8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بين المواقف الاضطرارية والتحالف الموضوعي.. المضمون السياسي الحقيقي

منذ أن أعلن رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط عبر "المستقبل" أنه يريد حواراً مع رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري مؤذناً بانتهاء القطيعة التي "بادر" اليها جنبلاط واستمرت أسابيع قليلة، بات حصول اجتماع بينهما مسألة وقت. غير أن السؤال الذي كان ولا يزال يطرح نفسه بالنسبة الى علاقة الرجلين هو: هل ثمة إمكانية لقيام تحالف بينهما.. على أي أساس ومتى؟
في هذا المجال، تستعرض أوساط مقرّبة منهما التاريخ القريب للعلاقة الحريرية ـ الجنبلاطية، فتشير الى أنها اجتازت خلال السنوات الماضية منذ العام 1998 مجموعة من المراحل، الأولى بين 1998 وأيلول 2000، والثانية بين أيلول 2000 وأيلول 2001، والثالثة 2001 ـ 2002، والرابعة ما انصرم من العام 2003.
وتعتبر الأوساط المقرّبة أن المرحلة بين 98 و2000 كانت الأفضل بينهما، ذلك أن نوعاً من التحالف المتين نشأ بينهما منذ تشكيل حكومة العهد الأولى برئاسة الرئيس سليم الحص وتوّج بالانتخابات النيابية وما أسفرت عنه من انتصار كاسح لكليهما وعودة مشتركة الى السلطة. كان الحريري وجنبلاط في هذه المرحلة في موقع التعرّض لـ"اضطهاد" من قبل الحكم ولو بشكل متفاوت بين واحدهما والآخر، وكانت شعاراتهما السياسية متقاربة الى حدّ كبير في المعركة التي جمعتهما ضد تلك "المرحلة الأمنية" وكانت العلاقة قوّية.
3 مراحل بعد الانتخابات
بعد الانتخابات والعودة المشتركة الى السلطة، عبر ممثلين بالنسبة لجنبلاط الذي "اختار" عدم الدخول مباشرة في الحكومتين اللتين شكّلهما الرئيس الحريري، برزت ثلاث مراحل. بين 2000 و2001، "بدا" القطبان يغرّد كل منهما في سرب، حيث كان جنبلاط بتحالفاته المسيحية يجتاز ممراً صعباً للغاية مع القيادة السورية، لا تزال وقائعه حاضرة وعاشت العلاقة الجنبلاطية ـ السورية فترة من التأزم، لكن اللافت في تلك الحقبة أن الحريري لعب دوراً مهماً على صعيد محاولة رأب الصدع بين جنبلاط ودمشق، لا بل يمكن القول بحسب الأوساط إن الحريري كان الموقع السياسي الوحيد الذي تحرّك على هذا الخط... الى أن كانت أحداث آب 2001 التي قيل يومها ولا يزال يُقال إن واحداً من أهدافها ضرب التحالف بين الحريري وجنبلاط وبينهما وبين الرئيس نبيه بري، من مدخل ضرب التحالف الجنبلاطي ـ المسيحي، الأمر الذي نجح وكان من أثمانه الباهظة أن مجلس النواب فقد الكثير من هيبته بعد أن فرض عليه التصديق على قانونين متعارضين لأصول المحاكمات الجزائية في ظرف أيام قليلة فقط، وأن الحكومة السابقة عاشت منذ ذلك التاريخ والى حين استقالتها في نيسان الماضي حالاً من انعدام الوزن.
وفي رأي الأوساط أن أحداث آب 2001 ثمّ أحداث أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك، تؤرّخ لـ"تغيّر" مجرى العلاقة الحريرية ـ الجنبلاطية. فجنبلاط الذي يعتبر أنه ترك وحيداً يعارض المفاعيل السياسية لأحداث آب، وجدَ في أحداث أيلول محطة فاصلة تسمح له بإعادة تقويم المرحلة السابقة وبتقديم خطاب آخر. وبكلام آخر، تشير الأوساط هنا الى أن جنبلاط كان في طريقه الى استخلاص دروس تجربته بين 98 و2001، على مستوى معارضته للحكم وعلى صعيد تحالفاته المسيحية وفي مجال "المسافة" التي اتخذها من دمشق، عندما حصلت أحداث أيلول فسرّعت "المخاض" والنتائج.
ولم تشهد علاقة جنبلاط بالحريري بين أيلول 2001 و2002 وهي فترة المرحلة الثانية تحولات استراتيجية، وإن بدت قائمة بـ"قوّة الاستمرار"، وقد تخلّلتها فترات من "التسويات" لا سيما في المجال الاقتصادي ـ الاجتماعي. على أنه إذا كان يمكن وصف العلاقة بين عامي 2001 و2002 بأنها "مرتبكة"، فإنه يمكن القول إنها "اهتزّت" خلال العام الماضي، وخصوصاً في الأشهر الأخيرة من العام 2003، وذلك على الرغم من "لقاء الأحد" الأسبوعي في قريطم وعلى الرغم من "التسوية" المالية ـ الاجتماعية التي توصّل إليها ثلاثي برّي ـ الحريري ـ جنبلاط في موضوع الموازنة، حيث لعب الزعيم الاشتراكي دوراً ملموساً في انتاجها مدعوماً ببعض التحركات المطلبية، لا سيما التحرك التعليمي.
