحالفات وطنية" في المقابل.
ذلك أن "التحالفات الوطنية" يمكن أن تقوم بين تيارات وكتل من ألوان طائفية مختلفة لكن ممثلة فعلياً لبيئاتها. ومن هنا فإن دعم صفير استمرار "لقاء قرنة شهوان" كما أسرّ بذلك لعدد من الزوّار، لا يتناقض مع دعوته الى التحالفات، فـ"مشكلة" القرنة ليست في كونها ذات طابع ماروني غالب بل "مشكلتها" في غياب أي تحالف لها مع تكتّل أو تيار إسلامي، وكذلك فإن "مشكلة" التيارات الإسلامية تكمن في انعدام أي تحالف لها مع تيار مسيحيّ فاعل.
"التحالفات الوطنية"... وحكم اللبنانيين لأنفسهم
على أي حال، ليست المسألة نظرية أو فكرية بالنسبة الى البطريرك. فهو يطرحُ "التحالفات الوطنية" في ظرف سياسي محددّ يستدعي مثل هذا الطرح. وللتذكير، يقول الزوار المقربون منه والذين "يفهمون عليه"، إن صفير الذي لم يغادر قناعته بأن مستقبل لبنان مرتبط بـ"قراره الحرّ وبقدرة اللبنانيين على حكم أنفسهم بأنفسهم"، مقتنع أيضاً بأن "الوصول" الى ذلك رهنٌ بـ"تفاعل" العلاقة المسيحية ـ الإسلامية وبانفتاح القوى الأكثر تمثيلاً لبيئاتها على بعضها. كذلك فإن البطريرك يعتبر أن اللبنانيين مدعوون الى البرهنة أمام أنفسهم وأمام سوريا وأمام أميركا والعالم كلّه أن في وسعهم حكم أنفسهم، وهو يشدّد على أنه في مثل المرحلة التي يجتازها الوضع في المنطقة ولبنان من ضمنها، يجب أن ينجح اللبنانيون في تقديم "الصورة" الحقيقية عن تمسكهم بالعيش المشترك وفي بلورة ركائز الصيغة السياسية اللبنانية التي لا بدّ أن تتولى زمام الأمور في المرحلة التالية.
من هنا، يلفت الزوار المقرّبون الى أن تشديد البطريرك على "التحالفات الوطنية" ينطوي على المضمون المطروح آنفاً، أي أنه يأتي في سياق حديثه المتجدّد عن "حكم اللبنانيين لأنفسهم". وهو يلحّ على زوّراه، المسيحيين منهم خصوصاً، من أجل دقّ أبواب المواقع المسلمة من دون تردّد. غير أن لكلامه على "التحالفات الوطنية" وإلحاحه على طرق أبواب المسلمين، بعداً إضافياً.
اللاعبون المحليون
وهنا يروي أحد الزوار أن البطريرك قال أمامه: عديدون يأتون إليّ ويقولون إن لبنان باستحقاقاته الرئيسية كان منحكماً دوماً الى قرار اقليمي ـ دولي، لكن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام يتجاهلون أن البلد كان فيه لاعبون داخليون وأن القرار الاقليمي ـ الدولي كان يأتي لينحاز الى لاعبين محليين أو ليتطابق مع محصلة اللعبة الداخلية.. فأين هم اللاعبون المحليون اليوم ولماذا يمتنعون عن تحريك دورهم؟. ويستنتج الزائر ممّا قاله البطريرك صفير أمامه أنه يبدو معنياً جداً بإعادة الاعتبار لـ"الداخل اللبناني" دوراً و"لعباً" وإخراجاً، وهذا ما يدعوه الى التشديد على أولوية "التحالفات الوطنية". والى ما استنتجه الزائر السابق يضيف زائرٌ آخر أن تجربة "مجلس الحكم" في العراق تستلهم من غير أن تُعلن ذلك تجربة "الصيغة اللبنانية" حيث يبدو "المجلس" ائتلافاً وطنياً مع العلم أنه مشكّل من قوى تمثّل طوائف ومذاهب وعشائر، وهذا ما يفترض أن يشجّع اللبنانيين على إعادة الاعتبار لـ"صيغتهم".
ضدّ تعديل الدستور
ويشير زوّار البطريرك صفير الى أن دعوتَه الى "تحالفات وطنية" تسيرُ جنباً الى جنب مع تشديده على التمسك باتفاق "الطائف" وبتطبيق الدستور. وإذا كان صفير قد أكد على هذا الموقف مراراً، معتبراً أن "الطائف" ضمانة للجميع، وللمسيحيين خاصة، رافضاً "المبازرة" على الدستور لاستحقاقات معينّة، داعياً الى تطبيقه لاكتشاف علاته قبل البحث في تعديلات عليه... فإن البطريرك يؤكد أمام زواره أنه ضد تعديل الدستور "من أجل أشخاص"، ويفصح الزوار بنسبة معينة عبر لفت الانتباه الى أن المقصود هو أن كل شخص يحتاج ترشيحه الى رئاسة الجمهورية الى تعديل في الدستور، لا يستطيع أن يراهن على دعم صفير. ويقول الزوّار في هذا الصدد إن رفض البطريرك "تعديل الدستور من أجل أشخاص" يصيب "مجموعة من العصافير بحجر واحد"، فهو يصيب التمديد ومرشّحين محتملين من الوظائف العليا في الدولة.
على أن ما يتوصّل إليه الزوّار المقرّبون مما سمعوه من صفير، هو أن سيّد بكركي الذي نأى بنفسه مراراً عن "الزواريب" وآخرها المعلوم رفضه الدخول في "بازار" تشكيل الحكومة، قرّر في المقابل الدخول الى الأمور من أبوابها العريضة: الحثّ على "التحالفات الوطنية"، التشجيع على استعادة اللعبة الداخلية وجعل الاستحقاقات المقبلة مندرجة في هذا السياق تماماً.
التواصل .. وقنواته
ويبقى السؤال قائماً: هل ثمة إمكان لقيام "التحالفات الوطنية" التي ينشدها البطريرك في الظرف المباشر الراهن؟
اذ يؤكّد زوّار المقرّ البطريركي الصيفي في الديمان أن صفير "حجز" لنفسه موقعاً مؤثراً وأنه على استعداد لـ"تغطية" دينامية سياسية في الاتجاه المطروح آنفاً، تبدي أوساط أخرى اعتقادها أن الأمر لا يزال يحتاج الى وقت يتمّ خلاله استطلاع المواقف والتقريب بينها، مشيرة الى أن ثمّة "قنوات اتصال" معروفة وإن كانت غير معلنة بين الأفرقاء، لكن المسألة التي لا بدّ من حسمها بادئ ذي بدء، هي عدم اعتبار التواصل محرّماً أو تآمراً مع أحد ضد أحد، بل اعتباره أمراً لا مفرّ منه عند هذا المفصل الاستراتيجي الذي يقف لبنان ـ والمنطقة ـ عنده، كما أن المسألة هي إعطاء الأمل اللبنانيين بأن البلاد لن تشهد اهتزازاً في استقرارها السياسي مع التطورات الحاصلة والمحتملة، وأن دينامية التواصل أساسية فلا يدفن أحد رأسه في الرمال.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.