استنتاجات
ماذا تستنتج الأوساط السابقة من هذا العرض المكثّف؟
تقول أولاً، إن "الفترة الذهبية" للعلاقة الحريرية ـ الجنبلاطية، هي تلك التي كان يقوم بينهما خلالها تحالف سياسي بامتياز.
وتلفت ثانياً الى أن الخلاف المالي ـ الاقتصادي على أساس "فلسفتين" في هذا المضمار، ليس جديداً، وهو استمر قائماً حتى في فترة التحالف السياسي، لكنه كان يتم اخضاعه باستمرار لأولوية العلاقة السياسية، بمعنى أن الرئيس الحريري أخذ في الاعتبار دائماً مواقف النائب جنبلاط، والثاني كان يبدي حرصاً على عدم إصابة مشروع الحريري بـ"الانهيار"، بل كان يميّز بين النظري ـ المبدئي وبين العملي ـ المجدي. وتعربُ الأوساط عن اعتقادها ان هذا الخلاف لا يمكن أن يفسّر ـ لوحده على الأقل ـ حصول الانقطاع.
وتشير ثالثاً الى أن الرئيس الحريري أبدى حرصاً شديداً على عدم تصعيد الأزمة بينه وبين جنبلاط، لا بل إنه يقول دائماً عندما يُسأل عن رئيس "التقدمي" إنه "أكثر" من يستطيع فهم الزعيم الجنبلاطي وتفهّمه. وإذا كانت قراءة موضوعية متأنية لمواقف جنبلاط وتصريحاته في هذا المجال تُظهر أنه لم يقد حرباً شعواء ضد الحريري بل أبقى اعتراضه ضمن حدود تاركاً مطرحاً للصلح، فإنه في المقابل لم ينجد الحريري في لحظة سياسية معقّدة، وفي وقت كان الحريري ولا يزال مستهدفاً في موقعه، وذلك على الرغم من قدرة جنبلاط على اتقان لعبة التوازن في حالتي الايجاب والسلب، وهذا ما ظهر لاحقاً عندما "وازن" هجومه على الحريري بانتقادات شديدة للحكم.
وتؤكّد رابعاً أن تمايزاً في "الأداء" برز خلال الأشهر الأخيرة بين الجانبين أثناء الحرب الأميركية على العراق وبعدها، حيث بدا أن كلاً منهما يتعاطى مع التطورات ووقائعها من زاوية معّينة. لكنها تسارع الى القول إن للزعيم الجنبلاطي منهجيته وأسلوبه الخاصيّن في القراءة والتصرّف، الأمر الذي ينتسب الى المدرسة الجنبلاطية التاريخية العريقة، وتضيف أنه مع ذلك، أي مع واجب الأخذ في الاعتبار لمنهجية المدرسة الجنبلاطية و"طقوسها" ولو في مرحلة مختلفة تماماً بظروفها عن مراحل سابقة عايشتها هذه المدرسة، لم يكن مفهوماً الغمز الجنبلاطي من "التأمرك" الحريري. ففي وقت يعلم جنبلاط أن فريقاً أساسياً من السلطة يسعى الى "إغواء" الولايات المتحدة، يعلم أيضاً أن الحريري الذي تميّزه بشكل خاص علاقته بالرئيس الفرنسي جاك شيراك متمسك بالعلاقة الاستراتيجية بسوريا، وهو لم "يستغل" علاقته بشيراك إلا للمصلحة اللبنانية... وصولاً الى "باريس ـ 2" كما تقول.
التحالف الموضوعي
باختصار، وإذ تعتبر الأوساط المقرّبة من الرجلين أن أياً منهما لم يصل الى قطع الطريق على استئناف العلاقة، تعرب عن اعتقادها أن بينهما سياسياً الكثير مما يجمع. فجنبلاط، بالرغم من الانتقادات التي وجهّها الى رئيس الحكومة، لم يُعلن انحيازه الى جانب معركة بعض السلطة ضد الحريري بكل ما تستهدفه هذه المعركة، أي أن جنبلاط بحسب هذه الأوساط، وقد علّق تحالفه مع الحريري لم ينتقل الى تحالف آخر، فضلاً عن أن لسوريا في حساب كل منهما موقعاً متميّزاً، مما يعني أن ثمة أساساً للتحالف لا يختصره كونهما زعيمي بيئتيهما بلا منازع، بل يتوسع الى جوانب عدة أهمها عدم المساس بالهامش الديموقراطي الذي تتيحه طبيعة النظام السياسي. ولذلك تختم بالقول إن ثمة فارقاً بين المواقف الاضطرارية والتحالف الموضوعي، الذي يجب إكساؤه بمضمون سياسي متوفر فعلاً... وتشدّد على أن الكثير مما يمكن أن يُقال في العلاقة الحريرية ـ الجنبلاطية لا بدّ أن يُقال في وقته عندما يحين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00